الدولة العثمانية والطائفية

د. عبدالله حنا قرأها 5
 

عوامل تسعير المشاعر الطائفية متعددة، سنترك -بسبب ضيق المجال- دور العوامل الخارجية ونقتصر على عرض أهم العوامل الداخلية في دفع الاقتتال الطائفي أو الديني إلى مقدمة الأحداث.

وهذه العوامل ذاتها التي قادت بصورة غير مباشرة إلى الاقتتال الطائفي أدت في الوقت نفسه إلى قيام النهضة العربية الداعية إلى الوحدة الوطنية. هذه العوامل هي:

أ - إجراءات إبراهيم باشا (1838 - 1840) الاقتصادية الاجتماعية وبداية تأسيس الدولة الحديثة.

ب - التنظيمات، وهي الإصلاحات الفوقية الصادرة عن السلطة العثمانية، أسهمت في نسف الغطاء الشرعي القانوني للاستبداد الإقطاعي الشرقي، وفي فسح المجال أمام القوى الجديدة المستنيرة داخل الدولة العثمانية لكي تنطلق وتتحرر معتمدة على هذا الأساس القانوني الشرعي لمقاومة بعض أسباب التخلف والتأخر، ومنها الطائفية والعشائرية.

ج- التغيرات الاقتصادية المتمثلة بالانحسار التدريجي للاقتصاد الطبيعي التقليدي (بضاعة مقابل بضاعة) وبتطور العلاقات النقدية السلعية.

هذه العوامل، مع غيرها، قادت إلى اصطدامات داخلية في قلب المجتمع وإلى ازدياد حدة التوتر الاجتماعي، الذي اتخذ شكلاً دينياً أو طائفياً. وسنقدم ثلاث حالات:

· قومَة حلب 1850، إذ اختلطت الأسباب العميقة لثورة العامة الحلبية مع الأسباب الظاهرية وتشابكت معها، إلى درجة أن عين المؤرخ العادي لم يعد بإمكانها استيعاب هذا التحرك للعامة وسبر أعماقه الاجتماعية الطبقية. وقد دفعت العناصر المتخلفة من العامة (العامة الرثة) والبدو مسار التحرك باتجاه حي الصّْليبة المسيحي لنهبه. وفي هذا الحي كان يتكون جنين البرجوازية الناشئة.

· العاميات الفلاحية في جبل لبنان ودور الطائفية في إجهاضها:

لن نخوض في بحث هذه العاميات فقد كُتب عنها الكثير. ما يهمنا هنا هو أن النضال ضد الاستغلال الإقطاعي تحول في عامي 1845 و1859 إلى صدام طائفي في جبل لبنان. ولم تسلم الثورات الفلاحية من الاستغلال الداخلي (الزعامات المهيمنة) والتسعير الخارجي لقوى أوربية متعددة.. وحدها عامّية جبل حوران عام 1888 حافظت على نقائها الاجتماعي النسبي في الصراع بين الفلاحين الدروز ومشايخهم. نقول النقاء الاجتماعي النسبي لأن العائلية العميقة الجذور لعبت، إلى جانب العامل الطبقي، دوراً في الصراع الاجتماعي المحتدم آنذاك.

· أحداث دمشق 1860 ذات المضمون الاجتماعي والوجه الديني كانت نصراً واضحاً للقوى الرجعية، وهزيمة لقوى التقدم الاجتماعي. لقد خنق التعصب الديني تأخر ظهور حركة النهضة العربية حتى مستهل القرن العشرين. ولم تتمكن الحركة الوطنية العربية في دمشق من الوقوف على رجليها إلا بعد انهيار الدولة العثمانية عام 1918.

لم يكن من السهل على رواد النهضة نشر أفكارهم في أجواء سياسية واجتماعية وفكرية غير ملائمة. فمؤرخ الشام محمد كرد علي يلخص الوضع بالجملة التالية: (كان المرء سرياً في ثلاثة أمور: في ذهبه وذهابه ومذهبه). والاهتمام بتوافه الأمور والاعتقاد بالخرافات والأساطير والخوارق يختصرها الشيخ المستنير محمد بهجت البيطار واصفاً عصر جده (1253 - 1335 هـ) بالجملة التالية: (كان عصره عصر جمود على القديم وتلقي الأقوال بالتسليم من دون تمحيص للصحيح من السقيم). وفي ذلك الجو الفكري السقيم كان من الطبيعي (أن تقلّ)، كما كتب القساطلي سنة 1879 (بضاعة المعارف لرواج بضاعة السيوف والعصي). وتقرير الوالي المصلح مدحت باشا عن أحوال سورية عام 1879 يبين مدى الإرهاب والفوضى السائدة آنذاك.

من هنا ندرك أن انهيار الدولة العثمانية عام 1918 كان حدثاً تاريخياً هاماً وخطوة اجتماعية إلى الأمام، حررت قوى وطنية جبارة من الفلاحين وجماهير المدن المضلَّلة بشعارات الطبقة الحاكمة العثمانية واستغلالها للدين. لقد نشّط انهيار الدولة العثمانية الحركة الجماهيرية وأكسب حركة الاستقلال العربي صفاء وقوة. كما قلب تدريجياً ميزان القوى داخل حركة التحرر الوطني العربية لصالح قوى التقدم والوطنية. مما أسهم في تقليص نفوذ كل من الطائفية والعشائرية، ودفع بالمشاعر الوطنية لتبلغ ذروتها في منتصف القرن العشرين.

واليوم تجري على يد قوى نافذة في العالم العربي تبييض صفحة الدولة العثمانية وعدم رؤية دور قوى التخلف والرجعة في منع الوصول إلى الثورة الصناعية وعرقلة الانتقال من الإقطاعية إلى الرأسمالية وما يتبعها من سيادة العقلانية والتقدم والانطلاق.

وفي أجواء الارتداد عن النهضة والفكر العلماني والتنوير يجري من تلك القوى تأكيد أن الدولة العثمانية كانت رافعة لواء الإسلام، وحُكّامها وانكشاريوها لا يأتيهم الباطل، وهم أتقياء ظلمهم التاريخ. ونسوق هنا ثلاثة أمثلة تبيّن ابتعاد الحكام العثمانيين عن الدين، وهمهم السيطرة والاستغلال والعيش في الملذات بين حريمهم في القصور الممتدة على ضفاف البوسفور.

كثيراً ما قام السلطان العثماني عند اعتلائه العرش بقتل إخوته ونساء أبيه الحوامل، حتى لا يبقى مُطالِبٌ بالعرش. ولا نريد هنا مناقشة بعض الأحكام الفقهية، التي برّرت للسلاطين هذه الجرائم حتى لا تقع الفتنة، بل نذكرهم بالآية الكريمة: (ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق).

لم يقم أي من سلاطين بني عثمان بتأدية فريضة الحج، مع أن الطريق بين إستنبول والديار المقدسة كانت سالكة في يدهم طوال خمسة قرون.

وقف أشراف حلب في وجه تسلط الإنكشارية على رقاب العباد وأموالهم. وأدى هذا الموقف إلى صدام مسلح اضطر الأشراف فيه إلى الالتجاء في تموز 1792 إلى جامع الأطروش. فما كان من الإنكشارية إلا محاصرة الجامع ومنع الماء عنه وإبادة المحاصَرين. ويذكر صاحب كتاب نهر الذهب في تاريخ حلب أن جامع الأطروش بقي مغلقاً خمس عشرة سنة حزناً على ضحاياه. هذه هي الإنكشارية، التي تشيد بها وتعظمها كتب كثيرة موضوعة في هذه الأيام.

النور