درس الجمال الأول .. (تحية لروح منصور الرحباني)

نضال بشارة قرأها 610
  

درس الجمال الأول .. (تحية لروحمنصور الرحباني)

نضال بشارة

أول من سيحزن على غيابك هم العصافير والغابات، السهول والوديان، الأنهار والفراشات، الجبال والشلالات، لأنهم افتقدوا من كان ينافسها في ابتكار الجمال، الذي لا نزال نفتخر بأنه الدرس الأول الذي تعلمناه في طفولتنا.

إذ كنا لا نذهب للمدرسة قبل هذا الذي تبثه إذاعة دمشق والذي كنت تبدعه مع الراحل عاصي ونجمتكما الخالدة فيروز، فكان الدرس الذي حصّننا على امتداد الجغرافيا العربية من الايديولوجيا التي لا تليق بالحياة، وكان اللقاح الأبدي الذي لا يزال يقينا من الرثاثات والطغاة والحروب والقمع والمعاناة والمحتلين. غادرتنا بعد أن زرعت على خشبات المسارح العربية قبساً من نور يدوم الى المنتهى، فالمسرحيات الغنائية التي كتبتها ولحنتها برفقة المرحوم عاصي والتي كتبتها بعد رحيله ستبقى مثلك شمساً تضيء مفازات أيامنا. تغادرنا في زمن كئيب لأنك تحمل دائماً شمعة تواضعك، إذ أردت الرحيل في وقت لا تريد لأحد فيه أن ينشغل بك كثيراً، فتواضعك عنوانك الدائم وهو الدرس الأخلاقي الذي تعلمته منك في  اللقاء الوحيد الذي سمحت لي الأيام به عندما شرّفتنا خلال فعاليات مهرجان حمص الثقافي الموسيقي العام 1996 إذ وصلت متأخراً فجلست في آخر المسرح لولا أن انتبه الناس لحضورك الكوكبي فصفقوا لك فانتبهت إدارة المهرجان التي أوقفت النشاط على الخشبة لتعبر الى أول الصالة على وقع هتاف القلوب. نعدك يا مهذب أرواحنا بأننا سنعلم أطفالنا شعرك الجميل وألحانك الباهية ليكملوا هندسة أرواح البشر، كما كنت تشتهي، إذ لن يبدع طفل عربي إن لم يسمع ألحان «الأخوين الرحباني» التي تعلمنا منها الطقوس الرومانسية وبها لا نزال نحارب.