تلامذة القاعدة في مصر
أوضحنا في المقالات السابقة من سلسلة (أخلاقنا) أننا لن نتمكن من بناء مستقبلنا حتى تتوافر لدينا منظومة أخلاقية تتمتع بالقوة والمرونة والقدرة على تجديد نفسها لتواكب التطور الاجتماعي المستمر، وأن شعوب العالم المتقدم لم تنجح في كسر أغلال التخلف إلا بالتخلص من الأسس والعصبيات الأبوية التي شكلت بنيتها الأخلاقية في المجتمعات الإقطاعية والقبلية القديمة، إلى أسس تتفق مع مقتضيات بناء مجتمعات مدنية حديثة.
ولقد تشكلت بنيتنا الأخلاقية أساساً من ضرورات التكيف مع البيئة الصحراوية التي تشكل أكثر من تسعين بالمئة من مساحة المنطقة العربية. فالصحراء الجرداء بطبيعتها الشحيحة القاسية لا تجود على الإنسان إلا بالفقر والعوز والخوف والأمراض والأوبئة والمجاعات وعدم الاستقرار. فورث الإنسان العربي شحها وقسوتها، واتخذ من القتل والسرقة والسلب والنهب حرفاً أساسية تعينه على الحياة والبقاء في هذه البيئة القاحلة، كما تطلب الأمر وجود نظام اجتماعي صارم تكون الغلبة فيه للقوة، إذ يتم توزيع الموارد النادرة بين الأقوياء، ويكون على الجميع الخضوع لهذا النظام عن طريق الإكراه الأبوي، الذي يؤدي الاعتراض عليه إلى الطرد من حمى القبيلة والتشرد في الفيافي.
ولقد انسحب هذا الإكراه الأبوي على شتى مناحي الحياة الاجتماعية والفكرية من عادات وتقاليد وعقائد، فلم تكن الشعوب سوى قطعان من البشر، ينسحق فيها الفرد، وتمحى سماته الشخصية، ويذوب عقله وإرادته في بوتقة العقل الجمعي والإرادة الجمعية.
حتى الحواضر القليلة التي تشكلت في هذه المنطقة حول أودية الأنهار والمراكز التجارية، فرغم أنها قد تمتعت بقدر من الاستقرار والوفرة سمح بوجود أنظمة وقوانين وشرائع تنظم علاقات الأفراد، وتحمي مصالحهم التجارية والزراعية، وتحترم تعدديتهم الفكرية والعقائدية، فاستمتع الإنسان بفرديته وحريته، وظهرت قدراته الإبداعية، وتمكن من تحقيق إنجازات حضارية كبرى كما في مصر وسورية والعراق، إلا أن تلك الحواضر كانت دائماً تتعرض لزحف الشعوب الصحراوية المتربصة بخيراتها، إما بالهجرات أو الغارات أو بغزوها واحتلال أراضيها، وخنق أنظمتها، وفرض الأعراف الأبوية (البترياركية) عليها بقوة السلاح.. وإن استطاعت تلك الحواضر في كثير من الحقب التاريخية تحرير بلادها، وطرد البدو الغزاة، واستعادة لياقتها الحضارية، إلا أنها سقطت في النهاية تحت حكم الوبر مع جيوش الفتح الإسلامي.
ورغم أن نور الإسلام قد أشرق على هذه الحواضر المفتوحة مع جيوش الفتح، إلا أن هذه الجيوش لم تكن قد تخلصت تماماً من العقلية الأبوية الصحراوية، حيث تسود القوة لا القانون، وتنعدم الحرية الفردية والتعددية الفكرية والعقائدية. واستغرق الأمر طيلة فترة حكم الدولة الأموية والعصر العباسي الأول للقضاء على جيوب المقاومة، وتأمين الثغور، لتستقر الدولة، وتنتظم مواردها المالية، وينقشع غبار المعارك، ليدرك حكام كالرشيد والمأمون والمعتصم أن ازدهار الدولة، وهيبتها، وقدرتها على التوسع والمنافسة التجارية في مجالها الحيوي لا يعتمد فقط على القوة العسكرية، بل على قدرتها على استيعاب المعارف والعلوم المختلفة، وتحويلها إلى نظم ومنتجات تسهم في تحسين وسائل العيش وزيادة الإنتاج. فبدأ الحكم العسكري بالانحسار، وعمل الخلفاء على تضييق الفجوة الحضارية بين الفاتحين من جهة وبين الشعوب المفتوحة والإمبراطوريات المحيطة، فأطلقوا حرية الفكر، وحرية التعبير، وأمروا بترجمة علوم اليونان القديمة من فلسفة ومنطق وفلك وطب وهندسة ورياضيات. وانفتح المسلمون على غيرهم من الأمم، وأخذ رسل الخلفاء يجوبون أرجاء المعمورة بحثاً عن كل ما خطته يد الإنسان في كل فروع المعرفة، وقبلوا بما أحدثته هذه النهضة الثقافية من تعددية فكرية ومذهبية وعقائدية، اتسعت لتشمل حتى مذاهب الإلحاد والزندقة، فتحررت العقول من أسر العقلية الأبوية، وشحذت الهمم. وشغل الناس بطلب العلم والرزق، فزاد الإنتاج، وأنشئت المدارس، وعرف العالم لأول مرة علماء مسلمين في شتى العلوم، ذاعت شهرتهم بين طلاب العلم في مختلف الأصقاع، مثل سيبويه وابن سينا والرازي والفارابي وغيرهم. وعلا صرح حضارة إسلامية حقيقية بزت الحضارات والأمم. إلا أن هذا المد الحضاري لم يكتب له أن يستمر، إذ ضعف الخلفاء منذ أواخر القرن الرابع الهجري وغرقوا في ملذات الحياة من جَوارٍ وغلمان وغيرهما، وقويت شوكة رؤساء الجند الأتراك، الذين تلاعبوا بالخلفاء، مما اضطر الخليفة المتوكل للتحالف مع الحنابلة لقدرتهم على حشد العوام والدهماء من أجل تصفية خصومه. فانتهز الحنابلة الفرصة، وأشعلوها حرباً شعواء على كل المدارس والتيارات المخالفة لمذهبهم، وأشبعوا خصومهم مطاردة واغتيالاً، وحرقوا كتبهم وأعمالهم، وانتشروا في الأسواق، وأخذوا يفرضون على الناس قيوداً في السلوك والثياب ويفرقون بين الرجال والنساء في الطرقات، وعادت العقلية الأبوية لتحكم عالمنا من جديد، وارتدَّت منظومتنا الأخلاقية شيئاً فشيئاً إلى عصر الجاهلية، خاصة مع تراكم المؤثرات السلبية للعصور المملوكية والعثمانية اللاحقة، ثم انتكاسة حركة الإحياء العربية بفعل التشوهات الأيديولوجية التي تعرضنا لها مؤخراً تارة تحت راية الاشتراكية، وتارة أخرى تحت راية الأسلمة الوهابية.
ولعل أصدق ما يعبر عن هذه الردة الأخلاقية هو تلك الجريمة النكراء التي وقعت ليلة عيد الميلاد في مدينة نجع حمادي بالصعيد، فقد قامت أيادٍ آثمة بقتل سبعة من المسيحيين المصريين وهم يغادرون الكنيسة بعد أداء صلاة العيد، قتلاً عشوائياً يؤكد عمق الكراهية التي زرعت في قلوب هؤلاء ضد الآخر المخالف في الفكر أو العقيدة، ومدى استهانة الحنابلة الجدد بالقيم الأخلاقية وبالحياة الإنسانية وبمصير الأوطان نتيجة لسيطرة هوس النموذج الأبوي على عقولهم، إذ يكون على الإنسان الاختيار بين الأتباع وبين التصفية الجسدية أو المعنوية.
ويتعاظم هذا الهوس الأبوي في عقول الناس نتيجة لشيوع عقيدة الولاء والبراء التي تعدها جماعات السلف الحنبلية المنتشرة في الأرياف والصعيد زوراً وبهتاناً من أصول العقيدة الإسلامية.
إن هذه العقيدة هي أساس نظرية تنظيم القاعدة في تقسيم المجتمعات والعالم كله إلى حزبين لا ثالث لهما، وهما حزب الله وحزب الشيطان، والتي بموجبها يستحل هذا التنظيم وسائر تنظيمات السلفية الجهادية دماء المخالفين ولو كانوا مسلمين أو ذميين أو حتى مستأمنين. ولهذا قام الدكتور أيمن الظواهري الرجل الثاني في تنظيم القاعدة بتنظير هذه العقيدة في كتاب مستقل بعنوان (الولاء والبراء)، ويروج لها في مصر مشايخ الجماعات السلفية ودعاتها من أمثال محمد حسان، وأبو إسحاق الحويني وغيرهما، على المنابر وعلى شاشات القنوات الفضائية المخصصة لبث هذه السموم، مثل قنوات الحافظ والناس والرحمة، والتي كثيراً ما تعالت الأصوات بضرورة وقف بثها رحمة بأولادنا وبسلامة أوطاننا. ولكن يبدو أن هذه النداءات لم تصل بعد إلى سمع أولي الأمر.
وحسب هذه العقيدة النكراء، التي تنشر العداوة والكراهية في ربوع الوطن، يجب على المؤمن أن يقصر مشاعر المحبة والمودة على المؤمنين فقط، أما المخالفون في الفكر أو العقيدة فعليه أن يبغضهم وأن يظهر لهم ذلك، وأن يغلظ عليهم بالقول والفعل، وأن يهجر مجالسهم ولا يبدأهم بالسلام، ولا يتخذهم أصدقاء ولا يستعين بهم في عمل، ولا يشاركهم أعيادهم أو أفراحهم ولا يمشي في جنازاتهم.
يقول محمد حسان الولاية الثابتة من كل مسلم لأخيه المسلم تشمل الحب، والنصرة، والتعاطف والتراحم، أما البراء فهو بغض غير المؤمنين، من الكافرين والمشركين والمنافقين والمبتدعين والفساق (أى الآخر بصفة عامة)، ويؤكد أن الله في آيات سورة الممتحنة قد كفَّر من اتخذ نصرانياً أو يهودياً ولياً له ومن لا يعلن بغضه وعداوته لهم.
أما أبو إسحاق الحويني فقد أتحف المكتبة المصرية والإسلامية بتأليف سلسلة من الكتب بعنوان (اتحاف النبلاء بمسائل الولاء والبراء) يقوم فيها بالتأصيل والتنظير للأفكار السابقة على نحو يتطابق في مجمله مع مقولات أيمن الظواهري في كتابه المشار إليه. مما يؤكد أن انتشار الأفكار السلفية هو البوابة التي يتسلل منها تنظيم القاعدة وما يتبعه من سلفيات جهادية إلى البلاد، وهو ما رأيناه يحدث في المملكة العربية السعودية والعراق ومؤخراً في اليمن، فهل من مذكر؟.
ومما يؤسف له أن نجد مشايخ لهم قدرهم ويصفهم البعض بالاعتدال يجارون هؤلاء في هذا التردي الأخلاقي، إذ خرج علينا الشيخ القرضاوي بفتوى تحرم مشاركة المسلمين إخوانهم المسيحيين في الاحتفال بأعيادهم!؟.
وإننا لنتساءل كيف يحل الله لنا اتخاذ نسائهم زوجات، ثم يحرم على الزوج مشاركة زوجته وأهلها وإكرامهم في الاحتفال بأعيادهم؟ وكيف يمنع الأب أولاده من مشاركة أمهم وأولاد وبنات أخوالهم وأقاربهم في الاحتفال بفرحة هذه الأعياد، وما فيها من ولائم وألعاب وثياب جميلة وتبادل للمجاملات والهدايا؟ وحتى إذا لم تكن الزوجة كتابية أو (كافرة) بحسب هؤلاء، فهل يسعد مشايخنا الأجلاء أن يروا بعض أطفال قرية ما يبتهجون ويلعبون ويمرحون في ملابس العيد الزاهية، ويتبادلون الهدايا والألعاب بينما يقف من حولهم بقية أطفال القرية يرقبونهم في وجوم أو غيظ أو حسد وربما في ازدراء لمجرد أنهم يدينون بدين مختلف؟ ماذا يزرع هؤلاء الأعراب في نفوس أبنائنا؟ وأي قيم أو مثل أو خلق بل أي سموم ينشرها هؤلاء المشايخ في ربوع أوطاننا؟ ثم هل يحق لنا أن نتساءل بعد ذلك كيف انحدرت أخلاقنا إلى الحضيض في نجع حمادي؟ وهل سنضيع المزيد من الوقت في البحث عن الجناة الحقيقيين.