خطوة .. وتنطلق المسيرة

د. مفيد مسُّوح قرأها 6
 

5465456444trfhdghfdhgfhgfhgfhgfrrtetre44343.JPGنشر هذا المقال في صحيفة "النهار" اللبنانية يوم الخميس 16/11/2006

في نهاية شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي (31/10/2006) أعلن الدكتور محمد صفا في بيروت عن تأسيس "نواة الفكر العلماني" في لبنان بديلاً عن الحالة المرَضية المقيتة التي جزَّأت البلد والمجتمع وأطاحت بحضاراته العريقة على امتداد آلاف السنين وسبَّبت الكوارث المتتالية والتراجع الشامل وعرَّضت البلد وأهله وممتلكاتهم إلى اعتداءات متكررة متنوعة الأشكال وقاسية ومهينة من قبل بلدان قريبة وأخرى بعيدة اخترقت المجتمع اللبناني عبر وسائل رجعية أنانيةٍ ضيقةِ الرؤيا سطحيةِ الأهداف بعيدةٍ عن أدنى المقومات الوطنية والإنسانية.

هذه الحالة الفظيعة لا تخفى على أحد، إذ لم تكن أية جهة معنية بها على مرِّ الحقب خجولة في طروحاتها العلنية المبنية مائة بالمائة على أساس انتماء طائفيٍّ متقوقع انعزاليٍّ رجعيٍّ عنيدٍ راسخٍ كالصخر القاسي الذي يحرم التربة فرصة إنماء البذار.

كالسرطان نمَتِ الطائفية البشعة بين الفُرَق وفي الشوارع والأحياء والبيوت .. وكالتلوُّث البيئي أصبحتْ موضوع حياة اللبنانيين وقد كانت في الأصل أساس تردِّيها.

ما أسوأ أن يُسمِعَكَ المتحذلقون أنَّ "لبنان مجتمع طائفي مبنيٌّ على هذا الأساس ولا يمكنه التخلُّص من هذه الطبيعة" !!

 وكم مؤلم أنْ ترى أنَّ قسماً كبيراً من أبناء الوطن الشرفاء قد استقطبتهم برامج الطائفيين فراحوا "اصطفافاً" غريزياً انتهازياً انهزامياً أوخبيثاً يتكرَّس معه الواقع الغريب والمرفوض وطنياً وإنسانياً والبعيد عن أدنى درجات الوجدانية وحب الوطن.

وكم هو بديهيٌّ أن ترى ما تراه كلَّ يوم من اختلافٍ وحِدَّةِ مواقف بين ممثلي هذه التجمعات الرجعية المتخلفة وقوَّاد برامجها، وهم يتقاتلون على أي شيء تاركين وراءهم مصلحة الوطن وحقوق أبنائه الشرفاء البسطاء.

وكم هو مستغربٌ ألا يستيقظ هؤلاء الشرفاء وقد كشفت الحياة والتجارب المريرة فشل النظام المبني غباءً وظلماً وخبثاً على أسس طائفية، وخطورة استمرار هذا النظام الذي أصبح بليَّةً وسوراً منيعاً لأيَّة خطوة وطنية من شأنها تخليص لبنان من حالاته المأساوية. كم يصغر بعينك شعب لبنان العريق عندما تراه أسير مصطلحاتٍ تُبتكرُ كل أسبوع وبرامجَ تتفتَّق عنها بين فترة وأخرى "أدمغة" رموزٍ تنطلق من جبهاتِ الرَّصد والترصُّد ومن جعبات المصالح الذاتية وفي أحسن الأحوال مصالح مجموعة مِمَّن يتوسَّطون بين هؤلاء الـ"ذوات" وأولئك الـ"مصطفِّين" غريزياً أو انتهازاً أو انهزاماً أوخبثاً أو ولاءً لدولٍ ذات مصالح، فتكون النتيجة أن تُحرم أيَّة محاولة شريفة وطنية من فرصة السير بالوطن إلى مرحلة الانفراج، ووضع العصي في عجلات الحكومة بدلاً من مدِّ يد العَون بروح وطنية صادقة. 

من الطبيعي في هذه الحالة الفظيعة أن تعمَّ روح التشاؤم بين أبناء البلد الذين انتُزعتْ منهم حقوقهم في تحديد مسار بلدهم بنزاهة، وأن تراهم حائرين بين هذا الصَّف أوذاك .. ولغياب البديل الوطني المناسب البعيد عن الطائفية والموالاة فقد خفُتَ صوتُ الشعب واضمحلَّت روح الحريَّة التي تميَّز بها اللبناني عبر التاريخ ومُسخ حقُّه في التعبير بفسحةِ السَّماح له بأن يكون من هذا الفريق أو من تلك الكتلة وأن يرفع شعار دعم الحكومة أو يؤيد الانسحاب منها وأن يتحدَّث بلغة الشارع أو بلغة التلفزيون الذي يحب.  

في خضمِّ حالة الفوضى والاختلاف والتشرذم والتمزُّق التي تملأ الساحة اللبنانية بضجيجها المؤرق والكابح، وفي ظلِّ حالة التشاؤم التي أصابت أصحاب الأيادي البيضاء والعقول النيِّرة والقلوب الصافية والانتماء الوطني الصادق، تنير الساحةَ فكرةٌ جريئة نزيهة طيّبة من قلب بيروت ومن أناسٍ ليس لهم فوقَ حرية بلدهم هاجس وأبعدَ من حقوق أبنائه همّ. دعوةٌ جريئة سليمة إنسانية وطنية صادقة مفتوحة على الجميع ومن أجل الجميع تتلاءم وما يتطلبه لبنان في هذه المرحلة العصيبة وفي المراحل الآتية كما يتمناها أبناء لبنان الأنقياء .. دعوة لنبذ الطَّائفية .. بل قبْرِها .. ونسيانها كخنادق يتكتَّل الناس في أعماقها للاقتتال. دعوة للعلمنة وفق معايير أرقى الشعوب والحضارات .. علمنة سيتضاءل وفقها دور المتمترسين وراء انتماءاتٍ ليس لهم فخرٌ بها وخلفَ ولاءاتٍ معيبة وقيدَ ثوابتَ لا تصلح للحياة في عصر السرعة والتقنيات واكتشاف الفضاء واستخدامه.

هل تنجح هذه الدَّعوة بنقلنا من حالة القنوط والتشاؤم إلى ساحات الأمل والتفاؤل فتنفرج أساريرنا وننطلق جمهوراً واحداً لا تمنعه تلوُّناتٌ، أتتْه من سجل الأحوال المدنية، من التكاتف لبناء لبنان بنزاهة وإخلاص يستحقهما والسير في طريق واحدة لأهداف واحدة بوسائل طبيعية إنسانية واحدة ودون احتماءٍ أو استقواءٍ بآخرين من أية جهة خارجية كانت؟!

يقول مؤسس "نواة الفكر العلماني" السيد محمد صفا: (إن حياة الإنسان وتجربته هما اللتان تعلِّمانه أهمية أن يكون علمانياً وأن يعمل من أجل دولة علمانية عوض أن تتآكلها "لعنة الطائفية منذ ولادة لبنان الكبير").

ويذهب د. محمد صفا إلى أبعد من ذلك إذ يرى أنَ: "إلغاء الطائفية السياسية يتم من خلال قانون انتخاب مبني على النسبية، فينجح النائب بأصوات اللبنانيين وليس بصوت ابن الحيّ والضيعة والطائفة".

ولتنظيم النَّاس في تجمعات وطنية شعبية لاطائفية لا يستبعد الدكتور محمد صفا فكرة تشكيل أحزاب كبيرة جماهيرية على أساس الانتماء الوطني فقط وإلغاء أي دور للطائفية السياسية فذلك: "يؤدي إلى  تفعيل الإنتماء الوطني من خلال تفعيل الموقف المجابه بكل الطرق (عسكري، سياسي، فكري، اقتصادي، اجتماعي...)". ويضيف: "الإنتماء الوطني يقوم على موقف يومي رافض للطائفية وللهيمنة بكل أشكالها، وأن تكون لدينا وحدة حال ووحدة مصير. هذا الإنتماء يمكن تفعيله من خلال التربية والتعليم والإعلام والإقتصاد والسياسة والديبلوماسية والمقاومة العسكرية".

والموقع على شبكة التواصل التخيلي(www.alalmana.org) الذي أنشأه د. صفا كانطلاقة لرؤياه ودعوته يهدف إلى "تفعيل لقاء تواصلي يتخطَّى الحدود الجغرافية ويؤسس لنواة الفكر العلماني". وقد بدأ زوَّار الموقع بالفعل حواراتٍ مفتوحة يمكن لمن يقرأ مداخلاتها أن يرى بشائر الخير ويتلمَّس الرغبة الصادقة في قلوب من التفتَ بعقلانية إلى الفكرة. طبيعيٌّ تماماً وغير مستغرب أبداً أن نرى زوَّار الموقع بالمئات وقد سارعت أناملهم إلى لوحات الكتابة تخطُّ عبارات التأييد والاستعداد .. فما عاناه الناس من الطائفيةِ-الوبالِ جعلهم يكرهونها وأفقدهم الثقة برموزها.

سيلتفُّ عددٌ كبيرٌ من اللبنانيين حول ساحة العلمنة المفتوحة يوماً بعد يوم. وهذا طبيعيٌّ لأنَّ "لبنانية"  اللبنانيّ مقدَّسة عنده في نهاية المطاف. والسبب في وقوع أبناء لبنان سابقاً في خنادق المتمترسين الطائفية هو غياب البدائل العلمانية العملية. وإذا ذكَّرني أحدهم بحزبين علمانيَّين كبيرين هما "الحزب الشيوعي اللبناني" و "الحزب السوري القومي الاجتماعي" فإنني سأعترف بمكانتيهما المحترمة في المجتمع اللبناني كحزبين وطنيَّين مخلصَين، ولكن الظروف الذاتية والموضوعية شاءت أن تهمِّشَ الحزبين مُخْلِية الساحة السياسية الرسمية لأحزاب لا تتمتع بنفس المصداقية الوطنية، إذ تتصدَّر أولوياتها مهمات "تمثيل أبناء الطوائف".

سيعرف الناس عاجلاً أم آجلاً أن لا وطنية مع الطائفية. ومن لديه الفخر بانتمائه لطائفته أو لدينه أو لعرقه، وكان هذا الفخر على حساب "لبنانيته" فقد لا يكون وطنياً. وسيعرف الناس قريباً أن "العلمنة طريقة في الحياة" تتلاءم وعصر اندماج الشعوب في الحياة اليومية والمفاهيم والثقافات وتشذيب الخصوصيات والتفاهم حول الحقوق والمساواة والعدل وإعلاء شأن المرأة كي تصبح مساوية للرجل في كلِّ شيء على الإطلاق.

وسيدرك الجميع أن العلمنة ليست تجمُّعاً لأبناء ديانتين أو ثلاثة بل هي منهج في التفكير يرجع فيه النَّاس إلى إنسانيتهم بعيداً عن سيطرة فكرة بذاتها أو رؤيا محدَّدة. وسيسود الاعتراف بحق جميع أبناء البشر باختيار طريقة تفكيرهم وتفسيرهم العالم والطبيعة والكون كما يحلو لهم طالما لم يتعدَّ ذلك حدود حرِّيات الغير. إذ لا يجوز لي، انطلاقاً من تصوراتي وإيماني الخاص، أن أنظر إلى الآخر بفوقية وأتعامل معه على أساس من العداء والكراهية أو أفرض عليه ثقافتي ونمط معيشتي، إذ أعتبر نفس الأفضل.

ولكي يطمئنَّ الحريصون على ثقافاتهم المبنية على أساس دينيّ يوضَّح د. محمد صفا: "نحن نطرح الموضوع من الناحية الإيجابية للكلمة، هي لا تدعو إلى إلغاء الدين ولا الآخرين".

ونقول:لا يجوز استخدام الأديان وثقافاتها لتكريس تمايز الناس ولقنونة حيواتهم. فبعيداً عن الدين ستسود قوانين المجتمع المدني فتتسع هوامش الحريَّة ويقوى الفرد ويتعمَّق تأثيره في المجتمع وتزداد قدرته الإنتاجية وتتفتح المواهب وتتعاظم الإبداعات وتتلاشى المخاوف من القضايا المبهمة والغيبية .. وفي ظل العلمنة لا تبقى مسوِّغاتٌ للمتسلِّطين استناداً إلى أحكام مسبقة فرضوها قسراً فأصبحوا ملوكاً يتوارثون الحكم وأصبح الناس عبيداً يستجدون رأفة الأسياد ورحمتهم.

في ظل العلمنة سيكون للبنان ربيع حقيقي تجلو عن سمائه وأرضه وحياة شعبه الغشاوات المستوردة والمفروضة قسراً وستتكشَّف الحقائق وسيتَّفق اللبنانيون (على اختلاف انتماءاتهم في سجل الأحوال المدنية) على سيادة القانون وقدسيته الوطنية وعلى محاسبة الجميع بدءاً بمن يقصِّر في عمله وانتهاءً بالجرائم الوطنية الكبيرة مروراً بكل ما يتعلق بالفساد المسلكي وانتهاك حقوق الآخرين والمساس بحرياتهم وكذلك بالأفعال التي من شأنها توريط الوطن وإخضاعه لتدخُّلات أو اعتداءات خارجية مقابل تعزيزِ مواقعَ أو انتصارٍ لمنهجٍ أو تصوُّر.

فالعلمانية، كما يقول د. صفا، ليست "برستيجا" بل هي فعلُ انفتاحٍ وسعي لبناء لبنان.

إنها الفرصة الذَّهبية لأبناء لبنان، في الوطن وفي المَهاجر، وقد أنهكتهم اللاعلمانية بقوالبها وبرامج ملوك طوائفها، وكادوا يفقدون الأمل بحياة طبيعية .. هي فرصتهم لاستخدام نعمة الحريَّة، التي تميَّز بها مجتمعهم عن غيره، استخداماً صحيحاً سليماً، تزول معه المحاصصة والتكتلات والتمثيل الطائفي وتستبدل بالتمثيل المدني الذي سيخلق مؤسسات مدنية راقية لائقة بلبنان حضاريٍّ عريق يدخل العالم من أبواب الإبداع والابتكار والاقتصاد والعلم والأدب وليس من أبواب طلب المساعدة على حلِّ المشاكل البَينيَّة والدَّعم المادي والمعونات العاجلة.

إنها الفرصة لكي يقف اللبناني منتصباً مرفوع الرأس متضامناً مع كل لبناني شريف كي يقطعوا الطريق على المتربصين بهم وبوطنهم وبتراثهم الغالي وبمكانتهم الحضارية.

سيتيتَّم في ظلِّ العلمانية كثيرون .. لأنهم كانوا أبناء لظواهرَ ستزيلها الحريَّة الحقَّة. ومع هذا فإن صدر الوطن واسعٌ واسع .. ومَن منهم على استعداد لقبول شروط الوطن العلماني الناهض سيتمتع بـ"نعمة التَّسامح اللبنانية"، وسيشعر قريباً بالفخر الأعظم .. الفخر بلبنان – طائر الفينيق.