كان أستاذي... كمتصوفٍ راح في تأملٍ غامض، وقد لا يرجع

غيث العبدالله قرأها 826
  

كان أستاذي... كمتصوفٍ راح في تأملٍ غامض، وقد لا يرجع

غيث العبدالله

في صباحٍ مضى وأنا أُقلّبُ صفحات الجريدة، قرأت خبر رحيله المفاجئ، ولومضة خاطفة مرّ شريط الذكريات أمام ناظري، واستجمعت الذاكرة صورته، فبدت أمامي صورة أستاذي مصطفى فتحي، بكل بساطته وبوهيميته ونقائه وهدوئه، وترحاله، وسخريته المرة، بدت كأنها ندية الملامح صافية. كان أستاذي، ومنه تعلمت الكثير فنياً، وإنسانياً، حين كنتُ طالباً في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق-قسم الحفر. منتصف ثمانينيات القرن الذي مضى.

كنا طلاباً لا يتجاوز عددنا العشرين طالباً، ما يسنح لنا التفاعل المباشر والحيوي، مع أساتذتنا، وقد كان أكثرهم ابتعاداً عن الضوء وبهرجته. آثر الصمت على الكلام، وكان قليله كافياً ليترك فينا أثراً عميقاً، ذا فائدة ومنفعة لطلبة جاؤوا من أماكن متباينة، فأتت المعلومة منه، بحنو وحميمية دافئة، وكانت توجيهاته رصينة ومباشرة. كان يُحفزنا على الاكتشاف، والتجربة، فدعانا مرة إلى معاينة دخان المدفأة الأسود وما يعلق بها أثناء الاحتراق، واستخدامه كتقنية في رسومنا. بدا الأمر غريباً بالنسبة لنا، بل ضرباً من الغرابة اللامألوفة لطلاب مازالوا في بداية عامهم الدراسي الثاني، لكننا حين قمنا بالتجربة كانت النتيجة مذهلة حقاً. أرادنا أن نلتفت إلى ما حولنا لاستقاء المواضيع من بيئتنا، من تلك البساطة المشبعة بالحب، والحكايات الجميلة. "حينها فقط تستطيعوا أن تكونوا فنانين حقيقين". وعلينا بذلك -على حسب تعبيره-، أن نلج عمق الأشياء وجوهرها لا ظاهرها، وننقل بذلك روحها على سطح اللوحة أو المحفورة.

ولأنه استفاد كثيراً، وبرع في أنه استمد مواضيع أعماله من أجواء الفنون الشعبية وما تصنعه يدوياً الفلاحات في الريف السوري، من أنسجة وبسط ومطرزات ومرقعات، وغيرها اشتهر في أوروبا، حيث نقل جمال المحلية بروح معاصرة فجاءت لوحته عالمية بامتياز. كان مأخوذاً بأحلامه، بخيالاته، وبرنين صدى روحه، وقد بدا وأنت تلمحه منفرداً مع نفسه، كمن أضاع زمنه، أو كمتصوف راح في تأملٍ غامض وقد لا يرجع.. كان منشغلاً بأفكاره وتجلياته، ومسكوناً بهاجس الخلق والإبداع. كانت الغرابة ظاهرة في ملامح شخصيته، أو قل هو التفرد، تفرد المبدع، وخصوصيته، وللوهلة الأولى قد تُظهر لك هذه الغرابة انكماشاً ما منه حيالك، لكن ما أن تقتربه ويقربك إليه، حتى تكتشف روحه الصافية، الجميلة، وطفولته الودودة، وشيئاً فشيئاً يصبح أقرب إليك من الآخرين.

كان أستاذي وسيبقى، وقد راح في تأملٍ غامض، ولن يرجع، لكنه باقٍ في أعماله الخالدة، ولن تمحو السنين آثار بصمته وإضاءتها الجلية في عالم الفن التشكيلي.

السقيلبية  -    www.ghaith-a.com ghaithab@gmail.com