"ياشباب .. الحديدة حامْيِة" – قصة قصيرة

خطيب بدلة قرأها 8
 

إمبراطورية المجانين الديمقراطية العليا

تجارب قصصية ميدانية

خطيب بدلة

 لازمات

ملاحظة 1:

إن المجانين الذين يُحْـتَجَزون في مشفى الأمراض العقلية أقل بكثير من المجانين الطلقاء. ولعله من المدهش حقاً أن المجانين الطلقاء  يتسنمون مناصب مهمة في البلاد، وتوضع في أيديهم مصائر البشر الأسوياء!!

ملاحظة 2:

نُشرت هذه التجارب القصصية على امتداد الأعوام من 2001 و 2005، في  مجلة " الشهر "، وصحيفـة " النور "، وعلى بعض المواقع الإلكترونية.

يا شباب الحديدة حامية ..

انتبهوا من الكمش

كُتبت هذه القصة صبيحة إلقاء القبض على

القائد التاريخي الملهم المحنك

صدام حسين

عُرف المجانين في العصور السالفة بالشَّعر المشعث، والوجوه الملخبطة، وارتداء الأزرق الشامي على البرتقالي والفستقي، وحَمْل المظلات المطرية صيفاً، والسير في الشوارع يتبعهم عـدد لانهائي من الأولاد يضربون لهم علـى الصفائح التنكية الفارغة، ويصفِّرون لهم، ويصيحون بأسمائهم وألقابهم، وكأنهم في مَسيرة تأييد لحاكم إحدى دول العالم الثالث تعشقه جماهيره!.. وأما مجانين عصرنا فيمتازون بميزتين لا يمتلهكما سوى حكام دول العالم الثالث أنفسهم، وهما: العظمة والعبقرية!!

        فالرئيس القائد صدام حسين– مثلاً–  كان عظيماً وعبقرياً إلى درجة أنه رفض (طوال وجوده في السلطة) إدخال أي تغيير على سياسته الخارجية القائمة على أن (العالم كله مخطىء ونحن المصيبون الوحيدون)، أو على سياسته الداخلية التي تتلخص بحكمة مفادها أن (الشعب لا يفهم سوى لغة واحدة هي لغة العَفس!). 

وكما تعلمون فقد تَرجم نظامُه هذه الحكمةَ إلى واقع عملي عُرف في أدبياته باسم: العَفس بالمُسَيَّرات الشعبية العفوية.. حيث كان رجال المخابرات العراقية يُجبرون الناس على الخروج في مُسَيَّرات (عفوية!!) تأييداً لقائدهم المُلْهَم: إذا حارب، وإذا سالَم، وإذا وافق على استقبال لجان التفتيش الدولية، وإذا رفض استقبالها، وإذا زاد الرواتب للناس، وإذا أنقصها، وإذا رفع الأسعار، وإذا أخفضها، .. وإذا أكل أو شرب أو دخن النارجيلة أو السيجار الكوبي أو البايب..، وإذا أخرج الغازات من مؤخرته خرجت مئات الألوف من الشعب وهي تهتف: (إن هلهلتي هلهلنا لِك!).. حتى خُيل لبعض المراقبين الحياديين أن الشعب العراقي كان ينام مرتدياً ثياب الخروج والأحذية، خشيةَ أن يقوم الرئيس– ليلاً – بعمل عبقري، مُلْهَم، يتطلب منهم الخـروج، على نحو عفوي (!) لتأييده.   

        ومع أن كل شيء في حياة العراق– في تلك الأيام–  كان يدل على عشق العراقيين للرئيس، وتمسكهم به بأيديهم (وأرجلهم)، إلا أنه كان يصر، بين الحين والآخر، على إجراء الاستفتاء الشعبي للتأكد من ذلك العشق.

وكما تعلمون- سادتي القراء-  فإن الناس، في كل أنحاء العالم، يذهبون إلى مراكز الاقتراع فرادى، ويمشون الهوينى واضعين أيديهم في جيوبهم.. وأما في العراق فكان الناخبون (يزحفون) إلى مراكز الاستفتاء، زحفاً،.. رجالاً، وعلى كل ضامر يأتون من كل فج عميق، تسبقهم الطبول والزمور والزغاريد وإطلاق النار في الهواء، تعبيراً عن الفرح (العفوي) بقبول صدام حسين تمديد حكمه لفترة دستورية جديدة. (تصوروا لو رفض!!).. وقد انتخبوه، في آخر استفتاء، بنسبة مئة بالمئة، وهذا يعني أنه لا يوجد عراقي واحد قال له (لا) وبضمنهم الرجلُ الذي رأيناه بعد سقوط بغداد  يُخرج صورته إلى أمام كاميرا التلفزيون ويضربها بالصرماية!!

***

هذا كله حدث في مناطق العقلاء، وأما نحن المجانين فقد تناولنا المسألة من جانب آخر:

ففي ليلة وقوع القائد التاريخي في يد القوات الغازية خرجنا من كافة المهاجع في مَسيرة تأييد عفوية دارت في باحة العصفورية، وأخذنا نهتف: بالروح بالدم نفديك يا صدام. ثم توقفنا أمام مبنى الإدارة، وصعد زميلنا المجنون أبو عبدو الطشنة على كتفي زميلنا أبي نبّيرة، وشرع يخطب قائلاً:

- اسمعوا ولاك. اصغوا إلي. لقد حصلت اليوم خارج هذه العصفورية أمور مريبة.

نزلت أكثر من خمسمئة فردة حذاء فوق رأس أبي عبدو الطشنة، وقلنا له: نحن نعرف ماذا حدث. لقد قبضوا على القائد. أليس هذا ما تعنيه؟

قال: لا ورحمة نانتي (هدلا) ليس هذا ما أعنيه. أرجوكم اسمعوني، لأنني سأحكي عن شيء آخر. فحينما كنا في خارج العصفورية- لا سقى الله تلك الأيام ولا أعادها- كنا نرى دوريات شرطة المرور وهي تباشر بمصادرة الدراجات النارية غير المرخصة. ووقتها يسارع مالكو الدراجات إلى إخفائها في البيوت، ويتصل أحدهم بالآخر قائلاً له: لا تخرج إلى الشارع هذين اليومين، فالحديدة حامية، وكمش الدراجات على قدم وساق. صح هذا الحكي؟

قلنا له: صح.

ههنا ضحك أبو عبدو الطشنة حتى كاد أبو نبّيرة الذي يحمله على كتفيه يقع به، وتابع يقول:

-قبل قليل أعلنت وكالة "عصفورية برس" أنه حينما ألقى الأميركان القبض على الرئيس صدام اتصل أحد رؤساء دويلات العالم الثالث بأحد أمراء دويلة أخرى، وقال له:

- توارَ عن الأنظار أسبوعاً أو أسبوعين، فالحديدة حامية، وكمش الرؤساء والملوك والأمراء في هذين اليومين على قدم وساق!!

صدر للمؤلف

§        حكى لي الأخرس 1987

§        عودة قاسم ناصيف الحق 1989

§        الساخرون- (نماذج من القصة الساخرة في سورية- إعداد) 1990

§        امرأة تكسر الظهر 1994

§        وقت لطلاق الزوجة 1998

§        حادث مرور 2002

§        التداوي بالأدب 2006

كتاب عن المؤلف: تجارب جديدة في القصة السورية- (عالم خطيب بدلة السردي)، تأليف محمد محي الدين مينو 2005.

رابط إلى المجموعة الكاملة