في انتظار الفجر

بيلسان قرأها 781
  

في انتظار الفجر

بيلسان

يومٌ آخر يأتي، نور الصباح يدخل كمشاكس من نافذتي ليوقظني بشعاعه كقبلة ملتهبة تأبى أن تتركني أنام مجدّداً وها أنا أستلم هديتي ككلّ يوم عند نافذتي: نسيم معطر بعبق أزهاري المحببة الكاردينيا والبنفسج اللتين زرعتهما بيديَّ في حديقتي. وأخذ مني التفكير العميق لتحلَّ محلَّه مشاعر التناقض وأنا أنظر إلى أزهاري، إحساسي أنها ستكون هناك في يوم عرسي وعلى نعشي.

هناك حالتان... سيدان... وثوب واحد... ستحملني الغيمات وأرتمي عند أحدهما، وجسدي وروحي عطرّهما الطيب لأجلهما. من عند هذه النافذة بدأت قصتي قصة عاشقة تجوب المحيط، تسبح في البحار وتقاوم الغرق. تستريح استراحة محارب وتعاود السباحة مجدداً لتبقى. تتحدى ضربات الموج وتمسك بدفة القدر لتعوم لفترة أطول.. تعوم على موج الأمل بلا سفينة ولا بحّار.... مع أنها لا تعرف السباحة!

خارطتي ضاعت عند نافذتي، مزقها المارد وهرب. تركني بلا خارطة ولا وجهة، أتخبط في متاهات المجهول، وها أنا الآن أجلس عند نافذتي أنظر إلى لوحتي وأستذكر ذاكرتي حيث الجسد ينضج والروح ترقص.

كنت فدائية اللحظات أختبئ تحت برقعي بجسدي المفخخ بالحياة. أغمض عينيّ، أتذكر كيف خلعت البرقع وبقيت عارية أرقص على نغمات السانتوري الزوربائية بلا قيود ولا خجل.. الدفّ بيدي وبيديك الوتر، الكحل بعيني كما الغجر، والخجل يغطيني ليمتزج بأنوثتي حتى السَكرْ. هاهي الأرض ترتجّ لصخبي، ويحبس الموج أنفاسه أمام رقصي ويرفع الله كأسه ليضرب كأسي نعم في هذه الحالة النيرفانيّة اقتنصت اللحظات الهاربة في إطار خشبي لأوقف انسياب الوقت في صورة. محاولتي اليائسة لتحنيط ابتسامتك التي أعشق أقتنصها وأركع أمامها... نعم، لأحنّط وقتي معك في صورة محبوسة ضمن الإطار.

يقولون سيبزغ الفجر مجدداً.

جلست طويلاً أنتظر بزوغ الفجر ... لكن لن يأتي. ما من فجر في حياتي يا سيدي. حتى الشمس نورها شاحب ووهجها بارد. أين نورها وأين دفئها؟ لقد أخذته معك. اقتنصت نوري ودفئي وفجري قتلت لحظاتي وكسرت صوري. لا مستقبل لي لأن خنجرك أنهى حياتي أحاول جاهدة أن أحصل على حريتي، أقنع نفسي بالكف عن الحلم بك ومعك. الحرية أن لا تنتظر شيئاً. أضناني الغرق في عبودية الترقب. مُضحكةٌ أنا. أنزف وما زال عندي أمل وجيشي لا يقبل الأمر بالتراجع. مصّر على الاستمرار بما بدأ. وواثق من الوصول وانبثاق فجره وهو أنت. لكني تراجعت من أجلك لا من أجلي فقوّتي فولاذية وصبري بلا حدود وقلبي أكبر من اللامحدود لأنه صمِّم على مساحة اسمك.

هل تدري.. عندما أكون حزينة أدرك حزني. لكن عندما أكون سعيدة لا أعي ذلك إلا فيما بعد. لأن السعادة اكتشاف متأخر. سأعدك بشيء. أعدك أني سأبقى أحبك حد الثمالة. أعدك أن آبه لحياتي. أعدك بالعودة إن لم يشتقِ الله لي، مكاني هناك بين الحطام الملوّن بالأحمر، وفجري هناك عند تضاريس جسدك وحنايا روحك.

أحبك أنت فقط وبعدك لا فجر جديد لي يا سيدي إن لم ترَني مجدداً تذكر: قوتي تحيطك رغماً عنك وحبي يحميك رغماً عنك. وطاقتي خذها.. هي لك.

أنتظرك أيها الفجر عند نافذتي.

ما زال عبق الكاردينيا والبنفسج هنا.

سلّتي امتلأت. وزهوري سألت..

وأنا خائفة..

ما من جواب!!