ضوء على الخزانة الخالدية في القدس الشريف - بمناسبة الاحتفال بالقدس عاصمة للثقافة العربية

د. عبدالله حنا قرأها 341
 

ضوء على الخزانة الخالدية في القدس الشريف

بمناسبة الاحتفال بالقدس عاصمة للثقافةالعربية

د. عبدالله حنا

كان من ثمرات الحضارة العربية الإسلامية، كثرة عدد الكتب في بغداد ومصر والأندلس والشام، التي ضمت في حناياها مختلف أنواع الكتب الدينية والعلمية، ترجمة أو تأليفاً أو الاثنين معاً.

وجاء ركود مجتمعات هذه الحضارة، وتدمير هولاكو لبغداد، وضياع الأندلس فيما بعد، خسارة كبيرة للحضارة الإنسانية. ومع أن مصر والشام بقيتا مثابرتين، وإن يكن بصورة وئيدة، على بعض الملامح الثقافية، إلا أنهما ما لبثتا أن وقعتا في وهاد السكون والجمود.

ومما يثير الأسى أن تتوقف الحضارة العربية الإسلامية، التي بلغت الأوج في القرن الرابع الهجري، عن مشاركتها النشيطة في الثقافة والحضارة الإنسانيتين.
لماذا ظلّ مجتمعنا ذو الماضي العريق والمجيد ساكناً راكداً عدة قرون؟.. لماذا لم يستطع هذا المجتمع، الذي قطع شوطاً بعيداً في التقدم الحضاري الإنساني أن يستمر في تطوره؟.. لماذا لم تجر في بلادنا عملية الانتقال من المجتمعات ما قبل الرأسمالية إلى المجتمع الرأسمالي والثورة الصناعية وعصر التنوير؟.. هل عوامل السكون والركود داخلية، أم خارجية، أم هذا وذاك معاً؟.. وما علاقة تراجع العقلانية وهزيمة المعتزلة، التي اعتمدت المنهج العقلاني، في عملية السكون والجمود الفكري؟.. وما آثار اختفاء العقلانية، التي أبدعت الحضارة العربية الإسلامية، في التخلف والجمود؟.. وهل اختفاء العقلانية سبب أم نتيجة لعوامل أخرى؟..

أمور لا يتسع المجال هنا لبحثها. ما يعنينا أن النهضة العلمية بدأت تدقّ أبواب المجتمعات العربية في منتصف القرن التاسع عشر لتحصيل العلوم والمعارف، متدرجين في تعميم انتشارها، وتسهيل ادخارها، بإنشاء المدارس والجمعيات، وطبع الكتب، ونشر الصحف والمجلات، وتأسيس أو إحياء المكتبات وغيرها، من (وسائل تهذيب النفوس، وتهذيب العقول وإثارة الأفكار)، حسب تعبير الكاتب الفلسطيني سعيد الكرمي.

كان للعوامل التراثية المتعددة الأشكال والألوان ذات الجوانب الثورية التنويرية والجوانب المحافظة السكونية دور أساسي، إلى جانب العوامل الخارجية والاقتصادية الاجتماعية، في عمليتي التقدم أو الركود.

***

ما يهمنا هنا هو أثر العامل التراثي في بعث اليقظة العربية، عن طريق جمع المخطوطات، ومن ثمّ تصنيفها وإنشاء دور الكتب في المدن العربية الكبرى.

فقد بدأت، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عملية تأسيس دور الكتب. فأُنشئت في القاهرة المكتبة الخديوية عام 1286 هجرية. وبدأت في دمشق عملية جمع الكتب والمخطوطات النفيسة في عهد الوالي المصلح مدحت باشا عام 1878. فقد قام المصلح الدمشقي ورجل الدين المستنير الشيخ طاهر الجزائري بهذه المهمة. وبما أن الكتب والرسائل الموقوفة وُضِعَت في تربة الملك الظاهر (بيبرس)، لهذا أُطلق على دار الكتب العمومية هذه اسم (المكتبة الظاهرية).

وكان من إنجازات الشيخ طاهر الجزائري، عندما كان مفتشاً للمعارف في ولاية سورية، إنشاء دار الكتب في القدس، التي جمع كتبها من آل الخالدي وسماها المكتبة الخالدية. ولكن هذه المكتبة لم يتعرض لذكر ذخائرها الأدبية أحد، حتى عام 1917 عندما زارها عبد الله مخلص فرأى فيها نفائس المطبوعات ونوادر المخطوطات، فكتب ما شاهده ونشره بعد عدة سنوات في (مجلة المجمع العلمي العربي) بدمشق عام 1924. وننقل فيما يلي ما كتبه عبد الله مخلص عن المكتبة الخالدية، كما رآها:

(على يمين الذاهب إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس، وعلى قيد خطوة منه، مما يلي باب السلسلة، توجد (الخزانة الخالدية)... وقد أخبرني وكيل هذه الخزانة السيد محمد أديب الأنصاري أن عدد الكتب فيها الآن (1917) زهاء أربعة آلاف مجلد، ثلثاها مخطوط، والثلث من نوادر المطبوعات القديمة. وقد ضُمت إليه خزانتا المرحومين الشيخ يوسف ضياء باشا الخالدي، ومحمد روحي بك الخالدي، وخزانة أحمد بدوي أفندي الخالدي من رجال الإدارة. فضلاً عمّا أهدي إليها من نفائس مطبوعات المستشرقين مثل الأستاذ مرجليوث وغيره).

ويمضي مخلص واصفاً الخزانة "المكتبة" بأنها: (ليست على شيء من الرواء والبهاء، سواء بمكانها (الذي هو مقبرة لبعض قدماء الأمراء، لا تزال أسماؤهم منقوشة على أضرحتهم)، أو بمقاطرها البسيطة، أو بتنظيمها على طريقة المكاتب العامة).

***

يعدد مخلص أهم المخطوطات النادرة في الخزانة الخالدية. وننقل هنا بعض العناوين:

·       كتاب (المدهش) للحافظ الجوزي المتوفى 1200 م.

·       الشعور بالعور للشيخ صلاح الدين الصفدي ت 1362 م.

·  (منادح الممادح وروضة المآثر والمفاخر في خصائص الملك الناصر)، وهو الكتاب المعروف بالمدبّجات، تصنيف عبد المنعم بن عمر حسان الغساني الأندلسي الجيلاني، المتوفى سنة 613 هجرية (1316 م)، أنشأه الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي، ومنه نسخ في الظاهرية بدمشق، والزكوية في القاهرة، والأهلية في باريس. وهو مجدول مشجّر بديع الوصف.

·       أنموذج العلوم تاريخ 1430م. ذكر فيه المؤلف أصول مئة علم.

·       الطبقات السنية في تراجم الحنفية.

·       نزهة الناظرين في تاريخ من ولي مصر من الخلفاء والسلاطين.

·       اتحاف الأخصّا في فضائل المسجد الأقصى.

·  رسالة بفضائل مولد عيسى (عم) ألفها محمد بن فخر الإسلام الحنفي الخيري إمام الصخرة المشرفة، في أواخر جمادى سنة 1082 (1617 م)، لما ورد الأمر السلطاني إلى بيت المقدس، بشأن مولد عيسى في بيت لحم وتشعث أخشاب مقامه في سقفه وما عليها من الرصاص، فأفتى شيخ الإسلام إذ ذاك بإعادتها إلى حالتها الأولى، فذهب المؤلف، وشاهد المحل، واقترح عليه وضع هذه الرسالة، ففعل، وبآخرها اسم ناسخها محمد فتح الله الديمري سنة 1090 هجرية.

·       كتاب الزبور الشريف الذي نزل على سيدنا داود (عم) وهو بعبارة عربية فصيحة، منقول حديثاً عن نسخة عند أسرة الدجاني، المتصل نسبهم بسيدنا داود, والقائمين بخدمة مقامه الشريف في بيت المقدس، كتبه في القسطنطينية الحاج محمد المرعشي سنة 1151 هجرية (1873 م).

·       حسن الاستسقا لما صحّ وثبت في المسجد الأقصى.

·       عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير.

·       الأول من جامع الأصول في أحاديث الرسول لمجد الدين ابن الأثير.

·       كتاب الحضرة الإنسية في الرحلة المقدسية للشيخ عبد الغني النابلسي...

***

نفائس الخزانة الخالدية في القدس تعكس الأجواء الثقافية والمستوى الفكري لعصر ما قبل النهضة وإرهاصاتها المبكرة. كما تعبّر المخطوطات والمطبوعات الموجودة فيها عن القضايا التي اهتم بها وتناولها أصحاب القلم في تلك الحقب المتصفة بالركود الفكري وهيمنة أفكار ما قبل الرأسمالية.

إن انغلاق المفاهيم على توافه الأمور والاعتقاد بالخرافات والأساطير والخوارق يختصرها الشيخ المستنير محمد بهجت البيطار (الدمشقي) في مقدمته المطبوعة عام 1961 في دمشق لمخطوط جده الشيخ عبد الرزاق البيطار (1253 - 1335هـ) بعنوان: (حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر). كتب البيطار واصفاً عصر جده: (كان عصره عصر جمود على القديم، وتلقي الأقوال بالتسليم، من دون تمحيص للصحيح من السقيم). ومع ذلك فإن البيطار الجد اشتهر (بالإنكار على أرباب الخرافات، وممن يقاوم بلسانه وبراهينه تلك الخزعبلات).