مع الآثار السورية

د. ناديا خوست قرأها 5
 


مع الآثار السورية

د. ناديا خوست

 

تستمع نخبة من المثقفين مرة في الشهر إلى الدكتور ميشيل مقدسي، يحدثها عن لقى استخرجها من مستودعات مديرية الآثار. نفحص معه مرة عربة الطين التي استوحاها فنان قديم من الواقع، واكتشاف العربات في الألف الثالثة قبل الميلاد على ضفاف الفرات فنرى عربات اور وماري وعمريت، ومصر. ومرة نفحص الحلي القديمة ومرة النقود السورية، وملابس الرأس. وستعرض طوال سنة عاصمة الثقافة منحوتات أخرى من الحضارة السورية.

كان اكتشاف العربة كاكتشاف القطار في زمننا. وانتشر من بلادنا إلى العالم القديم كله. بصور المكان الفوتوغرافية أعاد مقدسي الحقائق التاريخية إلى أرضها ويسّر للمعاصرين أن يقدروا أهميته. وبالمنهج العلمي الذي وضع المكتشفات في مكانها وزمنها، ذكّرنا بجريمة من يفكك الآثار ويرعى نهبها، ويقدمها كتحف جميلة مسلوخة عن سياقها التاريخي الحضاري. إلى ذلك، يلمس الباحث في برنامجه صلة اللقى الفنية بالواقع الذي استوحته، فيتيح ملامسة مصادر الإبداع الفني والمساند الزمنية والمكانية للخيال المفرد.

عرض المقدسي اكتشاف العربة. وسننتبه منذ تلك اللحظة إلى العربة في الأختام الأسطوانية والجداريات. وسنتنقل بين الرسوم المصرية الملونة واتزان الطين السوري وصرامته المعبرة. ولن نسجن التاريخ في الكتب، بل سنلمس استمراره الحيّ. لن ننظر من السيارة في ترفع إلى العربة التي يجرها حصان وينقل عليها فلاح الخضار. بل سنرى فيها تجليات حضارة قديمة، وسنفكر في ذلك الاكتشاف العظيم الذي يسّر نقل البضائع واستعراض الآلهة والملوك وحركة المحاربين. ألا نغتني ونتسع كلما نجحنا في الاستماع إلى المجرى الذي ينساب من التاريخ في حياتنا، فنتبيّن في الجرّة البسيطة خطوط فنون سورية عريقة، وفي دثار حصان يجرّ عربة رمسيس الثاني الدثار الذي يدلّل به الفلاح المعاصر حصانه، ونلتقط في اللقى الأثرية الإبداع الذي يتجاوز عصرنا؟ ‏

تبقى من صور الرجال الذين ركبوا العربات الحربية في سهل عكار في معركة قادش بين الحثيين والمصريين، فقط رشاقة الأجسام، والأذرع التي تشد القوس، والتوازن في قامة إنسان يقف في عربة مسرعة، وجمال الحصان. ونكاد نلمس في زينة الحصان الملوّنة قبل الميلاد زينة الحصان المعاصر، وتتراقص أمامنا عقوده وأجراسه. ‏

وصل الباحث الحضارة بنهر الفرات، ورسم طرق القوافل التي عدّلت مساراتها لكنها بقيت في المحيط نفسه، من الألف الثالثة قبل الميلاد إلى العصور الإسلامية. ولاتزال محطاتها مجسدة بمدننا. ألا تذهلنا إذن قدرة السياسة المعاصرة على قطع تلك العلاقات التاريخية الحيوية التي رسختها الحضارة الإسلامية في وحدة؟ كأنما سددت الاتفاقيات السرية والاحتلال وحواجز الحدود والصراعات الصغرى لتنجز ذلك التقطيع! ‏

فضيلة المحاضرات التي يقدمها ميشيل مقدسي في سياق «دمشق عاصمة الثقافة العربية»، كشف لقى أثرية مخبأة في مستودعات مديرية الآثار. ويدفع هذا إلى التساؤل: هل يجوز أن تدفن تلك الكنوز في ظلمة المستودعات، ويبقى متحف دمشق في حيّزه المحدود، بعد ماكشفه التنقيب طوال عقود؟ لماذا لاتفتتح حديقة في مكان معرض دمشق الدولي، مرجة الحشيش سابقاً، تعرض فيها اللقى الأثرية في سياقها التاريخي بين نباتات وأزهار محلية؟ حديقة كبرى ثقافية تربي الأطفال والكبار بمعرفة حضارة بلادهم، وتكون واجهة ثقافية في مدخل دمشق، بدلا من أن تكون مرائب للباصات والسيارات! لو حدث ذلك لبقيت تلك الحديقة ذكرى وارفة من سنة عاصمة الثقافة. ‏

وبعد، يقصد الزوار سورية لمعرفة حضارة الطين التي صنع أهل المنطقة بمادتها البسيطة تماثيل وجرارا وكتبوا عليها ملاحمهم ومعاهداتهم. ومنها نقرأ أول العلاقات بين الفن والواقع، ونتلمس روح الفنان القديم في نضارة اللقية ودقتها، وضرورة الفن في تلك العصور. نتمنى أن تجمع تلك المحاضرات مع رسومها في كتاب أو أقراص فهي، إلى المعرفة التي تقدمها، ذات ايحاءات متنوعة. منها: نجحت القومية العربية في توحيد منطقة مركزية مستندة إلى الحضارة العربية الإسلامية. والخطر أن تعيدها الصهيونية إلى مثل الصراع القديم، الحثي ـ الفرعوني، ليبتعد عن مدى النظر الخطر الإسرائيلي الأمريكي على العرب أجمعين.

نشرة آثارنا السورية - السبت 14 حزيران 2008