ما يشبه المقدمات – قصة قصيرة

خطيب بدلة قرأها 6
 

إمبراطورية المجانين الديمقراطية العليا

تجارب قصصية ميدانية

خطيب بدلة

لازمات

ملاحظة 1:

إن المجانين الذين يُحْـتَجَزون في مشفى الأمراض العقلية أقل بكثير من المجانين الطلقاء. ولعله من المدهش حقاً أن المجانين الطلقاء يتسنمون مناصب مهمة في البلاد، وتوضع في أيديهم مصائر البشر الأسوياء!!

ملاحظة 2:

نُشرت هذه التجارب القصصية على امتداد الأعوام من 2001 و 2005، في مجلة " الشهر "، وصحيفـة " النور "، وعلى بعض المواقع الإلكترونية.

ملاحظة 3:

كانت هذه الزيارة لمشفى الأمراض العقلية هي الأولى، والأخيرة. وأما مشروع كتابة المسرحية التي اقترحها الأستاذ عمر حجو " امبراطورية المجانين الديمقراطية العليا " فقد مات في أرضه، مثل مشاريع " الإصلاح " التي تطلقها مخيلة المسؤولين في هذه البلاد، ولكن فكرة التنقيب في "دفاتر المجانين" بقيت تلازمني، حتى خطر لي أن أعنون بها زاويتي الشهرية في مجلة الشهر، واتخذت الزاوية، من بعد، مساراً آخر، غير المسار الذي بدأناه بزيارة مشفى الدويرينة، وفي تطور لاحق أصبح راوي القصص هو أحد المجانين المقيمين داخل العصفورية، ولذلك قلت عن هذه التجارب القصصية بأنها (ميدانية).

القصة _ 1 _

ما يشبه المقدمات

كنت أسافر برفقة الفنان الكوميدي عمر حجو إلى دمشق، من أجل تسجيل حلقات برنامج إذاعي من تأليفي وبطولته. وطوال الطريق لم يكن ليهدأ لنا لسان، ندخل في حديث ونخرج من حديث، حول شؤون الحياة والدراما والكوميديا والتلفزيون والإذاعة والمسرح.. إلخ

وبما أنني إدلبي، فقد كان هو يتعمد مخاطبتي بعبارة " يوخاي " الإدلبية، وتعني: يا أخي.

قال لي ذات سفرة: أيش رأيك (يو خاي) أن تكتب لنا عملاً مسرحياً عن المجانين؟

فأجبته جرياً على عادتي في الاستجابة بحماس لأي مشروع يطرح علي: أنا جاهز.

قال: دعني أشرح لك الفكرة إذن. في اعتقادي أن بعض الناس لا يعانون- أساساً- من أية لوثة عقلية، ولكن ربما دفعتهم ظروفهم الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية إلى الجنون. وبما أن المسرح يتحمل بعض الحلول التخيلية، فإن بإمكانك أن تجعل أناساً آخرين يتقمصون حالة الجنون للهرب من مأزق حياتي ما، أو لتحقيق مصلحة ما. وهكذا تتحول حلبة المسرح إلى إمبراطورية دعنا نطلق عليـها اســم "إمبراطورية المجانين".

وكما تعلم (يو خاي)، فإن في لندن ساحة شهيرة تدعى "البارك". وقبل أن تجن بريطانيا العظمى برفقة الولايات المتحدة، كان بمقدور أية جماعة أو فئة أو أفراد منظمة أن يقفوا في "البارك" ويقولوا ما يشاؤون ضد مَن يشاؤون، وكان الإنكليز لا يعترضون على ذلك، بل ويؤيدونه، ويعتبرون الأمر طبيعياً جداً.

قلت: أتدري؟ لقد ذكرني حديثُك هذا بفصل من مسلسل كتبته قبـل بضـع سنـوات يحمل عنـوان "شفيق الطيب". ففي سنة 1914 اعتقلت سلطاتُ ولاية الشام الشابَّ "شفيق" بتهمة اغتيال الوالي. وفي ثكنة البصاصين (يعني المخابرات بلغة اليوم) كانوا يضربونه على قدميه طالبين منه الاعتراف، وكان ينكر، فيزيدون في ضربه. وذات مرة جرب أن يعترف، فتوقفوا عن ضربه، وصاروا يعاملونه بلطف! ولدى زيارة أحد أقاربه له في السجن نبهه شفيق إلى مسألة على قدر كبير من الأهمية، إذ قال له:

- طالما أنت هنا، في هذه الثكنة، إياك ثم إياك أن تقول الصدق. فهنا يُضرب الإنسان الصادق كما تُضرب البغال، إلى أن يكذب، ووقتها يتركونه وشأنه!

ضحك الفنان عمر وقال: هاها. إذن، فالمسألة لها علاقة بالتعبير عن الرأي بكامل الحرية..، يعني بالديمقراطية. تعال إذن نصحح عنوان المسرحية، فنجعله: "امبراطورية المجانين الديمقراطية العليــا".

قلت: اتفقنا.

المرحلة الثانية من مشروعنا الخنفشاري ذاك، بدأت بعد عودتنا من دمشق. ركبنا سيارة الفنان عمـر، وذهبنا شرقاً، باتجاه مشفى الأمراض العقلية التابع لمديرية الصحة بمحافظة حلب. قطعنا حوالي عشرة كيلومترات فوصلنا قرية ما. توقف الأستاذ عمر وقال لي:

- أهل هذه القرية (يو خاي) عقلاء جداً، ولكن مشكلتهم أن مشفى المجانين يقع ضمن الحدود الإدارية لقريتهم.

قلت: لماذا تعتبرها مشكلة؟

قال: لأن من عادة الناس في بلادنا أنهم يطلقون اسم (الجزء) على (الكل).

قلت: كيف؟

قال: أنت تعرف أن المجنون في لبنان يودعونه في (العصفورية) التي غنت لها الصبوحة أجمل الأغاني، وفي دمشق يأخذونه إلى (القصير)، وأما في مناطقنا فيقولون: فلان جن، وأهله حطوه فـي (الدويرينة). فإذا قال لك أحد إنه يسكن في الدويرينة ستظن أنه مجنون. حسناً، هذه القرية (يو خاي) تدعى الدويرينة, وأهلها أعقل مني ومنك!

لدى وصولنا باب المشفى وجدنا عدداً لا بأس به من الرجال واقفين عند الباب. قال الأستاذ عمر:

- هنا، عند الباب، يتواجد موظفو المشفى، وبعض المجانين غير الخطرين، فأولئك الخطرون لا يسمحون لهم بمغادرة المهاجع. والآن عليك أن تميز بين النوعين من البشر، وألا ترتكب أي خطأ.

وعلى الفور تقدم أحد الأشخاص من نافذة السيارة، وقال مخاطباً إياي:

- نعم أستاذ؟ ماذا تريدون؟

قلت: عفواً يا أخ، نريد أن ندخل لزيارة مدير المشفى.

قال: معكم تصريح؟

قلت: طبعاً. التصريح موجود مع الأستاذ عمر.

والتفتُّ إلى الأستاذ عمر فرأيته فارطاً من الضحك، ذلك أنني كنت أتحاور مع ذلك الرجل بخشية واحترام زائدين عن اللزوم، في حين تبين أنه مجنون من خلال جوابه، فقد قال لي وهو يمد يده إلى خدي ويقرصني بقوة:

- (شي بيهوي) سيدي. أكبر تصريح بقشرة بصلة. بتعرف ولاك؟ (وأمعن في شد جلدة وجهي) أنا حصلت على حكم قضائي من دون يمين أكبر من ملحفة اللحاف، وعليه كومة من الإمضاءات والأختام والحواشي، يقضي بإعادة أرضي التي اغتصبها مني شخصٌ متنفذ، وبقيت سبع سنوات وأنا أروح إلى المحكمة وأجيء مثل خصيتي المُغَربل، لكي أنفذ الحكم عليه، فلم أستطع. مأمور التنفيذ قبض رشاوى من المتنفذ ما يعادل نصف ثمن الأرض، أي قسماً بالله لو خوزقته لرفض تنفيذ الحكم!

وبينما هو يشد خدي ويروي لي تتمة قصته، إذ جاء ثلاثة رجال من الداخل يحملون هراوات، قبضوا عليه وأعادوه إلى الداخل.

لقد اتضح أنه واحد من المجانين الخطيرين وأنه كان هارباً من المهجع للتو!

* * *

روينا للمشرف المباشر على مهجع المجانين الخطيرين في الداخل، حكاية الالتباس الذي جرى معنا عند الباب، فضحك طويلاً وقال :

- معك حق يا أستاذ فهذا المكان تحصل فيه التباسات كثيرة، وإذا شئتم أحكي لكم واحدة طريفة.

قال الفنان عمر حجو:

- يا ليت، فنحن لم نأت إلى هنا إلا لنجمع بعض الحكايات والطرائف عن المجانين، لأننا بصدد تأليف عمل مسرحي عنهم.

قال المشرف:

- قبل حوالي أربع سنوات من الآن اتصل بي صديق عزيز يدعى أبو ابراهيم،

وقال لي إن لديه فضولاً لأن يزور المشفى ويلتقي بالمجانين ليتعرف على حياتهم هنا.

قلت له: تفضل متى تشاء، ولكن انتبه، هنا لا يمكن للمرء أن يدخل من دون تصريح زيارة من مدير المشفى، أو من مدير الصحة بحلب.

ومضت أيام وأسابيع، والرجل لم تسمح له مشاغله الكثيرة بالمجيء. وفي ذات يوم قرر أن يأتي فذهب إلى مدير الصحة بحلب وحصل على إذن بالزيارة.

وفي طريقه إلى هنا التقى بصديقنا المشترك أبي الجود، وسأله عن وجهته، فقال له (إلى مشفى الأمراض العقلية). فقال له أبو الجود:

- هل تأخذني معك؟

فقال له: تعال.

وحينما وصل الإثنان، في سيارة أبي إبراهيم، إلى باب المشفى طلب منهم الموظف إذنَ الدخول، فقدم أبو ابراهيم إذنه، فقال له الموظف:

- والأخ (مشيراً إلى أبي الجود) هل يحمل إذناً بالدخول؟

ووقتها شعر أبو إبراهيم بأنه واقع في مأزق، وأنهم قد يمنعون أبا الجود من الدخول بسبب التعليمات الصارمة التي بين أيديهم. فخطرت له فكرة غريبة، سرعان ما نفذها، إذ قال مخاطباً موظف الاستعلامات:

- الأخ (يقصد أبا الجود) مجنون، بعيد من قبالي، وأنا آت إلى هنا لأسلمكم إياه!

وأما أبو الجود، فعلى ما يبدو راقت له الفكرة، وسرعان ما مد يديه وشد عضلاتهما، وشوس عينيه، ونخر، وهجم على الموظف، وعضه من ساعده عضة من النوع الذي يسمونه في العرف الشعبـي (قفل ومفتاح).. وشرع الموظف يصيح، والموظفون الآخرون، وبضمنهم المجانين الطلقاء، يضربون أبا الجود ويحاولون فك أسنانه عن ساعد الموظف، فما فكها حتى ارتسمت أسنانه على الساعد على شكل دائرة كاملة.

المهم في الموضوع اقتنع الموظف، ومَن حوله، وحتى المجانين الطلقاء بأن أبا الجود مجنون نظامي، فسمحوا له ولأبي إبراهيم بالدخول.

قلت للمشرف: صدقني إنها حكاية طريفة جداً!

فقال المشرف: ولكن نهاية الحكاية لم تكن طريفة.

قلت: كيف انتهت؟

قال: أمضى أبو ابراهيم وأبو الجود عندنا حوالي ساعتين، وقد سررت بزيارتهما كثيراً، خاصة وأن السيد أبو الجود– كما اتضح لي– شخص ظريف للغاية، ولديه العشرات من القصص التي تأخذ الألباب بجمالها، ومقدرة عجيبة على التشويق أثناء روايتها.

المهم، غادرني الإثنان في نهاية الدوام تقريباً. وحينما وصلا إلى الباب لاقاهما موظف الاستعلامات، وقال لأبي إبراهيم:

- بإمكانك أنت أن تغادر، وأما الأخ فيبقى هنا!

قال أبو إبراهيم: لماذا؟

فقال الموظف: لأنه مجنون، والمجنون لا يخرج من هنا إلى بشهادة شفاء موقعة من الطبيب المعالج، ومدير المشفى، ومصدقة من مديرية صحة حلب أصولاً!

قال أبو إبراهيم: عفواً يا أخ، هل صدقت أنه مجنون؟ من دون مبالغة عقله يزن جبلاً. كل ما في الأمر أننا مثلنا عليك حالة الجنون لكي تسمح له بالدخول.

فقال الموظف: حسناً، ما دام الأمر كذلك، ابتعد عنه.

وأطبق الموظف على ساعد أبي الجود في عضة من النوع الذي يسمونه (قفل ومفتاح)، لم ينفع معه أن تكاثر الموظفون الآخرون عليه، وأبو إبراهيم، والمجانين الطلقاء، لكي يرغموه على فك أسنانه عن ساعد أبي الجود، فلم يفلحوا حتى كاد يقطع له قطعة من لحمه. ثم قال لأبي ابراهيم:

- بإمكانك أن تنقلع أنت وهو. درب الصد ما رد!!

* * *

في طريقنا إلى مبنى الإدارة كنت أقول للفنان عمر إن اختيار هذا المكان المنعزل ليكون مصحة لمرضى الأعصاب والعقول إنما هو اختيار سديد، فكل شيء هنا هادىء ونظيف، وأشجار السرو العالية، التي تحولت إلى مدينة مكتظة بعصافير الدوري، تعطي المكان جمالاً إضافياً بما تقدمه من معزوفة جماعية لا أجمل ولا أحلى.

وفي أروقة الحديقة التي تؤدي إلى المبنى شاهدنا نماذج من المرضى الذين يطلق عليهم هنا اســم "الصاحين"، تمييزاً لهم عن الآخرين الذين يسمونهم المرضى "المضيعين"، (أي الذين قفلوا عقولهم وأضاعوا المفتاح في البحر بانتظار أن يعثروا على سمكة ويفتحوا جوفها فيجدوا المفتاح في داخله، ولكن هيهات!) والمرضى "المؤجِّرين"،أي الذين أجروا الطابق الفوقاني من أجسادهم، والمستأجر يرفض إخلاء الطابق، والقانون معه ضد صاحب الملك!

من هؤلاء الصاحين رجل من النوع الـ (neckless)، أي عديم الرقبة، اعترض طريقنا مثل فرقاطة معادية، وقال لنا من دون مقدمات، وكأنه يعرفنا من زمن بعيد:

- الحمد لله يا شباب، القضية هانت. الطبيب عاينني ونظر في وضعي وتبين له أنني لا أعاني من أية (خضة)! براغي الجنط في عقلي مثبتة جيداً، والفيوزات سليمة، ولذلك قرر إخلاء سبيلي قريباً.

قلت: قريباً يعني متى؟

فأدخل رأسه ضمن التجويف الذي يفترض أنه مكان الرقبة الغائبة، وألصق لسانه بسقف حلقه وأفلته بقوة فأصدر صوت (طرق)، كررها ثلاث مرات وقال: قريباً يعني بعد 87 سنة!

ضحك الفنان عمر وقال له: بالله؟ وأنت هنا منذ متى؟

فكرر حركة الطق باللسان وقال: أنا هنا منذ ألف ومئة وإحدى خمسين سنة.

قلت: ما شاء الله. فكم عمرك الآن؟

فقال: عمري ثلاث وخمسون سنة، من عدا الليل!

وتركنا ومشى وهو يطق بلسانه قائلاً (طرق طرق طرق).

* * *

على الرغم من أننا نلتقي بمجانين كثيرين في الحياة اليومية، وأحياناً نجالسهم ونمازحهم ونستثير فيهم مكامن الجنون لكي نستطرف ونضحك.. إلا أن المجانين الذين يقابلهم المرء في مشفى الأمراض العقلية أظرف وأطرف، لأنهم– كما يقولون في الكلام الدارج– منتقون بعناية، فأهل الرجل المختل عقلياً، بسبب العاطفة والاعتبارات الاجتماعية، لا يوافقون على إدخال ولدهم (ضناهم) إلى المشفى إلا بعد أن يستنفدوا فرص المعالجة لدى الأطباء، ومن ثم فإن كل الحالات التي تقابلها هنا تزيد عن الحد الأدنى من التشوش، أو ما يسمى من باب الكناية (تعطل فيوزات الرأس)!

قابلنا في مشفى دويرينه للأمراض العقلية عدداً لا بأس به من هذه الحالات الصارخة بالجنون، أهمها على الإطلاق الرجل المدعو أبو عبدو، والذي يُعرف في المشفى باسم الفيلسوف الكبير. وواضح من خلال اللقب أنه مريض بما يسمونه في علم النفس باسم (جنون العظمة).

كنا في ضيافة المدير الإداري للمشفى، وهو صديق دراسة قديم يدعى محمد أديب الأفندي، وكانت الأيام قد فرقتنا طويلاً إلى أن التقينا هنا بالمصادفة البحتة.

ودخل علينا (الفيسلوف الكبير). إنه رجل في الخمسين، لحيته نابتة، ويرتدي كلابية شتوية، ويعتمر بقبعة صوفية زرقاء، طرزت عليها بالمخرز نجمة خماسية بلون أحمر.

كانت آثار البلل على وجهه ويديه، توقف عند الباب، وقال:

- أهلاً وسهلاً بالشباب، أنا الفيسلوف الكبير أبو عبدو. عذراً، تأخرت عليكم بسبب الحمام.

قال له محمد أديب: ألم تعرف الفنان عمر حجو؟ هذا الذي يطلع على شاشة التلفزيون.

فقال لمحمد أديب دون أن ينظر إليه:

- لماذا تكلمني؟ أنا مخاصمك!

وجلس قريباً مني. ناولته سيجارة فأشعلها بقداحة اعتاد أن يتركها في يده دائماً، وقال:

- الناس مجانين، حاشاكم ، يعيشون على الهامش. الكون مترامي الأطراف، لا بداية له ولا نهاية. بدايته حيث أقف أنا، ومن لا يصدق خله يحمل المسطرة ويقِسه. الذرة تتناهى إلى الصغر، وليس إلى الصفر. لأن الصفر هو العدم، والوجود والعدم لا يجتمعان معاً. التفاحة الفاسدة تفرخ كائنات حية، وأما التفاحة السليمة فتمتاز بالعقم! كان لي صديق اسمه ممتاز حجو، كنا نلعب معاً بالشطرنج، وكنت أغلبه دائماً. الآن ونحن جالسون في مكتب هذا الرجل الذي لا أحبه ولا أطيقه، المدعو محمد أديب الأفندي، فإن عشرات التفاعلات تجري ونحن لا نعرف بها. أنا قلت ذلك للألمان ذات يوم، فسخروا مني، فاستغربت ذلك مع أن ما قلته لهم هو الحقيقة.

سأله الفنان عمر:

- ماذا قلت لهم؟

قال: قلت لهم إن حضارتهم تافهة لأنها قائمة على المفكات والبراغي والعزقات، وكلها مصنوعة من الحديد. شيء قبيح أن تكون الحضارة من حديد. حضارة الولايات المتحدة أحلى. لأنها تقوم على البارود. الأمة التي لا تروق للولايات المتحدة تطلع لها في الطائرات: بم، بم، بم بم، كل قنبلة تهدم جبلاً.. حتى تجعلها (سمهدانة). أنا شخصياً ما عندي مانع أن يفنى عدد من البشر بالمذابح، طالما أن القس مالثوس قد تنبأ بذلك، ودعا إليه. ولعلمكم فأنا ناقم على البشرية. لذلك أجريت، ذات مرة، تجربة: قتلت البشر كلهم وتركت عشرة آلاف امرأة جميلات على قيد الحياة. طبعاً، تركتهن وحيدات معي، لأنني أريد أن أسترد حقوقي من هذا العالم.

مرة كنت في المريديان، أحمل صينية وعليها ثلاثة فناجين قهوة. الأرض ناعمة، فتزحلقت ووقعـت، والقهوة انطرشت على الجدار وشكلت عبارة (عاش أبو عبدو الفيسلوف الكبير، ملك الكون). لا تستغربوا ذلك لأن رجلاً كان يعيش في حي الكلاسة بحلب، كان يصوب مسدسه أيام الوحدة (اللي ما يغلبها غلاب) إلى الجدار ويطلق الرصاص بدقة حتى يكتب بالرصاص (عاش جمال عبد الناصر). ومع ذلك فجمال عبد الناصر مات، يعني أن الرجل أبا المسدس كذاب، فطالما أن عبد الناصر مات فهذا يعني أنه ما (عاش)!

وقال يخاطبني أنا بشكل خاص: أريد أن أرسل معك رسالة حب إلى أمل عرفة. اكتب وأنا أملي عليك:

(بسم الحب والحنان. يا أمل عرفة. أحب شخصيتك، فأنت رهيبة كالغزالة. وجميلة جداً. محمد أديب الأفندي إنسان بخيل جداً. خذي حذرك منه، ولا تتعاملي معه. التقيت بالكاتب خطيب بدلة والممثل عمر حجو في الدويرينه!)

ثم ضحك وقال مستدركاً:

- اشطب العبارة الأخيرة. إذا عرفت أمل عرفة أنني التقيت بكما في الدويرينه ستعتقد أنني مجنون! أو ربما تعتقد أنكما مجنونان. كه كه كه، بشرفي هذا الفكرة جيدة. أنتما مجنونان وأنا عاقل. اكتب لها أيضاً (أنا معجب بفنك وبشخصك الكريم. أم كلثوم كانوا يقولون عنها كوكب الشرق، وأنا أسميك كوكب سوريا. طبعاً أنا حر، أسمي الناس على كيفـي. أحبك حباً أخوياً). لحظة. اشطب (أخوياً)، لأن الأخوة في العادة لا يحبون بعضهم البعض. اكتب (أحبك حباً جنونياً) لا، اشطب (جنونياً)، فهي توحي بأنني مجنون. أشعل لي سيكارة ثانية ، فهذه انتهت.

أشعلت له سيكارة ثانية، وسألته: والرسالة انتهت أيضاً؟

قال: الأشواق التي عندي لا تنتهي، ولكن هذا يكفي.

قال الفنان عمر: ولكن لم تقل لنا أيها الفيلسوف الكبير لماذا أنت متخاصم مع المدير الإداري الأستاذ محمد أديب الأفندي؟

قال: هو بخيل جداً، طلبت منه خمس ليرات سورية فلم يعطني.

فضحك محمد أديب ضحكة طويلة وقال:

- ما رأيكم بفيلسوف طويل عريض، وملك للكون، وليس في جيبه خمس ليرات؟!

* * * * *

صدر للمؤلف

§ حكى لي الأخرس 1987

§ عودة قاسم ناصيف الحق 1989

§ الساخرون- (نماذج من القصة الساخرة في سورية- إعداد) 1990

§ امرأة تكسر الظهر 1994

§ وقت لطلاق الزوجة 1998

§ حادث مرور 2002

§ التداوي بالأدب 2006

كتاب عن المؤلَّف: تجارب جديدة في القصة السورية- (عالم خطيب بدلة السردي)، تأليف محمد محي الدين مينو 2005.

رابط إلى المجموعة الكاملة