العلمانية في عصر محاكم التفتيش الإسلامية

إسماعيل حسني قرأها 1,100
 

العلمانية في عصر محاكم التفتيش الإسلامية

بقلم: إسماعيل حسني *

     لا يختلف اثنان على أن سائر البلاد العربية (غير النفطية) قد أصبحت مجتمعات طاردة لأبنائها، حيث لم تعد تتوفر فيها الحدود الدنيا للحياة الإنسانية الكريمة، وما نشهده من تدهور الأحوال على كافة الأصعدة غني عن البيان ولا يحتاج إلى إسهاب، حتى أصبحت أغلى أمنية عند أكثر شباب هذه البلاد أن تتاح له الفرصة ليهجر وطنه إلى أي مكان يستطيع أن يجد فيه لقمة عيش، ولو على حساب كرامته بل وعلى حساب حياته نفسها في أحيان كثيرة.

    ولقد استبشرنا خيراً منذ سنوات عندما رفع شعار الإصلاح في بعض البلاد العربية، وتابعنا ما يدور حوله من إجتماعات ومؤتمرات، وما يطرح من برامج وتوصيات، فرأينا الجميع يدورون في حلقة مفرغة، لا ينفذون منها إلى لبّ وجوهر المشكلة. يناقشون الفروع ولا يقترب أحد من الجذور، يبحثون في الأعراض ولا يتحسّس أحدهم بيت الداء، وذلك إما جهلاً لدى عوام الناس وبسطائهم، وإما عمداً وقصداً لدى غيرهم، ممن لا تتوفر لديهم الرغبة الصادقة في الإصلاح. 

    ذلك أننا إذا أمعنا النظر في المشكلات الأساسية التي تعاني منها مجتمعاتنا، سنجدها جميعها تتسرب من مصدر واحد، أو من ثغرة واحدة في بنياننا السياسي والاجتماعي والفكري. هذه الثغرة هي التي يتم إخفاؤها، والتعمية عليها، والدوران حولها في سائر تلك الاجتماعات والمؤتمرات، وهي التي لا يسمح أبدا أن تكون حتى مجرد بند في أية أوراق أو برامج طرحت للمناقشة.

     إن مجتمعاتنا لا تعاني من أمراض خبيثة نادرة لا يُعرف لها تشخيص أو دواء، إنما هي مجموعة من الأعراض لمرض واحد عانت منه أكثر الشعوب من قبلنا، ومن بينها تلك التي تسمى الآن بالشعوب المتقدمة، حتى اكتشفت العلاج الناجع الذي قضى على أصل الداء، فصحَت هذه المجتمعات وتقدمت وسادت.

    إننا باختصار نعاني من مرض اسمه التخلف له خمسة أعراض رئيسية هي:

-        تضخم جهاز الدولة، وتغوله، واستبداده.

-        استخدام الأنظمة السياسية للسلطة الدينية التابعة له إدارياً وللجماعات الدينية المتطرفة في تهميش القوى الإجتماعية، عن طريق مسخ شخصية المواطن، وإلغاء فرديته، وتحويل المواطنين إلى إعضاء في قطيع واحد يسهل على أي راعٍ السيطرة عليه.

-        انهيار منظومة القيم الإنسانية والعقلانية على المستوى الفردي والجماعي، نتيجة للاستبداد والفساد وتسييس العقائد الدينية.

-        انحطاط قيمة العلم في سلم القيم العام، وسيطرة الخرافة والشعوذة على عقول الناس.

-        نمو النزعات العنصرية والطائفية بشكل مرضيٍّ لم يسبق له مثيل، سواء في عهود الدولة الإسلامية القديمة أو حتى إبان الحكم العثماني، ولا يمكن مقارنته إلا بعهود محاكم التفتيش المسيحية في القرون الوسطى، فأصبحت المجتمعات العربية مسرحاً للصراعات الطائفية والعرقية والجنسية، لدرجة تستحيل معها الوحدة الوطنية، والسلام الإجتماعي، مما يهدد معظم أوطاننا بالانهيار والتقسيم والتفتيت. (كما يحدث من حولنا الآن في العراق ولبنان والسودان وغيرها). 

هذا التخلف له دواء واحد اختبرته أكثر شعوب الأرض تقدماً في وقتنا الراهن، وطبقته، فاختفت الأعراض، أو تضاءلت، وانطلقت الشعوب في طريق الحداثة والتقدم. هذا الدواء هو "العلمانية" المفترى عليها في بلادنا، بكل ما يعنيه مصطلح العلمانية من حداثة وحرية وديموقراطية وعلم وعقلانية وعدالة ومساواة.

     فالعلمانية هي السلاح الوحيد الذي توصلت إليه الشعوب لمواجهة الاستبداد السياسي والقضاء على تحالفه مع المؤسسة الدينية، وما يترتب على هذا التحالف من فساد ومحسوبية وتهميش لقوى المجتمع المدني. وهي الأداة الوحيدة الفعالة لإقامة نظام ديمقراطي سليم ينقذ السلطتين التشريعية والقضائية من براثن السلطة التنفيذية، ويحرر المؤسسة الدينية من استغلال السلطة السياسية. وهي السبيل لعلاج الأمراض الأخلاقية والاجتماعية التي بدأت تتفشّى في مجتمعاتنا من تمييز وعنصرية والتي تمزِّق نسيج الأوطان، وتفشي العداوة والبغضاء بين أبنائه. وهي المقدمة الضرورية لقيام مجتمع مدني يقود الإصلاح الاقتصادي ويستعيد التوازن بين الطبقات الاجتماعية، فبدون العلمانية يستحيل قيام مجتمع مدنيّ حر. وهي السبيل لإبعاد أشباح ثورات الجياع والعبيد والمشردين التي لن ترحم الأخضر ولا اليابس في بلادنا. وهي أخيراً الأمل في استعادة المواطن العربي لشخصيته وفرديته وحيويته التى جرى السطو عليها من قبل قطبي التحالف المشؤوم، فنستعيد قدرتنا على التفكير المستقل والخلق والإبداع فتزدهر بلادنا بجهد أبناءها وعطائهم.

      إن الذين يتركون بلادهم مهاجرين إلى البلاد العلمانية المتقدمة لا يطلبون أكثر من الحياة في مجتمع يوفر لهم مقومات الحياة الكريمة وهي الحرية والأمن والاستقرار والازدهار وفرصة متكافئة مع الآخرين. فالعربي لا يهاجر إلى استراليا لأنها ترفع راية القومية العربية، ولا الإيراني إلى كندا لأنها تقيم شرع الله، ولا الهندي إلى أمريكا لأنها تعبد البقرة. فلماذا لا نعمل على تحديث أوطاننا وتوفير هذه المقومات فيها من أجل أنفسنا ومستقبل أولادنا؟

      إن رجل الأعمال الناجح يعمد إلى متاجر ألدّ منافسيه، وأكثرهم قوة وسطوة، وأوفرهم استقراراً في السوق، ليدرس تقنياتهم، ويتعرف على أساليبهم في الإنتاج والإدارة والتسويق، ليقرر في النهاية الأسس التي سيقيم عليها مشروعه الجديد، حتى يستطيع البقاء في السوق والمنافسة.

      وكذلك الحال عند بناء الدول أو تحديثها، فلكي تتحول دولة ما من دولة متخلفة طاردة، إلى دولة حديثة جاذبة، لابد أن تنظر حولها، وتراقب ما يجري في غيرها من الأمم، لتقف على منظومة القيم والسياسات والتقنيات التي أوصلتها إلى هذا المستوى من الحداثة والقوة والتقدم، ولا تتردد في نقل الناجع منها والذي أثبت فعاليته، لكي تقوم بتحديث نفسها وتتقدم.

      إن العلمانية جعلت من جهاز الدولة المرعب في بلادنا جهازاً رقيقاً حاسماً في بلادهم، قوياً في إدارته لشؤون البلاد وفي تطبيق القانون، ضعيفاً أمام ممثلي الشعب، لا يستطيع مخالفة القوانين أو اختراع ما يناسبه منها، شفافاً في أهدافه ووسائله، مرناً، عادلاً، يقف من جميع مواطنيه على مسافة واحدة. جهازاً إدارياً بمعني الكلمة، إدارياً فقط، ليس له عقيدة سياسية يرفع لها الشعارات التي تحلو له، بل هو مجرد منفّذ لما تقرره الحكومة المنتخبة من الشعب، وهو كذلك ليس له عقيدة دينية يفسرها كما يطيب له، ويتخذها ذريعة لاستخدام المؤسسات الدينية في تحقيق مآربه، فتلك المؤسسات في النظم العلمانية تتمتع باستقلال كامل عنه وعن الحكومة التي يعمل تحت إمرتها بحكم القانون.

    فالعلمانية هي يد العدالة الإلهية التي تسحب غطاء الدين عن السلطة، وتجعلها تقف وحيدة في العراء أمام شعوبها، ليس لها ما تستر به عورتها سوى كفاءتها، وعدلها، وشفافيتها، واحترامها لحقوق مواطنيها، ودفاعها عن أمن الأوطان وسلامتها، فيرتفع مستوى أدائها، ولا تصبح مرتعاً للصوص والأفاقين.

    ربما يستطيع كل منا الآن أن يدرك لماذا تحارب العلمانية في بلادنا؟ ولماذا لا تطرح العلمانية أبدا للمناقشة في أية ورقة أو أيّ برنامج سياسي!

    ولكن ما هي العلمانية؟ وهل هناك بدائل أخرى غير العلمانية يمكننا اتباعها لتحديث مجتمعاتنا؟ وهل تصلح العلمانية التي تطبق بنجاح في مشارق الأرض ومغاربها للتطبيق في بلادنا؟ وهل تتفق أم تتناقض مع تعاليم الأديان وخاصة ديننا الإسلامي الحنيف؟ وكيف تصلح العلمانية عملياً من شأن الفرد والمجتمع؟ وما هو النموذج العلماني الذي يجب علينا اتباعه؟ وما مدى مسؤولية العلمانية عن الأزمات السياسية والمالية التي تجتاح العالم؟ وكيف تتعامل العلمانية مع الصراع العربي الإسرائيلي؟ وما هي الأسس العلمية لتطبيق العلمانية؟ وما هي عيوب العلمانية وكيف نتعامل معها؟ هذه الأسئلة وغيرها هي ما سوف نحاول مناقشته في الأسابيع التالية.

* باحث في الإسلام السياسي

نشر هذا المقال أيضاً في مجلة روز اليوسف المصرية بتاريخ 11 نيسان 2009

**

إقرأ أيضاً

العلمانية والإسلام

في كتاب "علمانية الإسلام والتطرف الديني"

للباحث المصري إسماعيل حسني

عبد الزهرة الركابي