نقد الوعي الزائف عند محمود أمين العالِم

أ. د. يوسف سلامة قرأها 771
  

نقد الوعي الزائف عند محمود أمين العالِم

أ. د. يوسف سلامة

رحل محمود أمين العالِم عن عالمنا بعد أن خلَّف ثروة ضخمة من الأفكار، وعدداً هائلاً من التلاميذ والمريدين، وإرثاً سياسياً وفلسفياً واجتماعياً للثقافة العربية بعامة، وللحياة السياسية والتجربة الحزبية العربية بخاصة.

وقد تراوح إنتاجه بين الفلسفة والسياسة وبين الفن والأدب، مثلما أن تأثيره قد تراوح بين إعداد التلاميذ والمريدين ثقافياً وفلسفياً، وبين تهيئتهم لأن يكونوا قادرين على خوض معترك الحياة السياسية، وهو المجال الذي كان يعتقد أنَّ كل الجهود في المجالات كافة، وكل صور الإنتاج، بصرف النظر عن حقولها، لا بدَّ أن تنتهي إليه وتصبَّ فيه، لأنَّ النشاط السياسي الحقيقي هو المدخل، في نهاية المطاف، في نظر محمود أمين العالِم، لتكوين الوعي المطابق، أو على الأصح الوعي غير الزائف. فخارج التجربة السياسية والممارسة الاجتماعية المنضبطة بالرؤية الحقيقية ستُفضي أشكال النشاط المختلفة بأصحابها إلى إنتاج وعي زائف لديهم، الأمر الذي لا يمكن تصحيحه إلا عبر الممارسة الحقيقية المسترشدة بالنظرية الفلسفية بوصفها قادرة على التعبير عن الحقيقة من ناحية، وعلى صياغة السلوك البشري _الفردي والجماعي_ من ناحية أخرى، بما يضمن لهذا السلوك الارتقاء إلى مستوى النظرية.

تلكم هي الأفكار الأولية أو المداخل الأساسية التي تضمن للوعي أن يكون وعياً مطابقاً وغير زائف فيما يذهب إليه محمود أمين العالِم. ولكن هذا لا يعني أنَّ محمود أمين العالِم _من حيث هو فيلسوف ماركسي عربي_ قد كان غافلاً عن أنَّ الوعي الزائف هو ذلك الوعي الخاص الذي تُعبِّر من خلاله، هذه الطبقة أو تلك، عن مصالحها، وأنه الوسيلة النظرية الأساسية التي تنعكس المصالح الطبقية فيها ومن خلالها. فالوعي الزائف هو نوع من الرؤية للعالَم التي تعبر عن جملة المصالح الطبقية التي قد تضيق وقد تتسع بحسب اتساع الرؤية الإيديولوجية التي تنعكس في وعي هذه الطبقة أو تلك، وفي تعبيرها عن رؤيتها للعالم أيضاً.

ومن المعروف جيداً أنَّ محمود أمين العالِم قد كان يتفلسف على الطريقة الماركسية، ومن ثم فهو يؤمن بأنَّ الفلسفة الماركسية، مصوغة في إيديولوجية طبقية منحازة للطبقة العاملة، هي الإيديولوجية التي تتطابق مع الوعي الحقيقي، وأنها هي أكثر الإيديولوجيات كلية، لأنها تعبر عن أكبر شريحة اجتماعية، ولأنها تتخذ من اضمحلال الطبقات وزوالها هدفاً أخيراً لها، مما يؤهلها، في نظر محمود أمين العالِم، لأن تكون الإيديولوجية الأقدر كأداة تصلح للاستخدام في التحليل السياسي والاقتصادي والاجتماعي لحياة المجتمع وتطوره. وما ينبغي أن يُفهَم من ذلك كله هو أنَّ (العالِم) لم يكن ماركسياً أرثوذكسياً متبعاً ومقلداً. بل إنَّ الأمر على العكس من ذلك تماماً، فقد كان (العالِم) فيلسوفاً مبدعاً ومجدداً في استخدامه للماركسية ما دام ينظر إليها بوصفها مرشداً عاماً، لا على أنها مجموعة من القوالب الجاهزة الناجزة (المقدسة) التي لا يجوز المسِّ بها. ووجهة النظر هذه على الضبط هي التي ميزت (العالِم) من حيث هو أحد الفلاسفة الماركسيين العرب، وجعلت منه، في كثير من الأحيان، يبدو وكأنه فيلسوف مجدِّف ومتمرد في أعين كثير من الماركسيين العرب الذين تحولت الماركسية لديهم إلى دين له عدده الطقسية الكاملة، وله لغته المقدسة وأنبياؤه الذين يتحدثون بلغة إلحادية، وآلهته الذين يؤكدون ألوهيتهم من خلال نظرتهم إلى أنفسهم على أنهم نقاط الانتهاء والغايات القصوى التي كان تطور الحزب والأمة والبروليتاريا العالمية والمحلية يستهدف الكشف عن هذه البنية المقدسة التي قد تصاغ في بعض الأحيان بلغة لا قدسية فيها. لم يكن محمود أمين العالِم من هؤلاء، بل كان ينظر إلى نفسه على أنَّه يشارك في الحقيقة التي تتكشف في التاريخ، وكان يسلِّم أيضاً بأنَّ هذه الحقيقة زائلة ومضمحلة. ولو لم يكن يفكِّر على هذا النحو، لما وصفنا وعيه إلا بأنه وعي زائف.

وتكشف المراجعة السريعة لإسهامات فيلسوفنا محمود أمين العالِم في الفلسفة والفن والأدب، وحتى في النظرية النقدية، أنه قد كان ينطلق في فهمه لهذه الميادين جملة، من تصوره للحياة ذاتها بأكثر مما كان إنتاجه في هذه الميادين محكوماً بإيديولوجية مسبقة أو بنظرة متصلبة.

ومن الواضح حقاً أن (العالِم) كان ينظر إلى الحياة على أنها الحقيقة الأقوى والأبقى، وأن النظرية _مهما بلغ انسجامها وتماسكها_ فلا بدَّ لها من أن تتكيف مع الحياة وأن تخضع لها وأن تسايرها وأن تصحح نفسها بموجبها.

ويشهد إنتاج (العالِم) في الميادين كافة على هذه المصالحة العميقة التي أقامها بين النظرية والحياة، فكان عضوياً على طريقته، وليس شبحاً لأي فيلسوف ماركسي آخر مهما بلغت مكانته وأهميته.

ولو أننا نظرنا في موقفه السياسي، لوجدنا كيف أنه تعلم من الحياة، ومن ثم عدَّل موقفه النظري ليتطابق مع متطلبات الحياة نفسها. لقد عانى (العالِم) من كل ضروب الأذى والتشريد والسجن في العهد الناصري، على الأقل في المرحلة الأولى من حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. وعلى الرغم مما لحق به في سجون عبد الناصر، فإنه لم يجد غضاضة، في مرحلة لاحقة، من العمل مع عبد الناصر يداً بيد. وهذا الموقف لا يدل على أن (العالِم) قد كان إنساناً لا يعرف الحقد فحسب، وإنما هو يدل أيضاً، أولاً وقبل كل شيء، على رؤية واسعة وملتزمة بمصالح الأكثرية الشعبية.

كان عبد الناصر، في نظره، زعيماً وطنياً، وكان، في الوقت نفسه، برجوازياً صغيراً ولكنه كان أيضاً ملتزماً، على طريقته الخاصة، بمصالح الشريحة الأوسع من العمال والفلاحين.

وبما أن الأمر كذلك فمن الحمق، في نظر (العالِم)، ألا يعمل يداً بيد مع هذه الشخصية الوطنية الكبيرة. وكل ذلك بالطبع لا ينفي ما للعالِم من ملاحظات على النهج الناصري ككل. ولكنه تعلم من الحياة، أن تعديل السلوك الذي يخدم مصلحة الكل خيرٌ من المحافظة على السلوك في حالة اتساق صوري جامد مع النظرية أو الإيديولوجية التي يؤمن بها. وبهذا المعنى، فإن مفهوم الوعي الزائف لدى العالِم يتخطى الإطار النظري المرسوم له مسبقاً، ليتجذَّر في صميم الحياة نفسها باعتبارها المقياس العضوي الأوحد لاتساق النظرية مع الحياة.

لقد رحل العالِم وفي نفسه صور للوعي الزائف، لَكَمْ تمنى أن يكون قادراً، لا على مجرد نقدها، فقد قام بهذا النقد فعلاً، وإنما كان راغباً فيما هو أبعد من النقد حتى تستقيم صورة الحياة المصرية لديه. ولا يكون ذلك ممكناً إلا بالانخراط في نقدٍ مزدوج كان يتمنى أن يتحول إلى إصلاح مزدوج، الأمر الذي يجعل البنية الاجتماعية المصرية أكثر انسجاماً وأكثر تعبيراً عن مصالح الأكثرية الشعبية التي أفنى العالِم جانباً كبيراً من حياته في خدمتها وفي الدفاع عنها.

في الجانب الأول نستطيع أن نتحدث عما يمكن تسميته بنقد الوعي الزائف السلطوي، أو نقد الوعي الحكومي وتصورات هذا الوعي بمفهوم المصلحة العامة والخاصة، وتجاهل الفروق فيما بينها، وذوبان المصلحة العامة واضمحلالها في المصلحة الخاصة. وهو ما وجه إليه العالِم الكثير من النقد طوال حياته، حتى إنه وهو راقد في فراش المرض الأخير، قد عبر عن همه وغمه وحزنه من الطريقة التي تسوس بها الحكومة المصرية بلادها. ويكفي أن يرجع المرء إلى الكثير من المقابلات الصحفية التي أجريت معه قبيل وفاته، ليكون متأكداً من أن العالِم قد رحل وفي قلبه الكثير من وعي الحكومة الزائف بالمصلحة الوطنية وبالمصلحة العامة، على حدٍّ سواء.

ثمة صورة أخرى من صور الوعي الزائف شغلت بال العالِم طوال حياته. ولكنها ظلت تشغله حتى اللحظات الأخيرة من حياته، ونعني بها مسألة العلاقة بين الدين والمواطنة، أو بعبارة أخرى، لقد كان العالِم مشغولاً بالطريقة التي يتعين بها الوعي الديني في الحياة. وفي إيضاح ذلك نقول: كانالعالِم عَلمانياً من ناحية، ولم يكن مناهضاً للدين أو التدين، من ناحية أخرى، على الرغم من أنه لم يكن متديناً. ولكنه على علم عميق بالدور الذي ما زال الدين يمارسه في حياة الشعب، وبالتالي كان همُّه منصرفاً إلى استحداث صياغة عقلانية للعلاقة بين تدين الشعب وبين مقتضيات حياته ومصالحه.

وقد بلغ الحدُّ بـ العالِم ورفاقه في السجون الناصرية أن يؤسسوا لأنفسهم مسجداً في أحد هذه السجون سمي في ذلك الوقت _وربما كان ما يزال محتفظاً بالاسم نفسه لدى السجناء السياسيين الذين يشغلون السجن نفسه، إن وجدوا بالطبع_ باسم (جامع الشيوعيين). في هذا الجامع كان العالِم يصلي هو ورفاقه على الرغم من كونهم ماركسيين. كان لهذا المسجد وظائف كثيرة لعلَّ من بينها الدخول في حوار ضمني مع السجانين الذين كانت الأجهزة الأمنية قد عبأتهم تعبئة شديدة ضد الشيوعيين.

ومن مظاهر هذا الوعي الزائف أيضاً الذي حرص العالِم على نقده، هو الوعي الزائف لدى الإخوان المسلمين، ولاسيما لدى جماعة الإخوان المسلمين في مصر. فمن مظاهر الوعي الزائف، في نظر العالِم، الاكتفاء بالقول: (الإسلام هو الحل). فـ العالِم يرى أن الإخوان المسلمين بصفة عامة لا يمتلكون نظرية في السياسة، أي نظرية في الحكم تحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم وتعين واجبات كل منهما حيال الآخر. كما أن الإخوان المسلمين، في نظره، لا يمتلكون نظرية اقتصادية تحدد موقفهم من الثروة وتوزيعها وأطر الاستثمار الملائمة وآليات التوزيع المناسبة. وكان يرى أن نقد الوعي الديني، كما هو متعين في العموميات التي يطرحها الإخوان المسلمون في مصر أمر يستحق كل مراجعة ونقد، نظراً لما للدين من دور كبير وأثر خطير، حتى الآن، في حياة العرب والمصريين، على حدٍّ سواء.
هاتان صورتان أخيرتان من صور الوعي الزائف، رحل العالِم وفي نفسه الكثير منهما. وليس العالِم وحده هو الذي في نفسه شيء منهما، بل نحن الأحياء أيضاً، في نفوسنا أشياء كثيرة منهما. ولذا نعتقد أن مواصلة الجهد الذي بذله العالِم على امتداد ما يزيد على ستين سنة جهد ينبغي ألا يضيع، بل ينبغي أن نواصله ونعمقه ونتابعه بوصفه إرثاً عربياً يستحق كل الاحترام والتقدير.

وصحيح أنه لا بدَّ من متابعة هذا التراث ومنحه كل الاعتبار والتقدير، ولكن الصحيح أيضاً أن نكون مزودين في ممارستنا هذه بكلِّ الأساليب النقدية والروح الموضوعية التي تسمح لنا بتطبيق المعيار الذي التزم به العالِم نفسه على فكره وحياته وممارسته، وهو أن تكون الحياة فوق النظرية.