العلمانية والإسلام في كتاب "علمانية الإسلام والتطرف الديني" للباحث المصري إسماعيل حسني
العلمانية والإسلام
في كتاب "علمانية الإسلام والتطرف الديني"
للباحث المصري إسماعيل حسني
عبد الزهرة الركابي
انكب الباحثون والدارسون العرب كثيرا على معالجة علاقة العلمانية بالإسلام، ومن خلال متابعتي للعديد من هذه الدراسات، وجدت أن هنالك ثلاثة مواقف من هذه العلاقة تبدو طافية على سطح الرؤية لهذه العلاقة، وحتى لا نختزل هذه المواقف في هذا الاستهلال، من المفيد أن ندخل سريعا في تفصيلات هذه المواقف والاعتبارات التي انطلقت منها، وربما تكون هذه الاعتبارات ذات وطأة أيديولوجية قبل أن تكون ذات دوافع دينية أو دنيوية بحت، لأن واقع الأحداث التأريخية الإسلامية أظهر أن كلا الجانبين (العلمانية والإسلام) ومنذ قرون بعيدة قد استُخدما واستُغلا في آن سياسياً، وإن ما يُقال عن الدوافع الدينية والدنيوية إنما هي تظل مجرد غطاء، ولربما يكون أيضا طرح مبدأ التعايش بينهما يُراد من ورائه مصلحة سياسية ذات رؤية وسطية ومرحلية قد تعمر أو لا تعمر، ونحن هنا لا نريد الاستشهاد بالنموذج القائم في تركيا في هذا الوقت، بل نأخذ العلاقة بعموميتها الإسلامية التأريخية.
وفي كتابه «علمانية الإسلام والتطرف الديني» حاول المؤلف إسماعيل حسني أن يشير الى نقاط تضفي العلمانية على الإسلام، كما فنّد الآراء التي تجزم بعدائية العلمانية للإسلام، وطرح ممكنات التعايش بين العلمانية والإسلام، ناهيك عن أن الكاتب عمد الى توجيه النقد الى الأنظمة المستبدة التي تستخدم حلفاءها، وعلى رأسهم المؤسسات الدينية، في تشويه فكـرة العلــمانية في أذهان الشعوب لأنها الخطر الحقيقي على وجود تلك الأنظمة، تماما كما كان يفعل تحالف الإقطاع والكنيسة في أوروبا في القرون الوسطى.
وحسبما يعتقد الكـاتب، أنه حــان الوقت لأن تطرح النخب العربية هذه القضية المحورية على أجندة الحوار الوطني والقومي، وأن تصحّح المفاهيم المغلوطة بشأنها للجماهير.
لكن أشد الآراء التي تنبري للهجوم على العلمانية تقول، ومن سمات الطرح الجاري للعلمانية التي تلفت النظر لمخالفتها الصارخة لما يتردد في منبرهم من طنطنة كثيرة حول الليبرالية، هي أن العلمانيين يلتصقون أكثر ما يلتصقون بالدعوات والتوجهات والأحزاب والجهات شديدة الدكتاتورية والتسلط التي تمارس شتى أنواع القمع السياسي والاقتصادي، والتي لم يعرف عنها إلا النزعات الاحتكارية والاستئثار بكل المقدرات والسلطات والنفوذ والمنابر.
وتستشهد هذه الآراء بما يجري في بلد شرقي في هذا السياق عندما تضيف، ومما يشار إليه في هذا الصدد ما يحدث في هذا البلد مثلاً حيث تلتقي الدعوة العلمانية بوضوح مع تيارات القمع السياسي والأمني وتباركها، وتوجد لها الأعذار والمبررات بل تشجعها بكل صلافة وتبجح.
ويعتقد مروجو هذه الآراء، أن دعاة العلمانية من خلال شعار الليبرالية لا يجدون أي غرابة أو تناقض في التحالف مع دعاة الفكر الرأسمالي المتوحش والطاغي الذي يبشر باحتكار كبار رجال الأعمال، كما يسمون، لإمبراطوريات مالية هائلة قليلة العدد ومتحالفة مع أهل السلطة والحــكم، يحدث ذلك بينما أهم ما يميز دعــوى الليــبرالية هي التبشير بفكرة الحرية الاقتصادية والتجارية تحت الشعار التاريخي (دعه يعمل دعه يمر) والضحية الرئيسية الوحيدة، كما تقول هذه الآراء، لهذا المســلك غير الليبرالي من جانب دعاة الليبرالية هو الإســلام وحركاته السياسية ودعاته وتجاربه، ولا سيما في المجال الاقتصادي، لأن الليـبراليين المزعومين لا يسمحون بالليبرالية لأحد إلا لأنفسهم فقط.
لا شك بأن الرؤية الأخيرة، على العكس من الرؤية الأولى، كانت عدائــية ودينية متطرفة في طرحها حيال العلمانية، مع أن النموذج الذي استشهدت به قد لا يخلو من العيوب النسبية التي اتسـمت بها العلــمانية، إلا أن ما نريد قوله ان مثل هذه الرؤية العدائية اتسمت بالشمولية والتعــميمية، ولم تشر الى الجوانب المضيئة التي من الممــكن الأخذ بها وتطويرها نحو اتجاه مستــقل من خلال ردم اعتبارات الفجوة الحاصلة بين العلمانية والإسلام، وهي التي يسعى المتدينـون المتزمتون الى توسيعها من خلال اعتبار ان العلمانية تشكل تحدياً كبيراً ومبــاشراً لمصدر الشرعية في الإسلام وهو الشريعة الإسلامية، وهم في الوقت نفسه يعترضون على المنهج العلماني في السياسة والاجتماع، الذي يطرح الإرادة الإنسانية والتوافق الإنساني كمصدرين للشرعية والقوانين الوضعية والأخلاقية، وهـنا نرى التــباعد جلياً على الصعيد السياسي بين الطرح العلماني والمستتبع بالديموقراطي من جهة، والطرح الديني المتطرف من جهة أخرى، إذ يرى الأول أن آلية الحكم هي: حكم الشعب، بينما يرى الآخر أن الآلية هي: حكم الله بواسطة الشعب، وحتى هذا (الشعب) في طرح الدينيين يظل تحديده غامضاً، ولربما يكون المقصود به حكم «الكهنوت الديني» أو رجال الديـن الذين قال عنـهم ســيد قطب، إن رجال الدين المحترفين يعيشون في عهد الإقطاع الذي يقيمهم حراساً لمظالمه وجرائمه.. إن هؤلاء لن يكونوا إسناد حكم الإسلام بل طرداءه، ما لم يغيروا ما بأنفسهم، ويعملوا عملاً منتجاً غير مجرد الصلوات والأذكار والتراتيل.
وإذا كنا قد استعرضنا بإيجاز موقفين كاشفين للعلاقة القائمة بين العـلمانيين وحملة لواء الغلو في الإسلام من خلال الموقف الأول الذي يجتهد في اعتـبار أن الإسلام علماني وليس هناك من تعـارض بينهما، بينما يزعم الآخر أن هناك تعارضاً قاطعاً بينهما، بل يصفها بالمنهج العدائي للإسلام، ومن هنا نتطرق الى الموقف الثــالث أو الوسطي والتوفيقي، حيث يرى أن أغلب المفكرين راح يقرُّ بضرورة إحياء الديموقراطية، التي تعد العلمانية فلسفتها السليمة، كوسيلة مجربة، وأساسية لمعالجة التحديات التي تواجه المجتمـعات البـشرية في عصر المعلوماتية، والقرن الواحد والعشرين، ولما كانت بنية مجتمع القرن الواحد والعشرين تمتاز بالتعددية الاقتصادية والفكرية والثقافية، فمن الطبيعي أن تنمو فيها كل القوى والاتجاهات الديموقراطية، مع وجــود بقــايا المتطرفين من علمانيين ومتدينين وليبراليين، التي قد ينجب بعضها التطرف والإرهاب، ولمجـابهة هذا الخطر من الضروري أن يلتـقي العلمانيون والمتدينون المتنورون من مختلف الطبقات والفئات الاجتــماعية، ومن الضروري أيضاً الاستفادة من أخطاء المرحلة السابقة لاستبعاد المجابهة التناحرية بين هذه القوى والتيارات منعاً لتغذية التطرف والإرهاب.
وعلى كل حال، إن العمق الـتأريخي للدولة الإسلامية، بدءاً من الأموية ومروراً بالعباسية وانتهاء بالأندلسية، يؤكد على سياق من العلمانية، وهو فصل الدين عن الدولة، لتكون بالتالي الدولة الإسلامية في عـصورها المختلفة بما يشـبه الدولـة العلــمانية، مع أن هذا التوصيف ظل محلاً للاجتهاد في التشابه والمقاربة لدى الباحثين، بيد إن الاعتقاد السائد لدى هؤلاء الباحثين هو أن الدولة الإسلامية بعد الحقبة الراشدية أصبحت دولة سياسية أكثر مما هي دولة دينية، وهو واقع أكـدته الأحـداث التي تخللتها على شكل ثورات وحركات، كانت بمثابة المعارضة السياسية على الرغم من قشورها وصبغتها الدينية والعرقية والمذهبية.
* كاتب عراقي – نشر هذا المقال أيضاً في جريدة السفير اللبنانية