القرآن ليس كتاباً في الاقتصاد

إسماعيل حسني قرأها 1,151
  

القرآن ليس كتاباً في الاقتصاد

بقلم: إسماعيل حسني

Ismail%20Hossni01.JPG 

      في ظل حالة الدروشة الدينية السائدة التي يغيب فيها العقل عن إدارة شئون حياتنا، ومع الترويج لأيديولوجية شمولية الإسلام المنقولة حرفياً عن الادعاءات الكنسية في القرون الوسطى، أخرج لنا مشايخ الإسلام السياسي مصطلح "الاقتصاد الإسلامي" ليكون الذراع الاقتصادي للمد الوهابي المعاصر، ونظراً للمكافآت البترولية الضخمة التي كانت تمنح هنا وهناك انهمر سيل الكتب التي تحاول خلق أو تلفيق نظرية اقتصادية للإسلام، وتم رفع الشعار وتم استغلاله بأفضل ما يمكن في إقامة بنوك إسلامية، يقتصر الفارق بينها وبين البنوك العادية على استخدام لفظ الربح بدلاً من لفظ الفائدة، بينما هي تودِع أموالها في البنوك والمصارف العالمية، وتستخدم كافة الأدوات المصرفية المعروفة في إدارة أعمالها، وشركات توظيف أموال إسلامية والتي نعرف جميعاً كيف أضاعت أموال الناس، وكيف استُخدم جزءٌ كبيرٌ من أرباحها في دعم جماعات الإرهاب المختلفة.

واليوم ينتهز هؤلاء فرصة الأزمة المالية العالمية، ليطلوا علينا من جديد، ليس بحلول واقعية، وليس بأفكار عملية يمكن تنفيذها، وإنما بالدعاية لأيديولوجيتهم من خلال الترويج لوهم يسمونه "الإقتصاد الإسلامي". فالإسلام في زعمهم قد جاء بنظرية معجزة في علم الإقتصاد، من شأنها إصلاح الكون، وتحويل فقراء العالم إلى أغنياء. فهل يوجد في الحقيقة شيء يسمى بعلم الإقتصاد الإسلامي؟

   والحقيقة كما أوضحناها في كتابنا "علمانية الإسلام والتطرف الديني" أن هؤلاء يخلطون عمداً بين أمور عديدة خلطاً يخدع البسطاء وأنصاف المتعلمين. فهم يخلطون، أولاً، بين المواعظ الأخلاقية التي وردت في القرآن والسنة وبين علم الاقتصاد. فحين ترد في القرآن مواعظُ مثل "وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ"، "وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ"، "وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ"، "وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا" وحين تُفرض الزكاة لمساعدة الفقراء، وحين يعظنا الرسول بأن نتراحم فنعطي الأجير حقه قبل أن يجف عرقه، وأن لا يبات أحدنا شبعانَ وجارُه جوعان، وحين ينهى عن الغش والاحتكار والتلاعب بالأسعار وعن الإسراف والترف، وحين يأمر بالمحافظة على ممتلكات الأفراد، وضرورة محاسبة الولاة،.. إلخ. هذه الآيات وتلك الأحاديث ليست أكثر من مواعظ أخلاقية بسيطة لا تخرج عن نطاق البداهة لتنظيم "سلوكيات" التعامل الإقتصادي بين الأفراد في مجتمع بدائي وهو أقصى ما يطلب من أي دين،  ولا يقتصر هذا على الإسلام وحده، بل أن الأديان كافة نجد فيها مواعظ مشابهة، فالمسيح قال "لا تكنزوا لكم كنوزاً على الأرض"، ووضَع نظاماً للزكاة "هاتوا جميع العشور إلى الخزنة"، ونظاماً للتكافل "من سألك فأعطه" و"بيعوا أموالكم وأعطوا صدقة" و"وَلاَ يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ عَلَى الْبَرِيءِ" ، وحارَبَ الربا بقوله "فَلْنَتْرُكْ هذَا الرِّبَا"، وهناك عشرات المواعظ في العهدين القديم والجديد. كذلك نجد في الديانات الهندية كالبراهمة والبوذية وغيرها عشرات المواعظ الشبيهة التي لا يتسع المقام لسرد نصوصها. أما علم الاقتصاد فهو شيء آخر تماماً، فهو يبحث في آليات التعامل الاقتصادي ونتائجه والعلاقات السببية له، وخلق القيم المضافة، وتطوير أدوات الإنتاج، وأساليب زيادة الثروات، وآليات الاستثمار ومناهجه وأدواته، ووصف وتفسير الظواهر الاقتصادية المختلفة كالإنتاج والتراكم والاستهلاك والادخار والتوزيع وغيرها، وتلك أمور تخضع لنظريات نسبية تتغير حسب تغير المعطيات، بينما الإسلام وكل الأديان تتناول المطلق وهو قواعد السلوك والأخلاق فقط.

     ولقد حاول الإخوانيُّ البارز سيد قطب في كتابه "العدالة الإجتماعية في الإسلام" وضع نظرية لما أسماه بالاقتصاد الإسلامي فلم يستطع أن يخرج عن نطاق هذه البديهيات من المواعظ الأخلاقية والسلوكية العامة التي لا يمكن أن تثبت خصوصية أو فرادة لما يزعمون أنه اقتصاد إسلامي. فمبادئ الاقتصاد الإسلامي عنده هي: احترام الملكية الفردية ، ونظام الإرث ، واحترام مصالح الأمة، ومنع اكتناز الأموال، ومنع الإحتكار، ومساعدة المساكين، وتحريم الربا، وتنظيم المالية لتغطية نفقات الأمة (الزكاة والخراج والجزية) وكلها كما نرى مبادئ سلوكية عامة وبديهية لا تخلو من مثلها أدبيات أي شعب وأي دين ولا علاقة لها بجوهر علم الاقتصاد. كما أن القول أن الإسلام يحارب الاحتكار لم يمنع نمو الاحتكارات في بلاد المسلمين، والقول أن الإسلام يمنع الربا لم يمنع وجود الاستغلال بوسائل أخرى كثيرة ، تماماً كما أن منع الإسلام للسرقة أو الرشوة أو الزنا لم يمنع حدوث بل وانتشار أيٍّ من هذه الجرائم ما أن توافرت الظروف الموضوعية لحدوثها. فضلاً عن أن محاربة الاحتكار مثلاً ليست مقصورة على التعاليم الإسلامية بل توجد في أغلب الأديان حتى غير السماوية، كما أنها من مسلّمات علم الاقتصاد العقلاني وتنص عليها القوانين في كافة الأنظمة العلمانية.

ثانياً، يقوم هؤلاء بالتدليس على الناس حين يخلطون بين ما جاء به الدين في نصوصه من مواعظ كما أسلفنا، وبين اجتهادات الفقهاء في سائر العصور، فيصوّرون للسذّج من الناس أنها أيضا من الدين المنزل على الرسول. بينما الدين هو ما جاء في القرآن والسنة، أما اجتهادات الفقهاء وقواعد التبادل التجاري التي وضعوها على مدى مئات السنين، مثل المشاركة والمرابحة والمضاربة ونظم الائتمان والبيوع والإجارة والأوعية الاستثمارية وغيرها، فهي قواعد وضعية أي دنيوية وليست سماوية، تم وضعها عن طريق التجربة والخطأ بعد فتح البلاد والتعرف على نظم التعامل التجاري والاقتصادي فيها، وكذلك بالاقتباس من نظم الدولتين الفارسية الكافرة والبيزنطية الكافرة أيضاً في نظر المتأسلمين، والتي كان يتم تطويرها كلما حدث تغيرٌ في وسائل الإنتاج أو أساليب التبادل التجاري، أي أنها عمل بشري كسائر قواعد الفقه التي قال عنها الإمام الشاطبي في الموافقات إنها قواعد وضعية أي ليست دينية وليست مقدسة، وبديهي أنه ليس من صالح الدين أن ننسب له اجتهادات الفقهاء إذ أنهم قد أصابوا كثيراً وأخطأوا أيضاً كثيرا. ولكن المتأسلمين في ترويجهم لما يسمى بالاقتصاد الإسلامي يخلطون عمداً الحابل بالناب ، ويضعون ما قاله الله وما قاله الرسول وما قاله الفقهاء في بوتقة واحدة يتهيأ بها للسامعين أن القرآن كان كتاباً في الاقتصاد والتدفقات النقدية.

إقرأ للكاتب أيضاً:

العلمانية في محاكم التفتيش الإسلامية