أسلمة الاقتصاد والسياسة - شمولية الإسلام (1)
أسلمة الاقتصادوالسياسة
شمولية الإسلام (1)
إسماعيل حسني *
أحدث ملف "أسلمة الإقتصاد" الذي فتحته روزاليوسف صدمة عند قراء كثر، الذين هالهم ما ذكرناه وذكره غيرنا من أن ديننا الإسلامي الحنيف كغيره من الأديان لم يأتي بنظرية في علم الإقتصاد ولا في غيره من العلوم، وأن ما ورد في القرآن والسنة هو مجموعة من المواعظ والوصايا الأخلاقية العظيمة التي تنظم "سلوك" البشر في المعاملات الإقتصادية، ولم يتضمن تفسير الظواهر الإقتصادية ولا آليات التعامل الإقتصادي وهما موضوع علم الإقتصاد. وأن من يتحدثون اليوم عما يسمى الإقتصاد الإسلامي يخلطون عمداً بين المواعظ الأخلاقية التي جاءت في القرآن والسنة وبين مبادئ علم الإقتصاد من ناحية، وبين الدين المنزل وبين اجتهادات الفقهاء على مر العصور، والتي تعتبر اجتهادات دينيوية وضعية مقتبسة من تجارب بشرية وقعت هنا وهناك وليست من الدين كما قال الإمام الشاطبي من ناحية أخرى. وأن هذا لا يعتبر نقصاً في الدين الإسلامي، فما جاء به الإسلام هو أقصى ما يطلب من أي دين، ويكون الإسلام بذلك قد أدى مهمته على أكمل وجه، وهي المهمة التي حددها الرسول (ص) في قوله "ما بعثت إلا لأتمم مكارم الأخلاق". فلو شاء الله أن ينزل كتاباً في الإقتصاد أو الكيمياء مثلاً لفعل وأعجز، ولكان وضع مبكراً نهاية للتفكير البشري في تلك المجالات.
والقراء الأعزاء على حق حين يصدموا لدى قراءتهم لهذا الكلام، فنحن للأسف الشديد شعوبٌ لا تقرأ، وثقافتنا في معظمها سمعية وشفوية، وأكثرنا يستمد رؤاه ومعارفه الدينية مما يتلى على مسمعه ليل نهار في المساجد وعلى شاشات الفضائيات عن "شمولية الإسلام" لكافة العلوم والمعارف من سياسة واقتصاد وطب وهندسة ونقل ومواصلات وغيرها، فحق للقارئ أن يصدم مما ذكرناه وأن يرفع صوته بالاستغفار والاعتراض والتساؤل.
والحقيقة أن مصطلح "شمولية الإسلام" هو مصطلح صحيح بالمعنى الذي أراده الله ورسوله وهو أن الدين قد اشتمل على كل ما يتعلق بشئون العقيدة والعبادات والحلال والحرام، وهو ما تم تشويهه والمزايدة علية على يد جماعات الإسلام السياسي لإيجاد أساس ديني يبرر مطالبتهم المحمومة بالحكم باسم الدين. وتلقف المشايخ هذا الإدعاء وقاموا بتسويقه بين الناس، إذ وجدوا فيه ما يرفع قدرهم في المجتمع، وينتشل عامتهم من حالة الفقر والعوز، ويجعل أفئدة الناس تهوي إليهم للفتوى في كل شيء، باعتبارهم خبراء في سائر العلوم والمعارف. ذلك أنهم فئة عاطلة عن العمل وغير منتجة في المجتمع، وكانوا دائماً مهمشين وفي أدنى السلم الاجتماعي، حيث الفقر والحرمان، ويعيشون على الرواتب الحكومية الضعيفة، والجراية من خبز ولحم، وصدقات أهل الخير وأوقافهم، والعيديات، وما يتحصّلون عليه من قراءة القرآن في المآتم والمناسبات. أو كما يقول عنهم "سيد قطب" في كتابه معركة الإسلام والرأسمالية "أن هؤلاء لن يكونوا إسناد حكم الإسلام بل طرداؤه، ما لم يغيروا ما بأنفسهم، ويعملوا عملا منتجاً غير مجرد الصلوات، والأذكار والتراتيل". فأصبحت مقولة شمولية الإسلام لكافة العلوم والمعارف سبوبة لكلا الطرفين، تبيح لأحدهما المطالبة بالحكم، وتخلق للآخر وظيفة في المجتمع. وهكذا كانت دائما في كل الأديان.
فالأصولية الإسلامية لم تبتكر فكرة شمولية العقيدة لسائر العلوم والمعارف هذه، بل قامت بنقلها حرفياً عن شقيقاتها في الأديان الإبراهيمية الأخرى. وكذلك شعار "أسلمة العلوم" هو أيضا مستنسخ حرفياً عن شعارات "تمشيح العلوم" و"يهودة العلوم" التي سادت أوروبا في عصور الظلام. فرجال الدين في كل زمان ومكان يلعبون نفس اللعبة لفرض وصايتهم على حياة الناس والمجتمع في جميع الميادين مما يفتح أمامهم طريق الجاه والثروة.
ورغم استسلام الكنيسة الكاثوليكية ومعظم المذاهب اليهودية منذ مطلع القرن العشرين، واعترافهم بخطيئة هذا الإدعاء وتأثيره السلبي على العقائد نفسها، وإصدار الكنيسة اعتذاراً رسميا عام 2000 عن الكثير من الأخطاء والجرائم التي ارتكبت من خلال إقحام الدين في شئون المجتمع السياسية والإقتصادية، إلا أن الأصوليات الإسلامية لم تعي الدرس بعد، ولاتزال في مراهقتها الفكرية تهدر أعمار وطاقات شعوبنا في الخلط بين الدين والدنيا، وبين العلم والمواعظ الدينية، فتحذو بذلك حذو بابوات وأحبار العصور القديمة، وتتبنى نفس الإدعاءات والحجج التي كانوا يلهجون بها، تماما كما تنبأ الحديث النبوي الشريف "لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتَبَعْتُموهم قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن".
فلقد كان منطق الكنيسة في تسييس الدين قائماً على ما يلي:
1- عجز الإنسان عن إدارة شؤون حياته بنفسه.
2- شمولية المسيحية للمعرفة اليقينية في كافة مجالات الحياة بما يشمل عالمي الغيب والشهادة. فيقول اللاهوتي تيد بيترز "تقدم الرؤية المسيحية منظوراً أكثر تكاملاً وشمولية.. عن خبرة الإنسان بنفسه وبالعالم وبالله؟ إن النسق اللاهوتي تتوفر فيه أربع سمات وهي: الشمولية، والقابلية للتطبيق، والمنطق، والإتساق".
3- أن المسيحية دين ودولة، إستناداً على ما نسب للسيد المسيح في قوله لبطرس كبير حواريه "أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها، وأعطيك مفاتيح ملكوت السموات فكل ما تربطه في الأرض يكون مربوطًا في السموات وكل ما تحله على الأرض يكون محلولاً في السموات". متَّى 16: 19 و20.
4- المسيحيون يشكلون أمة واحدة متميزة عن باقي الأمم استناداً لما جاء في الإنجيل "تكونون لي مملكة "كهنة" و "أمّة مقدسة" سفر الخروج 6/19. والأمة المقدسة لابد لها من دولة كما قرر آباء الكنيسة، حسب التفسير السياسي لكلمة "أمة" وهو ما سنوضحه بعد قليل.
1- أن الشريعة المسيحية (العهدين القديم والجديد) شريعة شاملة، وتنظم كافة مجالات الحياة، وهي واجبة التطبيق وصالحة لكل زمان ومكان. فلقد قال المسيح أنه لم يأت لنقض شريعة موسى بل ليكملها. متى 15:34، وأنه إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد من الناموس حتى يكون الكل. متى 5:17. وقد رأت الكنيسة أن بطرس نائب يسوع، وأن خلفاء بطرس نواب له، وبالتالي نواب عن المسيح، والتشريعات التي يضعونها لابد أن تكون مقدسة (القانون الكنسي). وقامت الكنيسة بوضع تشريعات التوراة، وما جاء في التلمود والزوهار والكابالاه وغيرها من الكتب التي وضعها أحبار اليهود، مع وصايا الإنجيل، والقوانين المحلية في البلاد التي خضعت للكنيسة في بوتقة واحدة وقدمتها للناس على أنها تشريعات إلهية تشمل كافة المجالات والعلوم، واستطاعت بذلك التدليس على الناس، وتسويق شعار شمولية الدين المسيحي.
وهذا هو تماماً وبالحرف ما كان يردده أحبار اليهود وحاخاماتهم لتبرير تسلطهم على البشر، وهو بالتحديد وحرفياً ما يؤسس عليه الأصوليون الإسلاميون اليوم إقحامهم للدين في السياسة. ففي كتابه الدين والسياسة يؤسس الشيخ "يوسف القرضاوي" الزعم بشمولية الإسلام على ما يلي:
1- قصور العقل الإنساني عن إدارة شؤون حياته الدنيا.
2- شمول الإسلام لكافة جوانب الحياة المادية والروحية والفردية والإجتماعية.
3- أن الإسلام دين ودولة، استناداً إلى قول الله تعالى "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ .." و "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ.."
4- أن الشريعة الإسلامية، تنظم كافة مجالات الحياة، وهي منهج عام واجب التطبيق وصالحة لكل زمان ومكان.
5- المسلمون يشكلون أمة واحدة متميزة عن باقي الأمم، والأمة المؤمنة لابد أن يكون لها دولة. (وهنا عادة ما تستخدم الآية الكريمة "وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" للتدليل على أن المسلمون يشكلون أمة واحدة أي كيان سياسي واحد، ومن هنا تأتي الدعوات لقيام دولة إسلامية، وخلافة إسلامية، في حين أن التفسير الصحيح لهذه الآية هو أن تكون منكم جماعة يدعون إلى الخير أي جماعة يتفقهون في الدين، " فمنكم " قد وردت في الآية للتبعيض أي بعضكم، ونفس المعنى أيضا مقصود في قول المسيح "أمة" السابق ذكره، ولكن التفسيرات السياسية تحمل الألفاظ والآيات غير ما تحتمل).
ولقد فصلنا في كتابنا "علمانية الإسلام والتطرف الديني" غير ذلك من "التكتيكات الفقهية" التي يقوم بها دعاة الإسلام السياسي بها لتسويق نظرية شمولية الإسلام هذه، والتي تخيل للأسف على العوام والبسطاء منا، وبينا مدى خطورتها على عقيدتنا وعلى النسق الفكري العام في المجتمع. مما سنلقي الضوء عليه في مقال الإسبوع القادم.
* باحث في الإسلام السياسي