ثلاث محاضرات في شعر محمود درويش - المرحلة الاولى - مرحلة الوطن الام

د. حبيب بولس قرأها 2,157
  

ثلاث محاضرات في شعر محمود درويش

المرحلة الاولى - مرحلة الوطن الام

د. حبيب بولس

Habib%20Boulos.JPG 

ان تلج عالم محمود درويش الشعري أمر ليس سهلاً لأنك تصاب بالرهبة وبالتهيب، ذلك لأنه عالم غني واسع متنوع متلون، لا يستقر على مدرج واحد، فهو دائم الاغتناء، دائم التطور، عالم متقافز قفزاته سريعة وواسعة تمتح من الموروث الشعري العربي ومن الشعر المضارع عربياً وعالمياً. هذا من جهة، اما من أخرى فان محاصرة هذا العالم الشعري الدافق والمتجدد أمر غير ممكن لا بل مستحيل في محاضرات ثلاث فشاعر بقامة محمود درويش بحاجة اذا أردنا حقيقة ان نستكشف شعره وان نتغور مبانيه ومعانيه ولغته وتقنيات قصائده وتجديده وتحولاته، بحاجة الى محاضرات ومحاضرات ولكنها محاولة أولية للوقوف على بعض محاور شعر أمير الكلام المعاصر محمود درويش.

 Mahmoud%20Darweesh01.JPG

في معرض رده على الشاعر أدونيس الذي اتهم في دراسة له بعنوان "الشعر والثورة"، نشرها في مجلة (الهدف) العدد 20 - 1969 شعر محمود درويش وشعر أخوانه بأنه شعر غير ثوري ومحافظ وذلك لأنه شعر يصف حركة المقاومة ويغنيها وليس شعراً يواكب الحركة ويخلق معادلاً ثورياً باللغة ويفكك البنية العادية العربية الموروثة، حيث يقول أدونيس: "فان كانت مهمة المقاومة ان تفجر الواقع السياسي/الاقتصادي وتغيره، فان مهمة الشاعر العربي الثوري هي ان يفجر نظام اللغة (الثقافة/القيم السائدة) ويغيره". في رده على ذلك يقول "محمد دكروب" في كتابه "الأدب الجديد والثورة" الصادر عن دار الفارابي سنة 1980 "ان كلام أدونيس تصور ذهني ميكانيكي، لا يرى الارتباط العضوي والتأثير المتبادل بين حركة الواقع وحركة الشعر. وكون حركة الشعر والثقافة إجمالاً هي شكل نوعي متميز لحركة الواقع ككل، أي هي انعكاس معقد ومتحول في المخيلة والإحساس والدماغ الى شعر وفن وثقافة صادر أساساً عن حركة الواقع نفسه، وعن حركة الصراع الاجتماعي، وحركة الثورة بالتالي. هذا التحول هو الذي يعطي للشعر والفن والفكر إجمالا تلك الصفة النوعية المميزة، فلا تبقى مجرد انعكاس ميكانيكي لحركة الواقع المادي.

بناء على ما تقدم، فان كل شعر حقيقي أصيل هو ثورة داخل حركة الشعر نفسها، هو تجدد دائم الغنى لنظام اللغة ونظام القصيدة (العمل الشعري). وكل إنكار تعسفي لحركة التجدد هذه ولضرورتها وللثورة داخل الشعر التي هي تعبير عن ضرورة الحركة يؤدي الى جمود قاتل، الى موقف رجعي، الى مراوحة في المكان، بينما حركة الشعر مستمرة في تجدد دائم، وهكذا لا يكون الفن ثورياً لمجرد ان يحاول الفنان ان يخلق باللغة معادلاً فنيا للثورة، بل بمقدار ما يملك هذا المعادل الفني نفسه ان يمارس تأثيره الثوري ولو داخل قسم من جماهير الثورة.

من هنا تنبع أهمية محمود درويش كشاعر، بمعنى من كونه استطاع ان يخلق معادلاً فنياً للمقاومة الفلسطينية وللثورة الفلسطينية في شعره، وفي الآن معاً ان يمارس هذا المعادل الفني نفسه تأثيره الثوري والا كيف سنفسّر عشق الناس لشعر محمود؟! وكيف سنفسّر التطور الذي أصابه على مدى خمسة عقود من الزمان.

يقول المفكر الكبير "حسين مروة" في كتابه "الموقف الثوري في الأدب منشورات دار الفكر العربي سنة 76 ملخصاً نجاح شعر المقاومة، يقول ان نجاح هذا الشعر ينبع من ثلاثة أصول:

1. كونه نابعاً من الجماهير، فالشعراء هم أبناء هذه الجماهير فهي ربتهم وأعطتهم الجذور.

2. الاندماج والالتحام بين الشاعر وواقعه وسمة هذا الأمر الفنية صدق التجربة والأصالة في تصوير صراع الإنسان الفلسطيني.

3. الشروط المعرفية أي المنطلق الفكري الثوري الذي يصدر عن هذا الشعر، وينفذ الى الأعماق مؤثثاً بالطاقات المتحفزة دائماً لصياغة نفسها من جديد بأشكال ومضامين متطورة باستمرار. وهذا المنطلق الفكري عند درويش هو تبصره بالنظرية الثورية. هذه النظرية التي حررت شعره وعالمه الفني من كوابيس الأوهام وجعلته يتخطى ذاته باستمرار بحيث صار محمود درويش ظاهرة شعرية جديدة بمفرده لا فلسطينياً فحسب ولا عربياً فحسب، بل عالمياً، وذلك بما تحمله إبداعاته من الطاقة الفائقة لتخطي الذات المستمر سواء باكتشافاته الرؤيوية ام بصياغاته الفنية لهذه الاكتشافات.

تأسيساً على ما تقدم سنحاول ان نلج عالم محمود درويش الشعري على رحابته، وكي نسيّج هذا الحديث ونمنعه من التشظي والتسيب من جهة، وكي نسهل على أنفسنا عملية استبطان هذا العالم من اخرى، سنقسم عالم درويش الشعري الى مراحل ثلاث هي:

1. مرحلة الوطن/ الأم، مرحلة شعر المقاومة حتى عام 1969

2. مرحلة المنفى والحصار والمذابح حتى الخروج من بيروت

3. مرحلة نبش الذات حتى وفاته

نبدأ بالمرحلة الأولى ونمثل لها بديوان "عاشق من فلسطين" الصادر عام 1966.

ان اول ما يجابهه قارئ ديوان "عاشق من فلسطين" هو صدق التعبير الفني وإخلاص الشاعر في الحديث عن قضيته/قضيتنا أي عن القضية الفلسطينية، لا كقضية فردية متميزة فريدة – وهي كذلك – انما الصدق الفني الذي ينتشل القضية من خصوصياتها ليجعلها قضية عامة يمكن ان يحسّها الإنسان في أي مكان فوق الارض. وهذا التعبير الفني الصادق يأتي بسيطاً وعميقاً في آن معاً وهذه هي سحريته، شعره في "عاشق من فلسطين" حارٌّ متفجرٌ ذو حيوية هائلة، ينتفض (على حد تعبير رجاء النقاش في كتاب "أدباء معاصرون" الصادر عن مكتبة الانجلو مصرية في القاهرة عام 68) ويمتلئ بالرغبة في الحياة والتحرر من المأساة سواء المأساة الشخصية او في واقع مجتمعه. ومذاق هذا الشعر مذاق إنساني رحب لاذع. وللحقيقة اقول: ان شعراً كالموصوف معرض للانزلاق والوقوع في براثن الخطابية والنثرية والضوضاء الفنية والكليشيه الجاهز ولكن أصالة محمود كفنان وأصالة إيمانه بقضيته يحميانه من ذلك.

لنسمعه يرد على النغمة التي سادت الأدب الإسرائيلي الدعائي حتى أدب الأطفال منه في أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات، تلك النغمة التي تحاول ان تقنع العالم، بان العربي همجي بعيد عن الحضارة وهو إنسان من درجة ثانية يقول محمود في قصيدة "نشيد للرجال" من الديون:

"لأجمل ضفة أمشي/ فلا تحزن على قدمي/ من الأشواك/ ان خطاي مثل الشمس/ لا تقوى بدون دمي

لأجمل ضفة أمشي/ فلا تحزن على قلبي/ من القرصان/ ان فؤادي

المعجون كالارض/ نسيم في يد الحب/ وبارود على البغض.

ويستمر قائلاً:

لأجمل ضفة نمشي/ فلن نُقهر/ ولن نخسر/ سوى النعش الى الأعلى/ حناجرنا/ الى الأعلى/ محاجرنا/ الى الأعلى/ أمانينا/ الى الأعلى أغانينا/ سنصنع من مشانقنا/ ومن صلبان حاضرنا وماضينا/ سلالم للغد الموعود/ ثم نصيح يا رضوان/ افتح بابك الموصود.

ويقول فيها ايضاً:

"سنطلق من حناجرنا/ ومن شكوى مراثينا/ قصائد كالنبيذ الحلو/ تُكرع في ملاهينا/ وتنشد في الشوارع/ والمصانع/ في المحاجر/ في المزارع/ في نوادينا.

ويختتم بهذه الصرخة المدويّة الثائرة:

"سنخرج من مخابينا/ ويشتمنا أعادينا: "هلا.. همج هم عرب/ نعم! عرب/ ولا نخجل/ ونعرف كيف نمسك قبضة المنجل/ وكيف يقاوم الأعزل/ ونعرف كيف نبني المصنع العصري والمنزل/ ومستشفى/ ومدرسة/ وقنبلة/ وصاروخاً/ وموسيقى/ ونكتب أجمل الأشعار/ عاطفة وأفكاراً وتنميقا".

بمثل هذه العاطفة المليئة بالتفاؤل والثقة والاستعداد للنضال والصبر على الجراح يواجه درويش واقع المأساة.

ولعل أعذب ما في شعر درويش في هذه المرحلة الرؤية الإنسانية الخاصة التي تنعكس على بناء قصائده. فهو يرى الناس والأشياء بطريقة تختلط فيها كل العناصر. ففي قصيدة واحدة نراه يتحدث عن حبيبته، وفي مقطع آخر منها نجد هذه الحبيبة قد تحولت الى معنى مختلف هو الوطن، ثم تنقلب الى الأم او الأخت، وهكذا فالحب والوطن والحرية والطبيعة كلها معان تختلط ببعضها البعض، انها ذات ملامح متشابهة فالحدود بينها تلتغي كلياً. في شعر محمود نوع من وحدة الوجود، من ذوبان الكل في واحد. هذا الامتزاج الكامل بين الصور والمعاني في رؤية درويش للعالم والذي يتحقق على أجمل صورة في شعره يحدث بعفوية وبصورة شفافة. فقصائده عالم رقيق مشرق، رغم تشابك العناصر والرؤى، لذلك قصائده هنا اشبه بحلم ولكنه ليس حلماً رومانسياً هروبياً عاجزاً، انما هو فيض مشاعر حية كبيرة تملأ وجدان الإنسان وتسيطر عليه. وهذا النوع من الحلم هو الهام وحيوية وقوة واقتراب من النبوة، وتعبير عن الاندماج الكبير في الواقع وفي حركته واندغام بين الإنسان وعقله الباطن. هذا الحلم هو الذي يفسر لنا انكسار المنطق العادي في شعره وولادة منطق آخر ينقلنا من اللحظة الراهنة الى مناطق الشدهة والاندهاش. ذلك لأن تجارب الشاعر روحية عامرة تملأ مشاعره فتفيض القصيدة عن وصفها للعادي النثري للظاهرة وتأخذنا الى ما وراء الظواهر وهذا هو الشعر الحقيقي بعينه. لنسمع مقاطع من رائعته "عاشق من فلسطين" للتدليل على ما ذكر. يقول في مطلعها:

"عيونك شوكة في القلب/ توجعني وأعبدها".

ويستمر قائلاً بعد هذا المطلع الرائع:

"كلامك كان أغنية/ وكنت أحاول الإنشاد/ ولكن الشقاء أحاط بالشفة الربيعية/ كلامك كالسنونو، طار من بيتي/ فهاجر، باب منزلنا/ وعتبتنا الخريفية/ وراءكِ.. حيث شاء الشوق/ وانكسرت مرايانا فصار الحزن ألفيْنِ/ ولملمنا شظايا الصوت/ لم نتقن سوى مرثية الوطن/ سنزرعها معا في صدر قيثار/ وفوق سطوح نكبتنا، سنعزلها/ لأقمار مشوهة وأحجار/ ولكني نسيت يا مجهولة الصوت:/ رحيلك أصدأ القيثار أم صمتي".

ثم يتابع ليشعرنا ان حبيبته هذه ليست فتاة عادية وانما هي فلسطين – يقول:

"رأيتك في جبال الشوك/ راعية بلا أغنام/ مطاردة في الأطلال/ وكنت صديقتي/ وانا غريب الدار/ ادق الباب يا قلبي/ على قلبي/ يقوم الباب والشباك والاسمنت والاحجار.

رأيتك في خوابي الماء والقمح/ محطمة/ رأيتك في مقاهي الليل خادمة/ رأيتك في شعاع الدمع والجرح/ وانت الرئة الأخرى بصدري/ انتِ انت الصوت في شفتي وانت الماء، انت النار".

ثم يتابع:

"رأيتك عند باب الكهف عند الغار/ معلقة على حبل الغسيل ثياب أيتامك/ رأيتك في الموقد/ في الشوارع/ في الزرائب في دم الشمس/ رأيتك في اغاني اليتم والبؤس. رأيتك ملء البحر والرمل/ وكنت جميلة كالأرض كالأطفال كالفل/ وأقسم: من رموش العين سوف أخيْط منديلا/ وأنقش فوقه شعراً لعينيك/ وإسماً حين أسقيه فؤاداً ذاب ترتيلاً/ يمد عرائش الأيك/ سأكتب جملة أغلى من الشهد، من القبل/ فلسطينية كانت ولم تزل".

هكذا نلاحظ كيف تتلاحم المحبوبة مع الوطن وكيف تختلط العاطفة الخاصة بالوطنية، وكيف يصير الخاص عاماً والفرداني جمعاً.

ثم يختتم بقوله:

"فلسطينية العينين والوشم/ فلسطينية الإسم/ فلسطينية الأحلام والهمّ/ فلسطينية المنديل والقدمين والجسم/ فلسطينية الكلمات والصمت/ فلسطينية الصوت/ فلسطينية الميلاد والموت/ حملتك في دفاتري القديمة/ نار اشعاري/ حملتك زاد أسفاري/ وباسمك صحت في الوديان/ خيول الروم أعرفها/ وان تبدل الميدان/ خذوا حذراً/ من البرق الذي صكته أغنيتي على الصوان/ انا زين الشباب/ وفارس الفرسان/ انا ومحطم الأوثان/ حدود الشام أزرعها/ قصائد تطلق العقبان/ وباسمك صحت بالأعداء/ كلي لحمي اذا ما مت يا ديدان/ فبيض النمل/ لا يلد النسور/ وبيضة الأفعى/ يخبئ قشرها ثعبان/ خيول الروم أعرفها وأعرف قبلها اني/ أنا زين الشباب وفارس الفرسان.

هكذا تتفجر المعاني وتتوالد بين يدي محمود درويش ويسرح التضاد وتمرح لغة تلاقي الأضداد وهما من أعمدة الشعر المصفى. ونلتقي في شعر درويش في هذه المرحلة بصور شعبية حميمية لو صاغها آخرون لما أعطتنا شعراً، ولكنها بين يدي محمود تقول ما لم نتعوده منها يعتصرها فناً جميلاً مليئاً بالسحر والشعر والعذوبة.

وفي هذه المرحلة ايضا نجد عددا من الموتيفات التي يوظفها درويش رموزاً وايحاءات في شعره ولكنها جميعاً تصب في خانة التلاحم بين الأنا والقضية/ الأنا وفلسطين/ العاطفة والوطنية/ الحب والحرية. كموتيف الأسرة مثلا: الأم، الأب، الأخت. وفي الديوان الذي نحن بصدده نلتقي بقصيدته التي سارت على فم الزمن، وأعني قصيدة "إلى أمي" التي يقول فيها:

"أحن الى خبز أمي/ وقهوة أمي/ ولمسة أمي/ وتكبر فيّ الطفولة يوما على صدرِ يوم/ وأعشق عمري لأني/ اذا متّ/ أخجل من دمع أمي".

والأم هنا خير دليل على ما ذُكر، هي الام الشخصية والوطن، هي ام الجميع. ومن الجدير القول: ان معنى الاسرة عند درويش لا يعني الاسرة العائلية المألوفة، انما هي الانتماء، والجذور التي تمده بالصمود وبالتحدي وبالاصرار، والاسرة عنده دائما ممزقة تحاول ان تلتئم. هي اشبه بجثة اوزوريس التي مزقها اشلاء إله الشر (ست) و"ايزيس" الزوجة الوفية الباكية المناضلة تعيد اجزاءها المبعثرة وترد الروح الى الجسد الممزق. وهذا الجسد طبعا هو فلسطين التي لا بد وان تلتئم ويعود ابناؤها وتتحرر.

ثم نلتقي في شعر محمود في هذه المرحلة كثيراً برمز الصليب واستخدامه للصليب كرمز له مبرراته، ففلسطين هي أرض المسيح، ومأساة المسيح اقترنت بالصلب، لذلك الصليب مقترن بفلسطين قديماً وحاضراً، من هنا يتخذه الشاعر رمزاً ليعبّر به عن المأساة الفلسطينية، وهي مأساة معادلة لمأساة الصلب ولتاج الشوك والمسامير في اليدين وفي القدمين، يقول درويش في قصيدة "صدى الغابة":

"من غابة الزيتون/ جاء الصدى/ وكنت مصلوباً على النار/ أقول للغربان:/ لا تنهشي/ فربما أرجع للدار/ وربما تشتي السماء ربما/ تطفئ هذا الخشب الضاري/ لأنزل يوماً عن صليبي/ ترى/ كيف أعود حافياً عاري؟!

ومحمود درويش يرى في المسيحية روحاً دينية مقاتلة "ليست صليبية، فتفسيره لها تفسير نضالي فهي في وجدانه دعوة الى التقدم والانفتاح والى النضال والوقوف في وجه الآلام الكبيرة وكما يقول السيد المسيح في إنجيل متى "الإصحاح العاشر العدد 34": "لا تظنوا اني جئت لألقي سلاماً على الأرض ما جئت لألقي سلاماً بل سيفا". يقول درويش في إحدى قصائده (مع المسيح):

"ألو/ اريد يسوع/ نعم! من انت؟/ انا أحكي من إسرائيل وفي قدميّ مسامير وإكليل/ من الأشواك أحمله/ فأي سبيل/ أختار يا ابن الله أي سبيل؟/ أأكفر بالخلاص الحلو/ أم أمشي/ ولو أمشي وأحتضر؟/ أقول لكم

يجيبه السيد المسيح: أماماً ايها البشر.

وكما يوظف السيد المسيح رمزاً يوظف النبي العربي محمداً كذلك فهو يقول في قصيدة "مع محمد":

"ألو/ أريد محمد العرب/ نعم! من انت؟/ سجين في بلادي/ بلا أرض/ بلا علم/ بلا بيت/ رموا أهلي الى المنفى/ وجاؤوا يشترون النار من صوتي/ لأخرج من ظلام السجن/ ما افعل؟ ويجيبه الرسول العربي: تحدّ السجن والسجان/ فان حلاوة الإيمان/ تذيب مرارة الحنظل.

هذا هو محمود درويش في مرحلته الاولى، شاعر صاغته النكبة وصقلته المأساة التي شرب مرَّها وذاق معها عذاب الفقر وذلَّ العوز وغاص في مقلاتها. هذا هو محمود الذي ينحاز في كل ما صدر عنه الى فقراء الوطن، والذي تبصّر منذ تفتحه بالرؤية الثورية وتسلح بالفكر الاشتراكي التقدمي، ومتح من الموروث الفلسطيني والعربي والعالمي المنفتح، فولج عالم الشعر واثقاً صادقاً مخلصاً مؤمناً بعدالة قضيته، يعاني ويتحدى ويسجن من أجلها. انه شاعر مأساة. فلسطين همّه وهاجسه يوظف لأجلها كل طاقاته الشعرية وكل طاقته الفنية بصور رائعة و"مبنى استعاري" جميل متجدد وموسيقى عذبة دافقة ومفردات انيقة متناغمة منسجمة فيصير العادي بين يديه دهشة يلتحم الأنا بالقضية، وتندغم الذات بالوطن، ويمتزج الخاص بالعام، ويتوحد العدل بالحرية، ولا نهاية للنضال الفلسطيني لأنه عادل حتى التحرر فها هو يقول: "مليون عصفور/ على أغصان قلبي/ يخلق اللحن المقاتل".

كفى محمود درويش هذه المرحلة ليصل الى القمة، ولكنه ليس شاعراً من هؤلاء الذين يتغيون الشهرة ويتربعون على القمم، انما هو طامح الى المزيد فالمزيد وحين سئل مرة ما هي القصيدة الأجمل التي قلتها يوما، قال تلك التي لم أكتبها بعد.

(يتبع)