دور مستر X في ثورة 25 يناير
.jpg)
في العشر سنوات الأخيرة من حكمه لم يعد مبارك يمسك بزمام الأمور، وبتأثير زوجته وافق على توريث إبنه البلاد من بعده، مما أثار غضب قادة الجيش الذين لا يقبلون بالتنازل عن حكم مصر وتعريض هيمنة الجيش السياسية والاقتصادية للخطر بتولية شخص مدني مقاليد الحكم.
نسي مبارك أن السادات قد تمنّى تعيين نائبٍ مدنيٍّ له ولكنه تراجع عن ذلك خشية أن يثير حفيظة قادة الجيش، وكان هذا هو العامل الحاسم في تعيين مبارك نائبا للسادات.
ولعلّ مبارك لم ينسَ ولكنه تصوّر أن أميركا صاحبة النفوذ الأكبر على الجيش تستطيع ضمان موافقة قادة الجيش على التوريث إن قبلت أوراق اعتماد الابن في واشنطن وتل أبيب.
وكالعادة، لم تحسم أمريكا موقفها لوأد الصراع في مهده بل قامت بإدارة هذا الصراع وتعظيمه بإصدار تطمينات وهواجس لكل طرف حتى يتسنى لها تحقيق أكبر فائدة منه.
ومضى قطار التوريث في طريقه وتعاظم غضب الجيش يوما بعد يوم، واستخدم كل طرف ما بيده من أوراق داخلية وخارجية وإعلامية (مثال كتيبة عبدالله كمال في مواجهة كتيبة إبراهيم عيسى).
ومع اقتراب موعد انتخابات الرئاسة 2011 كان الجيش قد حسم أمره أن عدم قيام مبارك وقد بلغ الثالثة والثمانين بتعيين شخصية عسكرية نائبا له يعني إصراره على مشروع التوريث وأن ساعة المواجهة قد اقتربت.
وكان تقدير الموقف يؤكّد أن تحرّك الجيش منفردا سيُعتبر انقلابا عسكريا مرفوضا أميركيا وعالميا، وأنه لابدَّ من توفير غطاء شعبي ظاهر للعيان حتى يبدو تحرك الجيش لعزل مبارك وكأنه مؤازرة للإرادة الشعبية، وبعد فترة انتقالية ظاهرها مدني يمكن ترشيح شخصية عسكرية تركت الجيش لرئاسة البلاد اتُّفق وقتها على أنها سامي عنان.
والذي حسم هذا الخيار الإشارات القوية التي وصلت للجيش أن أميركا أوباما ترى أن الأنظمة العربية الحالية قد شاخت وأصبحت غير قادرة على إخضاع شعوبها وتجييش المنطقة وإعدادها لمساندة أميركا في سيناريو الصراعات المقبلة، وأنه قد آن أوان تغييرها.
وهنا ظهر دور مستر X الذي بدأ في تنفيذ السيناريو والإتصال بالحركات الشعبية المعارضة للنظام والمناهضة للتوريث كحركة كفاية و6 إبريل ومختلف المجموعات الثورية والحقوقية التي تتلقّى كوادرها تدريباً من العديد من المنظمات العالمية على الأساليب الديموقراطية في حماية البيئة وحقوق الطفل والمرأة وطرق التغيير الديموقراطي، وتمّ استخدام مختلف أنواع الوسطاء في الداخل والخارج في الاتصال بهذه الحركات وإثارتها وتحفيزها للتحرك ضد التوريث والظلم الإجتماعي.
وتحدّدت ساعة الصفر في 25 يناير وخرجت المجموعات الشبابية وتمكّنت من تحفيز مئات الآلاف من الجماهير على الخروج معها مما سهّل تطوير المهمة من المطالبة بإصلاحات إلى المطالبة بإسقاط النظام.
وقد كان من الممكن أن يظل دور مستر X خفيا لولا أن نجاح مبارك في خطابه الثاني في امتصاص بعض الغضب من الشارع قد تطلّب تدخُّلا مباشرا من مستر X بتخطيط موقعة الجمل التي لم يكن ممكنا أن تحدث بدون أن يقوم الجيش بفتح ثغرة في الميدان ليدخل منها أصحاب الجمل. وكان هذا أول ظهور مباشر لمستر X في أحداث الثورة، إلا أنه لم يكن الظهور الأخير فقد استدعت الضرورات تدخُّله ثانية في العديد من المواقف التي لعب فيها دور اللهو الخفيّ في أحداث "محمد محمود" و"ماسبيرو" و"مسرح البالون" وغيرها.
وكان لابدّ للمرحلة الإنتقالية من وجه مدني يخفي عن البسطاء معالم السيناريو، فوقع الاختيار على جماعة الإخوان التي تتكوّن من مجموعة من العواجيز والتجار المعدومي الثقافة والخبرة والذين تكفّل أمن الدولة خلال العقود الماضية بتدجين عقولهم وترويض إراداتهم، فهم وجهٌ مدنيٌّ يتّفق مع الإشارات الأميركية من ناحية، ويسهل التخلّص منهم بسرعة نظرا لافتقارهم إلى ظهيرٍ شعبيٍّ قويٍّ من ناحية أخرى.
ومع تصاعد الغضب الشعبي من تخلُّف وسياسات الإخوان الغبية قام مستر X بتسليط آلته الإعلامية الجبّارة عليهم، ثم تأليف "حركة تمرُّد" ودعمها وحمايتها، ليسقط الإخوان وتعود مصر رويدا رويدا إلى حضن جيشها العظيم.
ولكي تكون الحبكة مقنعة والعودة نهائية، تهاون مستر X في ردع الاحتجاجات الإخوانية العنيفة التي قام بها الإخوان وحرص على استمرارها لفترة زمنية تكفي لإثارة ذعر الجماهير وتوجيهها بواسطة الأبواق الإعلامية إلى المطالبة بحكم الجيش للبلاد.
والله شعبِنا دَه شعبِ طيّبْ قَوِي، ولكنه عرف طريق الثورة، وسوف يستمر حتى يسقط النظام.