رسالة متأخرة: الى منصور الرحباني

جورج أبو زيد قرأها 617
  

رسالة متأخرة: الى منصور الرحباني

جورج أبو زيد

"قاطع مثل السيف، محني مثل التواضع
وبحدو الفاصل بتخلص لبنان"
(عطر الليل الى فخر الدين في حفل استقباله بعد المنفى)

سيدي،

لا يليق بك الرثاء وأنا لن أفعل، انها رسالة شكر متأخرة. في زمن أسود، كنت أمام خيارين: الأول، أن أكون ضحية في حروب "أمراء الطوائف"، الثاني: الرحيل الى حيث الأمان لأسرتي الصغيرة، وهذا ماحصل.

بين حاجياتنا وصور الأحبة حملنا "زوادة" روحية من روائعكما: "فخر الدين"، "جبال الصوان"، "بياع الخواتم" "الشخص" وغيرها. في كل صباح، وفي الطريق الى مدرسة ولديّ كان الاستماع الى وقائع تلك الروائع موعداً ننتظره وبخاصة تلك الأسئلة من أحدهما حول مجريات أحداث المسرحية، على سبيل المثال لا الحصر:

"بابا يعني فخر الدين ترك لبنان مثلنا ورجع؟ يعني نحنا رح نرجع ع لبنان متلو؟

ولدى العودة الى المنزل كانت الأسئلة تتوالى أيضاً من نوع:
بابا بدنا نعرف شو صار مع غربة بنت مدلج..".


اليوم يا سيدي، اصبحت ابنتي سيدة منزلها، في أرض عربية كريمة فتحت لها ولزوجها باب بناء مستقبلهما وولدي أيضا في مكان قصي من العالم وقد حملا معهما ما أمكنهما من روائعكما، حين يسمعانها يصبح الأحبة، على امتداد اليدين والعين. تدغدغ أنفيهما روائح الزعتر البري بعد "الشتوة" الأولى حول منزلنا الجبلي. تماماً كما في "حكاية اسوارة".. كما في كل عمل عن الأرض والأحبة والكرامة والعودة الى الينابيع.

سيدي

تكون رسالتي متأخرة، او قد لا تصل الى حيث انت، "أي إرثٍ أعظم من إرثٍ يحسبه الملايين انه لكل واحد منهم ولأولاده وأحفاده من بعده؟ إنه إرثٌ لا يتركه إلا الكبار، شكراً سيدي راجياً ان تنقل تحياتي الى عاصي لعلكما الآن في صدد كتابة ما عن وطنٍ ما عن إنسانٍ لم يرَ النور بعد.

المستقبل