زمنُ الرسائل.. كان أجمل

غيث العبدالله قرأها 969
  

زمنُ الرسائل.. كان أجمل

غيث العبدالله

مسكين.. مسكين جيل الشباب اليوم، لم يعش زمن الرسالة الورقية، المعطّرة الملونة بألوان قوس قزح، ومزينة بزخارفِ عشق ٍوقلوبٍ ملتاعة، حنيناً وحرماناً والمكتوبة بمداد القلب وشوق الانتظار. مسكين هذا الجيل، تكاد ذاكرته تخلو تماماً من تلك الحميمية الدافئة التي كانت تمنحنا إياها كتابة الرسالة الذي يغدو طقساً روحياً ذا خصوصية يُمارس بالكثير من الوجد والشغف والجمال، نسهر الليالي، نمحي ونحّك ونشطب، نضع الفاصلة والنقطة وإشارات التعجب والاستفهام ونخفي بين السطور ما نود قوله. نمزّق حين يقتضي الأمر كرمى لعيون الحبيبة. نحرق أطراف الرسالة تعبيراً عن شدة العشق الملتهب. اليوم فقدت الرسالة الورقية بريقها وربما اختفت تماماً من هذا الزمن ذي الإيقاع السريع بعد ظهور وسائل الاتصال الحديثة، حيث التكنولوجيا المتقدمة لعالم الاتصالات عبر الأقمار الصناعية والهواتف النقالة التي تغطي كافة بقاع الأرض. يغلب الجانب العلمي على الرسائل الحديثة ويُعتبر الإيميل والخليوي والفاكس والتلكس وسائل متطورة للتعبير عن أسلوب المخاطبة العصرية. حلت الرسائل القصيرة السريعة المكثفة sms لتعبر عن مشاعر العشاق وأحاسيسهم وتمشياً مع نبض الزمن السريع لم يعد لدى الشبان اليوم الوقت الكافي ليمنحهم الجلوس الطويل والتأمل العميق لكتابة الرسائل وتزويقها وتعطيرها لتأتي انعكاساً لتلك الانفعالات التي تأخذ مساحة واسعة من حياة الإنسان.

لكن رسائل الخليوي أو الجوال لم تسطع أن تحل محل الرسائل الورقية من حيث القيمة المعنوية والمادية فهذه الأخيرة يمكن لها أن تدوم من خلال حفظها مئات السنين، بينما الرسائل القصيرة sms قد تُمحى بسب فايروس أو غيره.

إن للرسائل الورقية المكتوبة أهميتها رغم وجود بدائل عدديدة اليوم لأنها تعنى بتفاصيل الأمور، فمن خلال القلم والورقة يمكن لنا أن نعبر بشكل أصدق لما في دواخلنا، وعلى هذا الأساس يمكن أن نقول إنّ زمن الرسالة الورقية كان أجمل. غيث العبدالله www.ghaith-a.com

ملحق:

بعد أيام من وفاة والدي قبل سبعة عشر عاماً، حملت أمي إليّ رزمة من الأوراق، تلونت بالأصفر الجميل، وقالت لي: خذ يا بني تلك رسائلنا منذ أيام الخطوبة. كان والدك من أوائل المتخرجين من دار المعلمين في سوريا عام 1952. خُطبت إليه وكان عليه أن يذهب بعيداً ليّعلم في إحدى مدارس جسر الشغور قبل أن يأتي بعد سنتين ليعّلم في مدرسة القرية المنشأة لتوها. حين يأتي ليراني في بيت أهلي أيام الإجازة، كنت أسلمه رسالة بعد أن أنتظر خلو المكان لدقائق معدودة، وكان هو يفعل ذات الشيء. مرةً بكيت إذ لم أستطع أن أعطيه ضمّة حبق كنت قد قطفتها له بعد أن زرعتها لأجله في تنكة سمن فارغة. كان والديّ معي وحماتي حين استقل المركبة وسافر من أمام الباب دون أن أتمكن من القيام بذلك خجلاً وخوفاً. خذ يا بنيّ هذه رسائلنا لتحتفظ بها (وهي تعرف ميولي واهتماماتي بالتوثيق والأرشفة).

وفي الحقيقة هذه الرسائل هي اليوم في عهدتي بأمان، وأعتبرها من أجمل وأعظم الأشياء التي ستبقى محفوظة في قلبي. في إحدى هذه الرسائل تكتب له إمي وصاياها وترجوه أن يأخذ بها، وعدد هذه الوصايا أربعة عشر وصية مرقمة وبالتسلسل، وثالث أهم الوصايا هي: برضايي عليك لاتدخن يا جورج (وهذا اسم والدي)- لاتتحدث في السياسة والدين- انتبه إلى صحتك ودفيّ حالك من البرد.

والجميل أن هذه النصائح والوصايا الثلاث ظلت عالقة على شفتي والدتي بين الحين والآخر حتى قبيل وفاة والدي بأيام، وخاصة فيما يخصّ التدخين بالرغم من أنهما عاشا مع بعض قرابة الأربعين عاماً لتنتقل هذه الوصايا إلينا نحن أبنائها وحتى إلى أحفادها اليوم.