أبو حنا... انكسار الناي في ذلك الليل الطويل

غيث العبدالله قرأها 785
 

أبو حنا... انكسار الناي في ذلك الليل الطويل

غيث العبدالله

خمس سنوات مرت على غيابه.. (أبو حنا، جرجس سعادة)، عازف المجوز والربابة الذي دوزنت مسامعها الأجيال في السقيلبية على أنغام مزماره خلال سبعين سنة مدة عمره الموسيقي، بينما اقترب عمره الزمني من التسعين بقليل. يُعد رمزاً من رموز فولكلور السقيلبية ومؤسس الموسيقا الشعبية فيها الحاضر دائماً من خلال مشاركاته الوجدانية في كل أفراحنا وأعراسنا وأعيادنا، هذاالذي نتذكره اليوم في الذكرى الخامسة لرحيله كان يفيض انسانية وتشع روحه نقاءً وصدقاً.. ملاذاً آمناً، وسلاماً وطمأنينة لكل من عرفه وعايشه وقصده في بستانه الشهير أو حتى من مرَّ به مروراً.

أحبّ الجميع فبادلوه الحب بلا استثناء. صديقٌ للبيئة هو، محافظٌ عليها وحارسٌ وفيٌّ للطبيعة من الخراب واليباس، يرفق بالحيوان ويعطف على الطير. لم يؤذ كائناً حياً طوال حياته، وإذا ما مرّ برتلِ نملٍ حادَ بقدميه عنه. مجرد رؤيته كانت مبعثاً للحب والطيبة ودعوة ملحة للعودة إلى ذواتنا للتصالح معها ومع انسانيتنا. وإذا التقاه أحدنا مرةً لابد أن يقول في سره.. حقاً مازالت الدنيا بخير.

أبو حنا شخصية شعبية غنية بإرثها الفلكلوري، بعطاءاتها، بوجدانياتها، وستبقى حية في الذاكرة والموروث الشعبي لسنين طويلة فمثلها لا يمكن أن تراه إلا في الروايات والأشعار حيث كتابات جبران ونعيمة ومينة وغيرهم.. غرست جذورها بقوة في حياتنا دون أن تدري، تستند بذلك إلى مقومات عدة أهمها البساطة والصدق والعطاء. لقد شكل العم أبو حنا نموذجاً حياً للبدايات البكر الناصعة للإنسان، حيث الينابيع الأولى النقية التي لم تعكر صفوها المدنية الجارفة، كما عكرت صفو نفوسنا نحن اللاهثين وراءها دون حساب، متخذاً من بستانه صومعة لحياته اليومية، حيث أنغامه وأحلامه وإيمانه وقناعاته التي لم يبدلها أبداً، مثلما نبدلها نحن كما نُبدل ثيابنا، نحن المتعجرفين المتطفلين على الحياة أصحاب القبعات النظيفة، بينما يعشش في رؤوسنا العفنة الجهل والقبح. لقد أعطانا الكثير وله فضائل علينا ليس بأنغامه الجميلة التي ألهبت أكف وأقدام الصبايا والشباب في الدبكات والأهازيج فحسب، بل في مسكننا ومأكلنا ومشربنا، فكم تصبّب عرقه وامتزج في طين بيوتنا وكم أطعمنا مما غرفته كفاه الشقيتان خلف حلة السليقة (القمح المعد للسلق)، وكم شربنا من نبعة بستانه الذي ظل لسنين مديدة منتزهاً شعبياً لأهالي السقيلبية. بقي هاجسه العمل والنشاط والحركة، وعاش حالة نكران ذات دائمة ليعطينا الفرح في حين لم نعطه مرة حتى ولو زهرة. تركناه منسياً لذاته، لوداعته.. لأحلامه التي ما فارقته يوماً رغم دنوه من التسعين.. فلطالما أبدى تمسكاً وشغفاً لا يوصف بالحياة، تركناه منسياً في حياته دون سؤال... دون تحية، وعند مماته أيضا بقي منسياً ومتروكاً في عتمة ليل مكسور تحت ظل شجرة بين أدغال بستانه ضاماً إلى صدره وبحنو قصبته لتستقر بين أنامله بصمت أبدي، بعد أن عبثوا بأنفاسه الحرة وأدموها.

السقيلبية  15/6/2009  - ghaithab@gmail.com