شموليّة الإسلام (2 - 3)

إسماعيل حسني قرأها 1,215
  

شمولية الإسلام (2-3)

إسماعيل حسني

Ismail%20Hossni01.JPG 

أوضحنا في المقالة السابقة أن القول بشمولية الإسلام هو حق بالمعنى الذي أراده الله ورسوله، من أن الإسلام دين يشتمل على كل ما أمر به الله في العقيدة والعبادات والحلال والحرام، ولكنه باطل بالمعنى الذي يروج له الكهنوت الإسلامي، وجماعات الإسلام السياسي، من أن الإسلام يشتمل على كافة العلوم والمعارف. وبينا كيف أن هذه النظرية مستنسخة حرفياً عن النظرية الكنسية "شمولية المسيحية"، وأنها ليست في النهاية سوى لعبة رجال الكهنوت في كل دين من الأديان السماوية والأرضية، من أجل فرض سيطرتهم على الأفراد والمجتمع في سبيل الجاه والثروة من ناحية، ولاتخاذها ذريعة للمطالبة بالحكم من ناحية أخرى.

    واليوم نلقي الضوء على بعض "التكتيكات الفقهية" التي يقوم بها هؤلاء لتسويق نظريتهم المزعومة في شمولية الإسلام. وكلها أيضا منقولة ونكاد نقول مترجمة عن إدعاءات أحبار اليهود، وآباء الكنسية في عصور الظلام. ونوجز بعضها فيما يلي:

أولا: وضع تعريف سياسي للدين الإسلامي:

فبينما يسمي الله الإسلام دينا "إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ.." آل عمران 19، يرى الشيخ يوسف القرضاوي أشهر زعماء الإسلام السياسي أن الإسلام ليس بدين! فيقول في كتابه الدين والسياسة "من الضروري هنا أن نقرر أن مفهوم كلمة (الدين) ليس هو مفهوم كلمة (الإسلام)..!!؟، فما هو الإسلام إذن إن لم يكن ديناً؟ يجيب الشيخ في السطر التالي مباشرة "نعم يمكن أن يكونا شيئاً واحداً، إذا أضفنا الدين إلى الإسلام أو إلى الله فنقول (دين الإسلام) أو (دين الله).. لكن إذا ذكرت كلمة دين مجردة من الإضافة أو الوصف، فهي أضيق مفهوماً من كلمة الإسلام، لأن الدين في الحقيقة إنما هو جزء من الإسلام"!!؟ يقول الشيخ هذا على الرغم من أن الله تعالى يقول "شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا.." الشورى 13 ويقول "دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا.." الأنعام 161 ويقول "لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ" الكافرون 6 ويؤكدها مرتين في آخر آية نزلت في القرآن"..الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا.." المائدة 3. هكذا ذكر الله الإسلام كدين بلا مضاف أو مضاف إليه، ولكن للإسلام السياسي رأيا آخر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ثانيا: التفسير السياسي لآيات القرآن الكريم:

من أجل إقناع العوام بهذه الشمولية المزعومة للإسلام لا يتورع الأصوليون عن تحميل آيات القرآن بما لم تحمله نصوصها، فيلجأون إلى حيلة مكشوفة ولكنها للأسف تنطلي على بسطاء الناس، إذ يقومون باجتزاء آيات القرآن الكريم، وإخراج الجزء المجتزأ عن سياقه الذي يحدد المعنى الذي أراده الله في الآية، ثم تفسيره على عموم لفظه بما يحلو لهم، مما يسيء إلى هذه النصوص ويسيء إلى الإسلام نفسه. لأنه لو جاز تفسير القرآن بعموم اللفظ وبصرف النظر عن أسباب التنزيل لفسرنا آيتي "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ" التحريم 1، و "وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ" الأحزاب 37، بأن الرسول كان يحرم ما أحل الله ويخشى الناس أكثر من خشيته لله على الإطلاق والعياذ بالله. ومن أشهر الآيات الكريمة التي يستخدمونها لإثبات زعمهم بشمولية الإسلام:

"مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء ٍ" يجتزئ المتطرفون هذه الآية ويستخدمونها كثيراً لإثبات شمولية الإسلام لجميع مجالات الحياة، والحقيقة أن نصّ الآية يقول "وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إلإ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ" الأنعام 38، وتفسيرها في بساطة شديدة كما جاء في سائر كتب التفسير: لا تحسبن الله غافلاً عما تعملون, وكيف يغفل عن أعمالكم وهو غير غافل عن عمل الدواب في الأرض ولا عمل الطيور في السماء، فأعمال جميع المخلوقات مثبتة في أم الكتاب ولم يُسقط منها عملاً من الأعمال.

"وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ" ونصها الكامل هو "وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ" النحل 89، وتفسير تبيانا لكل شيء هو: نزل عليك يا محمد هذا القرآن بيانا لكل ما بالناس إليه الحاجة من معرفة الحلال والحرام والثواب والعقاب. قال مجاهد: تبيانا لكل شيء قال: مما أحل وحرم (تفسير الطبري). وهذا تفسير يقبله العقل والمنطق، وليس فيه إحاطة بكل مجالات الحياة. أي أن معنى (كل شيء) في جميع الآيات يشمل أمور الدين من حلال وحرام، وليس السياسة والإقتصاد والكون والفضاء والزراعة والصناعة كما يحلو للمتطرفين أن يفسروها.

"الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا" هنا يقتطعون جزءاً من الآية رقم 3 من سورة المائدة ويخرجونها عن سياقها لتخدم أغراضهم بأن اكتمال الدين يعني شموليته واحتواءه على كل المعارف الدينية والدينيوية. والحقيقة أن نص الآية كاملة هو "حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ". وهي كما نرى متعلقة باكتمال الحلال والحرام في الدين فلا يجب أن تستمعوا لليهود والكهنة فيما يحرمون أو يحللون. وتفسيرها: أكمل تعالى لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره ولا إلى نبي غير نبيهم ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء وبعثه إلى الإنس والجن فلا حلال إلا ما أحله ولا حرام إلا ما حرمه ولا دين إلا ما شرعه وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف. (تفسير ابن كثير).

    فالإلتزام بتفسير آيات القرآن وفق أسباب نزولها وحسب السياق الذي وردت فيه في الآية شرط لصحة التفسير، وفي هذا يقول ابن عباس: إنه سيكون بعدنا أقوام يقرأون القرآن ولا يدرون فيم نزل فيكون لهم فيه رأي ثم يختلفون ثم يقتتلون فيه، ويقول ابن تيمية: إن معرفة سبب النزول تعين على فهم معنى الآية فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب. ولا شك أن المتطرفين يعرفون ذلك جيداً، ولكنها السياسة والغرض.

ثالثا: تحريف مبادئ الشريعة:

    ولكي يمكن تمرير هذا التفسير السياسي لآيات القرآن قام كهنوت الإسلام السياسي بتحريف أكثر المبادئ التي تحكم شرعة ومنهاج الإسلام، وذلك لإسكات المعارضين، وإمداد أتباعهم من العوام بما يلزم من الذخيرة لرشق مخالفيهم بمختلف تهم الفسق والكفر والزندقة. ومن هذه المبادئ التي تم تحريفها:

لا اجتهاد مع النص:

فالأصل أنه لا اجتهاد مع النص القطعي الثبوت والدلالة، سواء في القرآن أو السنة، وهي نصوص قليلة ونادرة، وفي مجال العقيدة والعبادات فقط، أما ما يتعلق بشئون الحياة الجارية من نصوص قاطعة في القرآن أو السنة، فكثيراً ما أوقف الرسول ومن بعده الصحابة العمل بها كلما تغيرت الظروف. والشيخ القرضاوي يقرر هذا صراحة حين ثقول في كتابه الحل الإسلامي "ليس كل الدين ثابتاً.. الثابت في الدين هو العقائد والشعائر والأحكام القطعية وهي قليلة جداً أما معظم أحكام الشريعة فظنّية وقابلة للإجتهاد، وتتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان، بل يختلف قول الإمام الواحد في المسألة الواحدة بين فترة وأخرى". إلا أننا نجد الكهنوت يقوم بتوسيع دائرة المقدس التي لا يجوز الإجتهاد فيها لتشمل كافة آيات القرآن، وكافة أحاديث الرسول حتى الأحادي منها والضعيف، بل ويضيفون إليها أيضا أقوال الصحابة والأئمة والفقهاء، من أجل إثبات شموليتهم المزعومة.

عصمة الرسول:

يقوم المتطرفون باستخدام الآيتين الكريمتين "وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى" (النجم 3 و4) في التدليس على العوام، وإيهامهم أن الرسول (ص) كان معصوماً في كل قول أو فعل، بما يلغي بشريته، وبالتالي صلاحيته لأن يكون قدوة للناس، وذلك من أجل استخدام أي حديث ورد في الصحاح أو غير الصحاح بما يناسب أغراضهم. والتفسير الصحيح لهاتين الآيتين كما جاء في كل التفاسير هو أن الرسول لم ينطق القرآن عن هواه بل عن وحي يوحى. فالمقصود هو القرآن والأحاديث التي تفسر ما أمر به الله في أمور العقيدة والعبادة والحلال والحرام، وليس كل ما نطق به الرسول في شئون الحياة الجارية.

البدعة:

من أجل إرهاب المخالفين، وقتل ملكة الإبداع في الأمة التي سيكون أرباب الكهنوت أول ضحاياها، يعتبر هؤلاء أي محاولة لتطوير أو تحديث الفكر والمجتمع بدعة، ومن أشهر الأحاديث التي يستخدمها هؤلاء لتشويه هذه القاعدة الشرعية حديث "كل بدعة ضلالة" وآخر يقول "شر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة"، فأصبح الابتداع الذي يعتبر معياراً لتقدم الدول والشعوب، وصمة تلحق بصاحبها عاراً لا يمحوه الزمان. والحقيقة أن هذه الأحاديث تتحدث عن الإبتداع في العقيدة والعبادة فقط لا غير، ولا يصح الاستشهاد بها في شؤون الحياة حيث الإبتداع مطلوب ومحمود. ومن يراجع سيرة الخلفاء الراشدين وخاصة عمر بن الخطاب يرى ابتداعاً لا حد له تضمن في أحيان كثيرة وقف العمل بأحكام قطعية الثبوت والدلالة في القرآن والسنة.

    ولم يترك هؤلاء مبدأً شرعياً إلا وأوسعوه تشويهاً وتحريفاً وإخراجاً له عن نطاقه الشرعي السليم مما يضيق المجال هنا عن الإسترسال في بيانه.

    ولكن لماذا يفعل الإسلام السياسي ذلك؟ لإنهم يحاولون إثبات أن الإسلام ليس ديناً ينظم العلاقة بين الإنسان وربه فقط كباقي الأديان، بل هو حسب ادعائهم دين شامل يحتوي على مناهج لسائر العلوم والمعارف في جميع مجالات الحياة، لكي تصبح كافة شؤون حياتنا وسلوكياتنا محكومة بالنصوص، وطبعاً بالسادة المشايخ الذين يملكون مفاتيح تفسير هذه النصوص، مما يضمن لهم وظيفة باعتبارهم فئة عاطلة عن العمل، ويبرّر لهم المطالبة بحكم البلاد والإفتاء في كل مجال من سياسة إلى اقتصاد وطب وعلوم وفضاء وزراعة وصناعة وتجارة وأدب، ناهيك عن علاج الناس بالقرآن، وتفسير الأحلام بالقرآن، وإخراج الجن والعفاريت بالقرآن، وغيرها من أبواب الرزق الحرام. من هنا يقال أن الإسلام ليس بدين، بل هو دين ودنيا، عقيدة وشريعة، عبادة ومعاملات، دعوة ودولة، خلق وقوة. وهم في هذا للأسف يقومون بتشويه العقيدة الإسلامية نفسها قبل أي شيء آخر عن طريق تحويل الإسلام من دين مطلق سام إلى أيديولوجية نسبية دنيوية.

    ويعترف زعماء الإسلام السياسي أنهم يقومون بتحويل ديننا الحنيف إلى أيديولوجية، بل إنهم يتفاخرون بذلك، فيقول يوسف القرضاوي في كتابه الحل الإسلامي "إن في العالم اليوم ثلاث أيديولوجيات هي الليبرالية، والإشتراكية، والإسلامية". ويؤكد في كتابه الحلول المستوردة تمسكه بهذا المصطلح فيقول "إن العمل الإنقلابي الذي تنتظره الأمة هو إخراجها من الذبذبة بين الأيديولوجيات إلى أيديولوجية أصيلة متميزة.. ولن تجد هذه الأيديولوجية إلا في الإسلام".

    ولكن لماذا يعتبر تحويل الدين من عقيدة مطلقة سامية إلى أيديولوجية تشويهاً للدين؟ وما الضرر في ذلك؟ هذا ما سنناقشه في المقالة القادمة.

* باحث في الإسلام السياسي

i_hosni@hotmail.com

شمولية الإسلام (1-3)