شموليـّـة الإسـلام - 3 من 3

إسماعيل حسني قرأها 1,020
 

شموليـّـة الإسـلام

3 من 3

إسماعيل حسني *

    ناقشنا في المقالتين السابقتين الفارق الكبير بين شمولية الدين الإسلامي بالمعنى الصحيح الذي أراده الله، وهو اشتمال الدين على أمور العقيدة والعبادة والحلال والحرام كافة، وبين المعنى المحرف الذي يروِّج له رجال الكهنوت الإسلامي، وجماعات الإسلام السياسي. وألقينا الضوء على ما أطلقنا عليه "التكتيكات الفقهية" التي يقوم بها هؤلاء لتمرير زعمهم بشمولية الإسلام لجميع العلوم والمعارف، لكي يتم إدخال الدين إلى أدقّ تفاصيل حياتنا، فتصبح مجالات الحياة كافة من سياسة واقتصاد وعلوم وتجارة وسلوكيات محكومة بنصوص دينية يتوهم هؤلاء أنه لايزال بإمكانهم الاستمرار في احتكار تفسيرها وتأويلها. وأن معنى هذا في بساطة شديدة تحويل الإسلام من دين مطلق سام إلى آيديولوجية دنيوية.

    وأوضحنا كيف أن زعماء الإسلام السياسي يتصورون أنهم يحسنون صنعاً حين يقومون بذلك، مما اعترف به الشيخ "يوسف القرضاوي" في قوله "إن في العالم اليوم ثلاث آيديولوجيات هي الليبرالية، والإشتراكية، والإسلامية".

    ولكن لماذا يعتبر تحويل الدين من عقيدة مطلقة سامية إلى آيديولوجيا تشويهاً للدين؟ وما الجرم في ذلك؟

    الدين رسالة ترتفع عن كافة أنواع الحواجز بين البشر وتجمع بينهم في عبادة إله معين. وكانت دعوة التوحيد التي جاء بها الإسلام هي وسيلته في مد الجسور بين جميع البشر على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وطبقاتهم ومصالحهم لتظلهم جميعاً بنعمة العبودية لله الواحد، وهذا ما جعل من الإسلام رسالة عالمية، تجتذب إليها كل الناس بصرف النظر عن ظروفهم الزمانية والمكانية.

    أي أنه لكي يستطيع الدين أن يُظِلَّ البشر كافة بمظلته يجب أن يرتفع ويترفع عن الخوض في تفاصيل الحياة التي يختلف عليها الناس. لهذا لم يرد أمرٌ إلهيٌّ واحدٌ يحدد موقفاً حاسماً (آيديولوجياً) في مسائل مثل تداول السلطة، وطبيعة النظام السياسي والاقتصادي والقضائي والتجاري وغيرها من تفاصيل الحياة، بل ترك الناس ينقسمون ويتصارعون حولها كما يشاؤون، ليجتمعوا بالمحبة والتسامح والرحمة قلباً واحداً في محراب الدين الذي لا يضع شروطا آيديولوجية لقبول المؤمن أو التائب في رحابه. والأكثر من ذلك أن الله قد أنزل القرآن على سبعة أحرف، وقرر الرسول (ص) أن اختلاف العلماء في تفسيره رحمة بالناس والمجتمع.

    أما الآيديولوجيا فهي شيء آخر تماماً. إنها نسق من الأفكار والمعتقدات، يصدر عن فلسفة بعينها، وتقدم رؤية خاصة لكافة الظواهر السياسية والإقتصادية والإجتماعية والسلوكية. ويجب أن تكون هذه الرؤية شمولية إلى أبعد مدى، أي تقدم موقفاً محدداً في أدقّ تفاصيل الحياة، حتى تستطيع الأحزاب السياسية أن تتبناها أو تستعملها في مواجهة غيرها من الرؤى أو الآيديولوجيات لحشد الجماهير حولها في سعيها إلى القوة والنفوذ في المجتمع. أي أن الآيديولوجيا هي أداة تستخدم في الصراع السياسي من أجل الوصول إلى الحكم. 

    وهذه الأفكار والمعتقدات تختلف من زمان إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر بحكم اختلاف الواقع الإقتصادي والسياسي، كما أن المجتمع الواحد تسود فيه بالطبع عدة آيديولوجيات في نفس الوقت باختلاف القوى الإجتماعية، فآيديولوجيا الطبقة العاملة، تختلف بالتأكيد عن آيديولوجيا الطبقة البرجوازية، وهكذا.

    ولقد عانت الشعوب في العصور الحديثة الأمرين من هذه الآيديولوجياتالشمولية، التي هي ليست في الحقيقة سوى نظريات خيالية تتخطى الواقع، أي تتعامل مع الواقع بتعالٍ وعجرفة ساذجة، متصورة أن الواقع هو الذي يجب أن يتبع تصوراتها بل وأحلامها وليس العكس، مما يؤدي إلى نتائج كارثية. فمثلاً عندما توهم الآيديولوجي الشيوعي أن بإمكانه صياغة واقع جديد يخلو من الملكية الفردية، وكما يتوهم الأيديولجي الوهابي أن بإمكانه صياغة واقع يحبس فيه نصف المجتمع (النساء) في البيت، وتحرم فيه المرأة حتى من قيادة سيارة، كلا السيدين الآيديولوجيين هنا قد تخطيا الواقع، وتصورا أن على الواقع أن يتبع تصوراته وأوهامه، وليس على سيادته أن يضع حلولاً واقعية لمشكلات هذا الواقع.

    وتدّعي الآيديولوجيات كافة امتلاك رؤية شاملة لكل جوانب الكون المادية والغيبية، وأن لديها الحل لكافة مشاكل البشرية‏! وهذا بالطبع ثبت أنه مجرد وهم لا يستهدف إلا إلغاء دور العقل في الحياة، وعدم الاعتراف بالتمايز والاختلاف بين الأفراد، من أجل تحويلهم إلى قطيع يستطيع أي راعٍ أن يسوقه في أي اتجاه يريد.

    وتتميز المذاهب الشمولية عامة بانغلاقها الشديد، وتقضي على التنوع الفكري في المجتمع‏ الذي هو أهم مصادر ازدهار الشخصية الإنسانية‏. وحين تصل هذه الآيديولوجيات إلى السلطة السياسية فإنها تعتبر نفسها الممثل الشرعي الوحيد للحقيقة المطلقة، ومن يخالفها يعتبر مارقاً أو خائناً أو عدوا‏ً!‏ (فاسقاً أو كافراً في حالة الآيديولوجيات الدينية) مما يؤدي بالضرورة إلى قمع الأفكار المخالفة، ومحاربة العقلية النقدية، ومن هنا جاء اقترانها دائماً بالاستبداد والقمع والديكتاتورية.

    وتستند الشموليات في الأساس إلى أحلام رومانسية غير واقعية بالوصول إلى مجتمع العدل والمساواة والرفاهية، ولكن هذا لا يتحقق إلا بشروط خيالية تعجيزية، كشرط القضاء على الطبقية في الماركسية، وشرط النقاء الديني في الشموليات الدينية، وكلها أحلام عادة ما تذهب أدراج الرياح، ولا يتبقى للشعوب سوى قمع الحريات والاستبداد السياسي والتخلف الحضاري.

    ويلاحظ  تاريخياً أن تلك الشموليات تتمتع بجاذبية جماهيرية في بداياتها انطلاقاً من مفهوم نفسي اجتماعي يسميه البعض "عسر الحضارة " ويعني أن أغلب الناس في الحقيقة لا يريدون الحرية وما تفرضه من تحمل مستمر للمسؤولية عن الاختيارات والقرارات التي يتخذونها، وتحمل تبعاتها إذا كانت خاطئة، لذا يرغب الناس في تسليم أمرهم لنسق عملي من الفكر يقوم بالتفكير والتخطيط نيابة عنهم خصوصاً إذا كان يعد بمستقبل أفضل.

    وتتفوق الشمولية الدينية على غيرها من الشموليات في أنها بالإضافة إلى ما سبق تقدم للناس خلطة سحرية بين المطلق الديني والنسبي الدنيوي تتدخل بها في كافة شؤون الحياة، وتفرض عن طريقها أنماطاً وقوالبَ محددة للتفكير والسلوك الإنساني في كل وأدق تفاصيل حياة الإنسان اليومية من مأكل ومشرب وملبس وجنس ولغة، بل وفي سره وعلانيته، وفي سائر إبداعاته ونزعاته الفردية، ومن ثم فهي تقوم بتقزيم أفراد المجتمع وتحويلهم إلى أعداد في قطيع يتبع راعياً واحداً في كل تفاصيل حياته.

    وفوق هذا، فالشمولية الدينية تتمتع بميزة خاصة لا تمتلكها باقي الشموليات، فهي كغيرها تعد الإنسان بمستقبل أفضل، ولكنها غير مسؤولة عن تحقيق النتائج، فالنتائج يرتبط تحقيقها بالمشيئة الإلهية، كما أن المستقبل الأفضل الذي تعد به ليس من الضروري أن يتحقق في الحياة الدنيا بل قد يكون موعده الحياة الآخرة.

    ومن ثم فلقد اكتسبت لفظة الـ"آيديولوجيا" سمعة سيئة في أرجاء المعمورة، وأصبح تهمة فكرية أن يوصف بها إنسان ناهيك أن يتصف بها دين من الأديان.

    ومن ثم فإن النزول بالإسلام من مكانته السامية المطلقة التي تظل الجميع وتحويله إلى آيديولوجيا نسبية تتحدث في الاقتصاد والسياسة وتتصارع مع الآيديولوجيات المختلفة، وتتخذ مواقف اقتصادية واجتماعية مع أو ضد هذه الطبقة أوتلك، من أجل توزيع ثروة المجتمع التي هي بطبيعتها نادرة، ولا تكفي الجميع بأنصبة متساوية، وستبقى نادرة إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، فيكون هناك مؤيدون للإسلام ومعارضون له، هؤلاء يهتفون له، وأولئك يتظاهرون ضده، أمر يتناقض مع كون الإسلام ديناً يجمع كل أطياف البشر تحت راية التوحيد، ويتناقض مع عالمية الرسالة وصلاحيتها لكل زمان ومكان، وأخيراً يتناقض مع احترامنا لديننا وغيرتنا عليه واعتزازنا به. فالآيديولوجيا تحوّل الدين من إيمان شخصي إلى نظام قسري لترتيب القوة والثروة في المجتمع.

    والمثير في الأمر هنا أن أحداً لا يمنع جماعات الإسلام السياسي هذه من ممارسة العمل السياسي، بل ومن الوصول إلى السلطة، لتحقيق ما يرونه من إصلاحات عظيمة ومعجزة في كافة المجالات، أسوة بسائر أفراد المجتمع، ولكن المشكلة أنهم يرفضون هذه المساواة، ويصرّون على ممارسة السياسة من مستوى أعلى من الجميع، أي باسم الله أو كوكلاء عن الله وإلا فلا، وذلك حتى يكون للمشايخ وضعٌ مميزٌ في المجتمع من ناحية، ولكي يبدؤوا السباق من موقع متقدم على منافسيهم في أعين العوام من ناحية أخرى، وهذا هو الغش الذي ترفضه أخلاقيات وقوانين كافة الأديان والحضارات، فيقول "الشيخ القرضاوي" في كتابه الحل الإسلامي: "لا يكون الحل إسلامياً إلا إذا أخذ باسم الإسلام، وتحت عنوان الإسلام، ولو افترضنا أن قوماً حكموا بتعاليم وشرائع توافق الإسلام، ولكنهم أطلقوا عليه إسماً آخر، هل نعد حكم هؤلاء إسلامياً ؟ لا ، ثم لا".

    والأكثر إثارة أن نرى جماعات الإسلام السياسي ذاهبة إلى الحج بعد انتهاء مراسمه، وعودة الحجاج إلى بلادهم. فالشيوعيون مثلا يعتبرون تحويل الماركسية إلى آيديولوجيا جريمة أدت لانهيار الماركسية. فالماركسية في الأصل هي منهج علمي في تحليل الواقع المادي، وصولاً إلى معرفته، واكتشاف أفضل السبل لتغييره، عن طريق منطلقات وقوانين وأهداف هذا المنهج، ولكن البيروقراطيين لعبوا الدور القذر في تحويل الماركسية إلى عقيدة وآيديولوجيا نتج عنها تقديس النموذج الفكري لأشخاص أو أحزاب بعينها، وتصفية المعارضين لهذا النموذج، فتحولت أجهزة الدولة إلى أدوات تضمن أداء طقوس معينة في صالح رأسمالية الدولة التي يترأسها إله بيروقراطي. ويستندون في ذلك إلى تعريف "كارل ماركس" نفسه للآيديولوجيا، وهو أول من استخدم المصطلح على نطاق واسع، بأنها "وعي زائف يقوم على أوهام" ولهذا نسبها إلى البرجوازية، وأطلق اسم "الوعي" (الوعي الطبقي) على رؤية الطبقة العاملة للعالم. ويقول أستاذنا "محمود أمين العالم" أحد القادة التاريخيين لليسار في مصر: "إن الماركسية موضوعية جدلية تتغير بتغير الواقع وليس لها طبعة أو وصفة واحدة لكل المجتمعات، وهنا يكمن خطأ الذين حولوا الماركسية إلى دين أو عقيدة بينما هي منهج ثوري للتغيير".

    الشيوعيون يرفضون تحويل منهجهم إلى عقيدة وآيديولوجيا، ويعتبرون ذلك جريمة نكراء، ونحن نقوم بتحويل ديننا العظيم إلى آيديولوجيا!!؟

* باحث في الإسلام السياسي - i_hosni@hotmail.com

شمولية الإسلام 1 من 3

شمولية الإسلام 2 من 3