لن تنسحب أمريكا من العراق

د. إبراهيم عبَّاس نـَتُّو قرأها 6
  

بعد كل ما أقدمت عليه أمريكا في العراق .. و ما "ضحـّت" به .. واستثمرته في داخله وفي خارجه على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي، فإن ما أتوقعه هو أن أمريكا لن تنسحب من العراق، إلا ربما شكلياً .. أو بشكل انسحاب من هنا .. وإبدال في هناك .. بطرائق "إعادة" الانتشار. إن أمريكا .. بعد نجاحها في القضاء على أي منافس معتبر، تنفرد منذ العقد الأخير من القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي (الذي كان يتهاوى على كل حال)، ومنذ عدة أحداث إستراتيجية أخرى ولو جاءت متوزعة: سقوط جدار برلين؛ الحرب العراقية الإيرانية؛ غزو وتحرير الكويت؛ .. الهجوم على أمريكا في عقر نيويوركها .. في 11 من سبتمبر/ أيلول ..

حدث 11 من سبتمبر/ أيلول، الذي رغم انه كان قاصماً / و"قاسماً مشتركاً أعظمَ" .. إلا أنه كان في نفس الوقت -على ضخامته و فداحته- بمثابة القشَّة التي قصمت ظهر البعارين جميعاً .. وقام بتذكير الشرق قبل الغرب بمخاطر وخطورة منطقة مصدر الطاقة الأول (النفط) .. وسلّط الضوء بوضوح أكثر على منطقة الشرق الأوسط بعامة .. والوطن العربي تحديداً .. وجزء الخليج منها بإمعان أكثر .. وكان أن جاء "على البيعة" فتمَّ تذكير هؤلاء وأولئك بأزمة النفط الكبرى في 1973 وما حولها .. وهي التي بدأ الغرب جرَّاءها، بقيادة أمريكا ووزير خارجيتها وقتها هنري كيسنجر، عملية /عمليات الرد، بل والانتقام، الاستراتيجي وطويل المدى!

 فإذا كان في منطقة الخليج (بمعاني) ما بين 25% ونصف بترول العالم .. إذا أضيفت العراق إلى دول الخليج الستّ ثم بعدها منطقة بحر خزر (بحيرة قزوين) ... فإنما علينا تصوره هنا هو ما يشبه أن يتجمع في يد مارد واحد مخزونُ مأكول ومشروب العالم .. بينما غالبية بيوت العالم تنتظر في طابور يدور مرات حول الكرة الأرضية .. جائعة عطشى! وإذا لاحظنا – في المقابل-- مستوى استهلاك العالم.. وخاصة الصناعي منه؛ فمثلاً، أمريكا وهي لا تصل نسبة سكانها إلـ 5% من سكان العالم .. بينما تستهلك ما بين 80 إلى 85% من موارد العالم ..  فإنه –و مع کل "القيم".. والمفاهيم الدبلوماسية .. واتفاقيات جنيف.. وبقية الاتفاقيات والمعاهدات وسائر الپروتوكولات.. الخ، فسيبقى البقاء هو البقاء.. على طريقة نفسي نفسي!

 ولا بورك فيمن كان السبب.. وخاصة السبب المباشر لاحتلال العراق .. في شخص رئيسه السابق .. الذي غرَّر بنفسه وغرَّر به أعوانه .. وصوَّر لنفسه –و صدَّق ما صوَّروه له.. بأنه ليس فقط "الزعيم" الأوحد.. و صاحب 98 اسماً حسنى.. الخ، فلقد يسَّر ذلك "الزعيم" لذلك الذئب الكبير(أمريكا) بأن يهجم على ما دانى من الغنم.. وجعلهم له لقمة سائغة لنهشه، و لقد كان ذلك التمكين بدءاً بدكتاتوريته الستالينية المطلقة التي مارسها حتى تجاه "الرفاق" من زمرته؛ ثم اعتدائه على جارته إيران في 8 سنوات عجاف؛ ثم الانكباب على جارته الأخرى الكويت، حتى خرج منها مدحوراً، و لكن بعد إنهاك قوى بلده وإفناء شبابه ومحـْقِ هيبة شعبه ووطنه وأمته. [وهل نذكر حلبجة.. في الداخل؟]

أمريكا وجدتـْها!! و جاءتها الفرصة تقريباً إلى حد أقدامها.. وسبب لها كبير نعاجنا بأن ينهش الذئب بملء فمه وبلعومه. ثم جاءتها الفرصة لتنقض ولو تدريجياً.. وربما (في مراحل قادمة على كامل الخليج).. لتمسك بكامل الخليج (على أن تكون مسكة القبضة في تلك الحالة.. وفي هذه المرة بصفة مباشرة). بل ولعلها في طيات خططها إحكام السيطرة على منابع النفط من أواسط آسيا .. أذربيجان وما حولها.. وإعادة إحكام القبضة على نفط الخليج .. مع إزالة أو على الأقل تحييد) ما بقي في طريقها –إيران و سوريا—حتى يخلو لها الطريق سالكاً لربط نفطي أذربيجان والخليج.. إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط.. ومنها --في خط مستقيم-- إلى أوربا، ..وإلى أمريكا بالطبع.

 والذي أراه –على المستوى الأوسع-- هو أن تربط أمريكا بين البحرين (هنا أعني بها: بحر خزر والبحر الأبيض) بإكمال سيطرتها المباشرة وغير المباشرة فيما بين نفط أذربيجان الدافق.. ونفط الخليج الغادق.. مع توصيل هذا وذاك إلى سواحل شرق المتوسط  العربي منها والإسرائيلي، و بالتالي: "من البحر إلى البحر"!.. فإن أوربا و من ورائها أمريكا تكونان قد ضمنتا مصدر الطاقة والحياة لسنين وسنين وسنين.. (ربما إلى أن تتمكنان من الاستغناء عن النفط كمصدر لحياتهم .. بالبدائل التقنية المنتظرة منذ أزمة النفط الأولى.. في 1973.. ولا يزالون يشتغلون على ذلك)  وحتى يأتي ذلك الحين.. فإن أمريكا (لن) تنسحب.

 لقد صرفت أمريكا مئات البلايين /المليارات.. وخسرت –إلى تأريخه-- ما تعدى الألفين من مواطنيها؛ وأيضاً كثيراً من المخاطرة بسمعتها ومركزها الكوني؛ وهي تعمل على إقامة أكبر مبنى (مجمع بنائي) يفوق أكبر سفاراتها في العالم حجماً، وبإدارة أكبر عدد من منسوبيها "الدبلوماسيين" في العالم (أكثر من 3000 موظفاًُ)؛ وتعمل على إقامة عدد من القواعد العسكرية العملاقة في أنحاء العراق. وحتى إذا ما بدا وأنها توارت عن الأنظار.. وإذا ما قام السفير الأمريكي بتسليم صولجان أو نحوه إلى قائد عسكري عراقي أو إلى أحد رؤساء السلطة المحلية العراقية أمام كاميرات التلفاز والفضائيات.. وحتى إذا هم أكملوا ذلك (المسرح) باحتفالية لإنزال العلم الأمريكي ورفع العلم العراقي.. فإن كل هذا وذاك لن يغير في الأمر شيئاً.

 لقد صرَّح رئيس أمريكا ومعه وزير الدفاع.. و عبر كلاهما في مناسبات عدة.. بعبارة مطلية بماء البلاغة، المزركشة بالألفاظ التي بدت وكأنها غير تسلطية، بل وكأنها من باب "الفروسية" الموشَّاة حتى بالإيثار.. فجاءت العبارة وكأن أمريكا لا تنوى أبداً تثبيت الاحتلال ولا الرغبة في البقاء.. بقولهما: أمريكا لن تبقى في العراق ثانية أكثر مما يلزم، ولا ثانية واحدة أقل. ومن هذه العبارة قد يفهم بأن أمريكا لا تعتزم البقاء أكثر مما يلزم. ولمن فاتته النكتة، فإنها تعبر عن شيء صحيح حرفي، فالمقصود (الحقيقي) هو العزم على البقاء بما لا يتعدى ساعة "عدم اللزوم"..ألا وهي ساعة نضوب النفط في المنطقة!! (أو) ساعة استغناء أمريكا والعالم الصناعي عن النفط كمصدر رخيص للطاقة (أو) بعد اكتشاف ما يكفي من الوسائل البديلة لتوليد لطاقة ولإدارة دفَّات الصناعة والحياة بعامة هناك)، ..أياً من الحدثين كان أبعد!!

 وإلا، فإن أمريكا هذه.. وحتى بعد مضي 61 سنة على انتهاء الحرب العالمية الثانية.. والهزيمة التاريخية الساحقة لقطبـيها اليابان وألمانيا.. لم تنسحب سياسياً من هذين البلدين، حتى بعد توقيع "اتفاقيات" السلام، كالتي تم توقيعها..وفي احتفال معلن ومفعلن وعلى رؤوس الأشهاد في سان فرانسيسكو. بينما يبقى الواقع بأنه وإلى يومنا هذا لا تزال هناك قواعد لأمريكا في اليابان؛ ففي جزر أوكيناوا -مثلاً-- هناك ما لا يقل عن 35 ألف جندي أمريكي، وكذلك القواعد البحرية مثل التي جوار ميناء يوكوهاما الشهير. ومثل ما في اليابان، فهناك من القواعد والمعدات والمشفيات العسكرية الأمريكية التي لا تزال قائمة (ومستمرة) في ألمانيا.. كما فيما بين فرانكفورت وفي غرب البلاد حتى حدودها مع فرنسا فيما قبل سار بروكين، وما بينهما في مانهايم وقرب بادن بادن وغيرها.  وكذلك في كوريا (الجنوبية) وحتى بعد مضي 53 سنة على انتهاء حرب أمريكا على كوريا التي نجمت عن وقف إطلاق النار وقيام الكوريتين (الشمالية و الجنوبية).. فلا يزال في كوريا الجنوبية حوالي 38 ألف جندي أمريكي في أنچونگ غرباٌ وبوسان غرباٌ.. و فی ما بينهما!

قد يقول البعض: هذا قانون الغاب! هذا تسلط ! هذا استعمار جديد!؛ ولكن منطق المنتصر سيجيب بأنه لن ينسحب المنتصر هكذا من تلقاء نفسه، ناسياً كل الخسائر المادية والبشرية التي صرفها لقاء "النصر"؛ ولن يخرج (إلا إذا تم تعويضه..أو استعاض لنفسه ما يرضيه -ويكون ذلك في هذه الحالة: بقاء سيطرته! ولو بدا ذلك وكأنه بأيدي بعض أهل البلاد ولو بكوفيات محلية أو برانيص مخملية؛ وحتى لو تم تصويرهم وهو يحملون كل الشارات والصولجانات الفضفضية والعبارات الدپلوماسية.. التي تنبي عن "الاعتراف" بالنظام "الحاكم" الجديد!!

إن الذئب المتضور جوعاً.. وخاصة ذا العضلات المفتولة.. لن يفلت بنعجة سائغة، لن يتركها تفلت من بين أنيابه.  وبالنسبة لأمريكا ومعها أوربا وأضرابها.. فإن المسألة مسألة بقاء..مساء حياة أو موت.

فلا ننتظر أن أمريكا ستنسحب من العراق، ولا من أمثالها ممن تم التغلب عليها من البلدان "النامية".

و لا بورك فيمن كان السبب الأكثر مباشرة: دكتاتوريّونا الأواحد.

__________________

 * عميد سابق في جامعة البترول