يوم في حياتي
كنت أتصور أني وحدي التي كانت تستيقظ في الساعة الثالثة أو الرابعة صباحاً كي تعرف مسار المعارك الدائرة بين المقاومة الوطنية اللبنانية والمعتدين الإسرائيليين. فتبينت أن صديقاتي كنّ يفعلن الشيء نفسه. ألا يوحي هذا أن هاجس الكاتب وايقاع حياته يتناسبان مع الزمن؟ هل كنّا نستطيع أن نبتعد عن وجع المدنيين اللبنانيين؟ وهل استطعنا أن نبتعد عن وجع الفلسطينيين طوال العدوان الهمجي عليهم؟ هاجسي في هذه الأيام هو هاجس المواطنين العرب الذين يتابعون الأخبار اليومية من الصباح إلى المساء، قلقين على لبنان، واعين أن مسار الحوادث في المنطقة يقرَّر الآن هناك. هواجس الكاتب، ونظام حياته وعمله تتنوع إذاً. ولا يمكن أن تكون أبدية في منطقة لا شيء ثابتاً فيها!
نعم، لا تستقر مشاغلنا في مجرى راكد، ولا يمكن أن تكون أيامنا متشابهة. فلا الكاتب ثابت جامد، ولا المكان العربي مستقر ولا الزمان. هذه الحركة تهزّ نظام عملنا اليومي. في سنوات سابقة كانت تأخذني، مثلا، مسألة حماية المدينة العربية. لأن العمارة العربية كانت في خطر. كنت أتصور أني سأصحو صباحاً لأجد حياً عربياً قد هُدم. بعد ذلك شغلني ما تفترضه الحماية من شروط لتكون حقيقة. وكذلك مصير الآثار السورية، وأثر المشاريع السياحية عليها. طوال سنوات شغلتني حماية بيت يوسف العظمة. وفي فترة ما شغلني البحث عن أضرحة شهداء أيار. الاتصال بأهالي الشهداء، والبحث عنها في المقابر، والوصول إلى بعضها في مقبرة الباب الصغير في دمشق. يومذاك لم أجد أثراً لأسماء شهداء أيار في أرشيف الكومبيوتر، فاضطررت إلى البحث في المقبرة، وكنت أجد نفسي أحياناً وحيدة بين الشواهد تحت شمس قاسية، وأحياناً مع صديقاتي المعنيات بذلك. ثم دعوت مجموعة من المثقفين إلى زيارة تلك الأضرحة لعل ذلك يحميها. لكن شاهدة ضريح عبد الوهاب الإنكليزي كُسرت فبقي الشعر المحفور عليها عندي فقط. لا يجلس الكاتب إذاً خلف حاسوبه ليؤلف رواية، بل يتجول في حياتنا الصاخبة تجرفه العواطف ويسوسها. عمله المركزي الأول: التعبير عن الضمير العام.
إلى ذلك شغلتني في بعض السنوات ما تستلزمه عضوية مجلس محافظة دمشق، وهيئة متحف يوسف العظمة، وعضوية المكتب التنفيذي في اتحاد الكتاب، وأمانة تحرير الآداب الأجنبية التي أصدرت خلال ذلك أعدادا متميزة عن آداب الصين والهند وتركيا وأرمينيا ومصير آثار العراق، وكنت أعنى باختيار الغلاف لها وبتنفيذه في المطبعة. وأنا الآن عضو في اللجنة العليا لمقاومة الصهيونية، وعضو في المكتب التنفيذي لرابطة المتخرجين في روسيا. وأتابع ما يجري في مسألة حماية المدينة القديمة.
لا ننسى أن الأسرة تقتطع جزءاً من وقت الكاتبة وخصوصاً عندما يكون الأطفال صغاراً. أقوم بكل مهماتي كصاحبة أسرة وأم لابنتين. لأني مؤمنة بأن المرأة مركز الأسرة وعليها المسؤولية عن الأسرة وتماسكها وتنظيمها. حين كانت طفلتاي صغيرتين، كان يجب أن يكون الغداء جاهزاً في الساعة الثانية عشرة ظهراً. ولا تزال الواجبات الكثيرة تتكرر، فالبيت مكان الإنسان، ويجب أن يبقى نظيفاً ومرتباً،من دون الاستعانة بخدم. يستلزم ذلك كله أن تتميز الكاتبة بدقة في التنظيم لتجمع بين ولائها لمهنتها وولائها لأسرتها. تستطيع خلال ذلك أن تخزن العواطف وحتى ما يرهق في الحياة اليومية وترتقي بها إلى مادة تفيد منها في عملها الفني. تضطر الكاتبة إلى التضحية حتى بوقت نومها، لتفيد من التفاصيل التي تعيشها أو تكون شاهدة عليها في عملها الروائي. أما حضور الرجل فهو حضور الصديق والمعين والزوج المتنور. لم أؤمن قط بالصراع بين المرأة والرجل، مع أني لا أجهل ولا أتجاهل، الإرث الطويل الذي يؤسس بنية خاصة بالرجل، فيها الكثير من التعقيد.
في الأيام العادية أستيقظ مبكرة كل صباح. أجلس إلى الكومبيوتر حتى وقت الغداء. خلال العمل الجدي في رواية أعود إلى الكتابة بعد الظهر. وأنصرف في المساء إلى القراءة. لا بد لي من القراءة ساعتين على الأقل يوميا. يتغير ذلك عندما يحتاج العمل الى الاطلاع على الوثائق والكتب التاريخية. لا بد من قراءة آلاف الصفحات من الكتب والمذكرات والملاحظات والسير التاريخية. تستهويني أيضاً العودة إلى دواوين الشعر العربي، والرواية. لا يعني هذا التقسيم الواضح أن وقت العمل محدد به. فالرواية تعيش مع كاتبها، عندما تبدأ بالنضج، في يومه وليله.
نعود إلى العدوان على لبنان الذي شغلنا جميعا، فتابعنا الحوادث والندوات وتوغلنا في الاستنتاج. يذكّرني هذا بقول تشيخوف إن العواطف الجامحة تقتل الكاتب الصغير لكن الكاتب الجدي يوظفها في عمله. ما أعمق كلمته! في الأزمات تعصف بك الأحزان والهواجس. لكن تتماسكين وتوظفينها في عملك. وها نحن نتألم على أطفال لبنان وضحاياه وقراه الجميلة ومدنه، ونقلق عليه، هو الشطر الآخر من القلب. لكن لا بد أن نوظف هذين القلق والحزن. هذه إذاً مرحلة جديدة من موضوع رواياتي. فأحداثها منذ الرواية الأولى تتناول الصراع العربي - الصهيوني وتتابعه في القرن العشرين كله، وتلحق أثره في العلاقات الإنسانية ومصير أجيال عربية. غزو لبنان مرحلة أعدّت لتكون مقطعا من خريطة ما بعد غزو العراق. مرحلة همجية بدأت بالعدوان على تراث الشعب العراقي الإنساني وعلى شعب العراق وأطفاله. وانتقلت إلى العدوان على حضارة الشعب اللبناني وثقافته وبريقه ومأثرة تحرير الجنوب من دون شروط. سنحاول إذاً التعبير عن ذلك، مع أن التعبير عن هذا المقدار من الألم الإنساني ومن البطولة يستلزم عملا فنيا يرتقي إلى مستواهما.