1،2،3،4،5،6،7 - قصة قصيرة
1،2،3،4،5،6،7
قصة قصيرة
سعيف علي الظريف
كنت أحاول أن أعالج الشرود وضياع خيوط الفهم بين صفحات الكتاب الذي كان بين يدي، فقد حاولت أن اربط بين المعاني لكنها كانت تتمنع.
كان التشتت الذي ينتابني يزيدني إصراراً على محاولة التركيز وتجميع ما بقي عندي من طاقة ذهنية لترتيب الأفكار واتساق الإحداث.
الحق أن حال الوهن والاكتئاب الذي يلزمني منذ فترة بدأت تطول وتزداد وطأته حدة، يمنعني أن انتبه أن خطأ حاداً في ترتيب الصفحات هو السبب الحقيقي وراء هذا الاختلال وتشتت الحدث. كان يصعب علي أن انتبه إلى كل هذا لولا أن صوتاً نبّهني وهو يأتي من أول العربة الأولى للقطار. كان الصوت الرجالي*1 مزيجاً من الحشرجة والبكاء.
التفتُّ عن القراءة إلى الرجل الذي كان يستجدي الراكبين أن يأخذوا حبة من التمر وان يدعوا لابنه بالرحمة. "أرجوكم خذوا. بلي يعز عليكم*2. أدعوا لابني بالرحمة. إن حرقة فقده مازالت تتّقد في قلبي.. لقد دهسته كرهبة*3 وهو عائد من الدرس... آه...
أحسست بقشعريرة تستبدّ بي، وكادت أن تقفز دمعة من مقلتي لولا أني اجتهدت في قبضها *4، وإنا آخذ حبَّتي تمر من الوعاء. كان للموت حكايات عندي. وللحزن مكامن عديدة في كتلتي الشعورية وفي خزائني. مثل كل البشر ومثل كل الأنفاس الرتيبة التي تستهلك الهواء في القطار.وقد يكون الحزن مثل الفرح الأكثر قسمة بين جميع البشر...
انتبهت عندما عدت إلى الكتاب أبحث عن الصفحة التي كنت أتردد على كلماتها أن الصفحة السبعين كانت تجاور الصفحة الواحدة والثمانين. قلبت الصفحات المجاورة فاكتشفت أن خطأً في التصفيف يمتد بين الصفحات العشرين السباقة للتسعين. الحق أني لم أمتعض أبدا من هذا الخلل الفني، فقد كان يكفي أن انتبه إلى التعرّج الذي يصيب الحدث وإلى عدم موافقة الكلمات الأخيرة والكلمات الأولى للصفحات الموالية. لكني كنت دائماً حسَن النِّية في مطالعاتي مما جعلني أزداد حيرة في الفهم وتقصّي المعنى. كان شكي في قدرتي على إدراك نوايا الكاتب والتعرف على النسق الذي اختاره لقصّه كما أن الاحتفاء النقدي الذي صاحب توزيعه زادني غشاوة ارتد فيه العيب لي وكنت أنا أحب كثيراً ميلان كونديرا.
كانت كل كراسي العربة مشغولة بالركاب. كان أكثرهم على هيئة الطلب يتوردون بحب الحياة ويعالجون بالضحك والاستهزاء والنكتة اللاذعة كل ما يعترض أحاديثهم وصخبهم المتعالي. وكان يبدو أن ضغط الامتحان يزيد انفعالَهم وحدّة القهقهة، وكان كل هذا يبعث جواً من الحياة في القاطرة. ويهزّ الابتسام في وجه المسافر الذي كان يجاورني ويحاول أن ينتبه إلى كل دقائق أحاديثهم*5.
انغمستُ مجدداً في القراءة وقد ترتّبت عندي الأحداث وتكشّف لي بعض المعنى وأنا أعيد قراءة الصفحات الملتبسة*6. استرددت بعض الثقة في اتّزان الذهن عندي. كانت الحكاية تحملني أحياناً إلى أقاصيَّ وتوغل بي في طوارئ الأفكار وتنزعني عن المكان على الرغم من أن الحسرة تتوعدني بالعودة، كلما تذكرت أني لم استطع العودة إلى الكتابة منذ مدة طويلة.
تنبه الراكب الذي يجاورني إلى تنهدي وإلى صوت صفارة القطار وهي تعلن وصولها إلى المحطة النهائية بساحة برشلونة.
إنها تونس العاصمة.
هوامش
1. كان الرجل نحيفاً وقصير القامة فيه سمرة أهل الجنوب التونسي وقد نسيت ان أذكر انه كان يجلس ورائي.
2. بلي يعز عليكم في الدارجة التونسية تعني: أعز ما تملكون.
3. الكرهبة تعني السيارة.
4. كنت ألبس قميصاً أبيضَ غيرَ مكويّ.
5. الحقّ أني كنت أختلس النظر إلى سائحة أجنبية مستغرقة في نوم خفيف.
6. اشتريت الكتاب من مكتبة للكتب القديمة وقد غرّني الثمن البخس ولم ألحظ الأخطاء في التصفيف رغم انه صادر عن دار باريسية معروفة.
7. الأقصوصة بعنوان القاطرة.
الأقصوصة توزيع وتوقيع على المعنى.لعب بين السند والمتن. تقول ان الهامش هو في مدار الأصل. تجريب في القص وبحث في الشكل