(الأسبوع الأدبيّ) بعد إحدى وثلاثين سنة.. صحيفة لا يقرؤها أحد
لا يزال معظم المبدعين السوريين من الأجيال الثلاثة الأخيرة في مجال الكتابة (الشعرية، أو القصصية، أو الفكرية، أو النقدية) مجهولين لدى القارئ العربي، في الأقطار الأخرى.
ولعلّ هذه المسألة من أهم المسائل التي تؤرّق المبدع السوري على الرغم من وجود الجسر بين المبدع والمتلقي / القارئ، ونقصد بذلك صحيفة (الأسبوع الأدبيّ) التي يصدرها اتحاد الكتّاب العرب في دمشق. وكنّا نعتقد أن (الأسبوع الأدبي) لأنها لسان حال مؤسسة ثقافية، يفترض أن تكون بمنأى عن ما يحكم الصحف اليومية الحكومية. لكن هل واقع الحال يشي بذلك؟ ولماذا لا تتمكن من القيام بوظيفتها؟ هذا ما نزعم أننا سنقاربه في ما يلي من سطور.
غياب التحرير
نشير في البدء إلى أن (الأسبوع الأدبي) لا تزال صحيفة غير مقروءة وغير مروّج لها في سورية، وإن بدأت منذ أشهر قليلة فقط بعض المكتبات بعرضها، لكن لا يزال أصحاب الكثير من المكتبات لا يعرفون كيف يتخلّصون من النسخة الوحيدة التي تصلهم على الرغم من أنها صدرت العام 1986 وأصبحت في عز الشباب والنضج! ففي ظل ذلك هل لنا أن نعتقد بأن الصحيفة توّزع خارج سورية حسب إشارتها إلى ثمن النسخة في بعض الأقطار العربية، وأن القارىء العربي لا بد أنه يتابع الصحيفة ليتعرّف على إنجازات المبدعين السوريين؟! من المؤكد أن الإجابة: لا. ولو حاولنا أن نقارب أسباب ابتعاد القرّاء والمبدعين عن متابعتها، في سورية أولاً، لوجدنا أن أولها يكمن في موقع رئاسة تحريرها الذي يجب أن يشغله حسب أحكام النظام الداخلي لاتحاد الكتّاب، أحد أعضاء المكتب التنفيذي. وأمام هذا البند نتساءل: هل كل الذين شغلوا منصب رئيس التحرير كانوا على دراية بالتحرير؟، وهل فكَّر أحدهم بالقيام بحملة ترويج إعلانية للصحيفة؟ وهل كل الذين عملوا في هيئات تحريرها، على الرغم من تميّز بعضهم إبداعياً، لهم علاقة بالتحرير؟ إذ إن مفهوم التحرير لدى (الأسبوع الأدبي) لا يتعدى إجازة هذه القصيدة، أو القصة، أو المقالة، للنشر، بمعنى عدم تعرضها للمحرمات الثلاثة الشهيرة، دون البتّ بمسألة جودتها، فالصحيفة لا تزال في ما تنشره محكومة بضرورة النشر لأعضاء اتحاد الكتّاب، على اختلاف مستوياتهم الإبداعية المتفاوتة. وهي تنشر أيضاً لأصوات من خارج الاتحاد، وحتى لا نظلم هيئات التحرير فهي تقوم بتصحيح الأخطاء اللغوية (نحوياً وإملائياً). لكن على الرغم من أهمية هذا، فهو ليس التحرير. فالصحيفة لا تزال تنشر المقالات السياسية التي تناسب الصحف اليومية، والتي هي بعيدة كل البعد عن تخصص صحيفة جاء في تعريفها على الصفحة الأولى (جريدة تُعنى بشؤون الأدب والفكر والفن). وهي لم تسع إلى استقطاب أسماء مشهود لها إبداعياً ككتّاب دائمين إلاّ في الأشهر الأخيرة الفائتة، ولم تروّج لهم ضمن الصحيفة ذاتها، ولم تسع إلى تنفيذ أي ملفّ يخصّ قضية أدبية أو نقدية أو فكرية، حتى إنها لا تسهم في التعريف بالكتب الصادرة عن الاتحاد إلاّ في ما ندر، على الرغم من ضرورة ذلك لتصحيح فكرة شائعة مفادها أن كتب اتحاد الكتاب العرب غير ذات أهمية، وهذا طبعاً مجافٍ للحقيقة، وظالم لكثير من المبدعين الذين تصدر إبداعاتهم عن الاتحاد. وليس هناك من جديد في الأعم الأغلب من ما تنشره على أنه دراسات نقدية، إلاّ إذا كانت (الأسبوع الأدبي) تسمي شرح مفردات القصيدة أو سرد حكاية القصة أو عرض أفكار الكتاب، نقداً؟! وهناك كم هائل من المواد التي تنشرها الصحيفة لا روح جديدة فيها. أمّا عنوانات المواد المنشورة، التي بدأت منذ أعداد قليلة تخرج قليلاً عن تقليديتها وقلّة جاذبيتها، والتي كنا نحسبها منقولة عن صحف الحائط المدرسية، فكانت إلى الأمس تشبه ما يكتبه طالب كسول يعتقد أن أستاذه لن يطّلع على واجبه الوظيفي حتى ولو كتب له أي شيء. وللحقيقة بدأنا أخيراً نقرأ عنوانات فرعية للمواد الطويلة، بعد كل السنوات التي مضت، ولم تكن تكلف أية إدارة تحرير نفسها بتحريرها! ولم تنجز الإدارة الجديدة تلك العنوانات إلاّ بعد مضي سنة ونصف السنة من تسلمها مهام عملها. ونعتقد أن السؤال الآتي يفرض نفسه، لماذا يكترث رؤساء التحرير بمسألة تطوير الصحيفة وانتشارها وتسويق نتاجات المبدعين، سواء داخل سورية أو خارجها، ما داموا لا يزالون يذهبون إلى المؤتمرات والمهرجانات العربية لدى كل دعوة تصل إلى اتحاد الكتّاب بحكم عضويتهم في المكتب التنفيذي؟ فلهم في كل تظاهرة ثقافية أو مؤتمر عربي، مشاركة، وبالتالي يعقدون مصالحهم مع بعض أولياء الأمور في الأماكن التي يذهبون إليها فتأتيهم الدعوات الشخصية حتى لا يفوتهم الدور الذي قد يلتزم به المكتب التنفيذي. ومن المفارق الموجع أننا إذا أحصينا عدد سفرات بعض أعضاء المكتب التنفيذي، خلال السنوات الماضية، فسنجدها أكثر عدداً، وربما أكثر أهمية، مما أصدروا من إبداع! فبعد ذلك هل تعتقدون أن ثمة رئيساً للتحرير سيهتم بصوت إبداعي جديد في النقد الأدبي مثلاً، أو في القصة، وسيعمل على تسويقه داخل البلد وخارجه؟
حرية وفاتحة!
وإذا كانت (الأسبوع الأدبي) لا تصل إلا لأعضاء اتحاد الكتّاب الذين تُفرض عليهم، من خلال إضافة قيمة اشتراكها على رسم الاشتراك السنوي لكل عضو، فهل هي تقوم بوظيفة ما؟ وهل هي تستحق الحياة؟ واستمرارها على هذا النحو أليس هدراّ للمال؟ خصوصاً أن إدارة الاتحاد أعلنت سياسة التقشف المالي منذ أواخر العام 2005، فخفّضت عدد الأنشطة لعضو الاتحاد خارج محافظته، وفرضت اشتراكاً جديداً على الأعضاء في دورية أخرى (الموقف الأدبي، الآداب العالمية، التراث العربي، الفكر السياسي) يختارها بنفسه. ونشير إلى أنه لا يُخفي عدد ليس بالقليل من أعضاء الاتحاد امتعاضهم من الصحيفة، ويعترفون بأنهم لا يقرؤونها. وإذا ما تخابثنا وسألنا دون الإعلان عن غايتنا الصحفية من السؤال، عن مصير الصحيفة: يصرّحون بأن رحلتها من صندوق البريد إلى سلة المهملات لا يستغرق أكثر من دقيقة، وأنهم قد استظهروا الفاتحة عليها منذ زمن بعيد !
مركز وأطراف
ونلفت النظر إلى أن كلامنا السابق لا ينفي أن لبعض المبدعين السوريين - وعددهم قليل جداً- من الأجيال التي بدأت الكتابة في أكثر من حقل إبداعي منذ أوائل ومنتصف الثمانينيات، حضورهم الإبداعي والإعلامي، وأغلبهم يقطن في العاصمة دمشق. وأن ثمة أقلاماً عربية تكتب عن إنجازاتهم، أو أن لهم مشاركات في ملتقيات وتظاهرات ثقافية ذات طابع عربي. لكن ذلك تحقَّق لهم بجهدهم الشخصي، وبمبادراتهم الفردية للنشر في صحف بعض الأقطار العربية ومجلاتها، ولا فضل لاتحاد الكتّاب العرب أو لوزارة الثقافة عليهم. لكن ماذا عن كثير من الأسماء، بخاصة التي تقطن في بقية المحافظات، من المسؤول عن تصدير إبداعاتهم، وبالتالي كسبهم للحضورين الإبداعي والإعلامي الذي يستحقونه؟
حدِّث ولا حرج
يقول الشاعر عبد القادر الحصني الذي يرأس تحرير (الأسبوع الأدبي) في مقالة له بعد أن عاد لرئاسة تحريرها، إذ كان قد أُقصي عنها بأمر من علي عقلة عرسان قبيل انتهاء ولايته بأكثر من سنة، بسبب نشره قصيدة للشاعر السوري فرج بيرقدار، أحد سجناء الرأي لأربع عشرة سنة تقريباً. ولم يُشع أمر الإقصاء حتى يومنا هذا. يقول الحصني في (عدد 977 تاريخ 8/ 10 / 2005) مُقراً بحاجة (الأسبوع الأدبي) للتطوير، على صعيد المضمون، الوفاءَ لعنوانها فهي (الأسبوع الأدبيّ)، وهذا يملي عليها أن تكون جريدة أدبيّة في المقام الأوّل، تحفل بالأجناس الأدبيّة المختلفة، وتفسح مجالاً للتقاطع الثقافي بين الأدب والسياسة والمجتمع بما يتناسب واختصاصها الأوّل. يتابع: و(على صعيد الشكل مطلوب من الجريدة تطوير إخراجها وإحكام تبويبها وابتكار العنوانات الأكثر جدّة وجاذبيّة لأعمدتها وزواياها، طموحاً إلى علاقة أكثر حيويّة مع القارئ الجديد الذي باتت النظرة الأولى إلى الشكل طريقه إلى التعرّف إلى ما وراء هذا الشكل أو الانصراف عنه... ولن نغالي في هذا الجانب على الرغم من إصرارنا عليه، إذ رصانة هذه الجريدة معْلَم من معالم رصانة الجهة التي تصدر عنها). وكان القاص والصحفي وليد معماري (مدير تحرير الصحيفة)، وزميل الحصني في المكتب التنفيذي، قد كتب ما يشبه كلام الحصني، لكن حتى الآن لم تنفّذ الأسبوع الأدبي شيئاً مما أشارا إليه، سوى ما أشرنا إليه في الفقرة الثانية، ولمسة إخراجية خفيفة، وهو تغيير لا يعوّل عليه.
توطين الشعار
ولعلّ أغرب ما تطالعنا به (الأسبوع الأدبي) في أعلى الصفحة الأخيرة من كل عدد هو الجملة التالية (قاطعوا البضائع الأمريكية، إنهم يقتلون أطفالنا)، وبصراحة لا نعرف لمن توجّه الصحيفة هذه الجملة؟ ونتمنى لو تأتيهم الجرأة في المكتب التنفيذي للقيام باستبدال الجملة الآتية بها: (طالبوا باستعادة الأموال العامة التي سُرِقت ووضعت في البنوك الأمريكية والأوربية)، لتصبح أصدق مع ما يقتضيه التوجّه الأدبيّ لأي نص إبداعي. فهل ثمة إنسان في أي قطر عربي لا يعرف أن أموال الفاسدين من المتنفذين في قطره، بمواقعهم السلطوية كافة، أموال سُرقت وتُسرق من جهد الشعب ومن ثروات وطنه، وبأنها تُودع في البنوك الأمريكية والأوربية؟! وفي تحليل بسيط وربما ساذج يمكن القول إن أطفالنا يُقتلون بأموالنا التي سرقت منّا! إذن كفى ضحكاً على لحانا وحاولوا أن تكونوا صادقين مع أنفسكم أولاً، واحذفوا على الأقل هذا الشعار التافه، إن لم تستطيعوا استبداله. إذ ربما بداية تطوير (الأسبوع الأدبي) يبدأ من هذه الخطوة، فهل نشهد؟
النور