ورطة غزة

د. أحمد الغفري قرأها 570
  

ورطة غزة

د. أحمد الغفري

سمّرتنا أخبار الحرب العدوانية الظالمة والوحشية، بامتياز، على فلسطينيي غزة، أمام شاشات الفضائيات، منذ ظهر السبت 27/12/2008، بحثاً عن تفاصيل التفاصيل. وبلغ غضب الرجال منا حداً يفوق الوصف.

وفككت النساء شجيرات الميلاد، وأعَدْنها إلى المستودعات. وألغى صباح فخري وآخرون الحفلات التي كانوا قد تعاقدوا عليها. ولسان حال الجميع يردد: (كيف نحتفل بأعياد الميلاد ورأسي السنتين الهجرية والميلادية، وغزة تحترق، ويباد أهلها؟).

كنت أتنقل من فضائية إلى أخرى، وأقرأ العناوين ـ المواقف: غزة تحت النار، محرقة غزة، غزة في اللهيب..إلخ. وكتب صحفي صهيوني حتى النخاع، يطالب بطرد ممثل فضائية (الجزيرة) القطرية لأن ما تقدمه حرّض العالم على التظاهر والإدانة والاستنكار. وتوحّد الشرفاء في أصقاع العالم، وهم يدينون المحرقة العصرية. كما توحد الحماسيون والفتحويون في فلسطين، وخرجت مظاهراتهم تحمل علم فلسطين وحده، وأحرقوا العلمين الأمريكي والإسرائيلي، بعد أن حثّت الإدارة الأمريكية الإسرائيليين على تجنيب المدنيين الفلسطينيين نيران القصف الجوي والبحري، قائلة ما معناه، اقتلوا، ونفذوا أهداف حربكم، ولكن لتكنّ صواريخكم ذكية، تقتل الحماسيين، ونتجنب المدنيين!

في هذا الجو التضامني ظهر في إحدى الفضائيات التابعة لأحد الأنظمة العربية (جداً) خلال اليوم الأول للعدوان عنوانٌ يعبر عن الموقف (المعتدل جداً) لهذا النظام. كان العنوان هو (ورطة غزة). ولست بحاجة إلى توضيح مضمون هذا العنوان، إذ من الواضح أنه يحاول إفهامنا أن حماس ورطت إسرائيل وورطت العرب فيما جرى ويجري! ألا يذكركم هذا العنوان ـ الموقف بعبارة (الذين استحوا ماتوا؟).

وخرج على الفضائية نفسها، فضائية القادة المعتدلين، رئيسا تحرير صحيفة ومجلة من شهيرات الصحف والمجلات التي تتبع لنظام معتدل آخر ليوضحا الورطة التي أوقعتنا فيها حركة حماس، وليستنكرا سلوك النظام الإيراني والأنظمة العربية غير المعتدلة.

يبدو أن تاريخنا المعاصر سيتحول إلى تاريخ ورطات تقحمنا، وتقحم العنجهية الإسرائيلية المتغطرسة فيها، منظمات ترفض الذل والهوان، ولا تٌقدَّر ظروف الأنظمة المعتدلة، المعتدلة لدرجة الانبطاح أمام عدو مهذب لطيف لا يريد لنا إلا الخير، فتضطره (مرغماً) لقصف المدارس والمساجد والمؤسسات المدنية والمساكن، كما فعل في تموز 2006 في لبنان. ألم نورطه ذات يوم في عام النكبة (1948) وفي دير ياسين وفي قانا؟
بالمناسبة، لا يسعني والحالة هذه إلا أن أستعيد قول مظفر النواب عن القدس عروس عروبتنا، وأن أكرر التحية للصحفي منتظر الزيدي الذي وصف المعتدلون تصرفه بالبذاء، وأن أحيي الباي الجزائري الذي ضرب المسؤول الفرنسي المتعجرف ذات يوم بمنشة الذباب.

إن ذكرى هؤلاء وغيرهم ستبقى في صفحات التاريخ تعبيراً عن الانتصار للكرامة التي يطالبنا المعتدلون الجدد بالتخلي عنها انسجاماً مع، وتلبية لرغبة سادة البيت الأبيض.