قصة الطريق
قصة الطريق
خطيب بدلة
لا نعرف لها نهاية. كلما استطلعناها ضاقت ووقعت في نقاط الفرار. ملقاة على الأرض كخرقة بالية. إنها "الطريق". تتثنى يمنة ويسرة. تصعد وتهبط على نحو يقطع الأنفاس.
مدحولة بزفت رديء، وبحص خشن. والسنون، بهوائها، وأمطارها، وبرقها، ورعدها، وسيولها، ووحوشها، وسحاليها، أحدثت فيها أخاديد عميقة، وأخرجت البحص الخشن إلى السطح.
المديرون المتعاقبون على (إدارة المواصلات البرية) لم ينسوها دائماً. كانوا يرسلون إليها شاحنات محملة بالزفت الرديء نفسه، يذروها عمال مرهقون كيفما اتفق، فيزيدون من بحصها زفتاً. (يقال إن هؤلاء المديرين يرسلون هذه الحمولات أحياناً بقصد نفي ما يشاع عنهم من أنهم لا يفعلون شيئاً غير ركوب سيارات الدولة وقبض الرشا من المواطنين، وبناء فيلات خاصة ووضع أموال في المصارف من أجل غدرات الزمان!).
العشب. الشوك. نباتات عديمة النفع كالقريطبة والطقطيق والحندقوق والبسباس وعجوز الجحش والنجيل والحلفا.. استبدّت بجانبي الطريق، إذ عجزت عن اختراق جبلة البحص والزفت المزفت. لا خيار أمامك وأنت راكب على دراجتك النارية العتيقة غير أن تخفف السرعة إلى أقصى حد ممكن وتضع قدمك على الفرامل في أهبة.
في أي واد ستستقر عظامك إذا ما أنت أخطأت السير على الطريق؟ كم من الناس طاحوا من هنا أو هناك وهوَوْا إلى الوديان السحيقة ممثلين أدوار رعب حية دون وجود كاميرات تصورهم أو سجلات تحفظ أسماءهم!.
ههنا شاهدة قبر لفلاح عاش ثمانين حولاً (ولم يسأم!..) أمضاها وهو يلم الحصى من التراب ويرميها على تصوينة البستان، ويشم الهواء النقي المعطر بروائح الشقشقيق والزعتر والياسمين، ويعلم أولاده وأحفاده كلاماً يظنه من قبيل الحكمة: (اللي بيتجوز أمك بيكون عمك!).... وعندما فكر بالموت لأول مرة خاف من أن يُزْرَبَ مع سائر الأموات في (مقبرة الحلفا)، فجمع أولاده وأحفاده حوله وأوصاهم أن يدفنوه عند حدود بستانه كيلا يضيق نفَسُه في الحلفا. ويبدو أن خفة دمه التي رافقته في حياته لم تهدأ حدّتُها، فأوصاهم أن يكتبوا على شاهدة قبره ما معناه أن المرحوم الراقد هنا عاش عزيزاً مكرماً، وأنه اشترى أربعين بيضة بمتليك عثماني ومع ذلك لم يفكر بالهرب من وجه عياله (لا قرَّت عين الجبناء!).
قال رجل من أصحاب الميمنة:
- نحن نعرف مبتداها، ولدينا تصورات لا تقبل الجدل عن منتهاها، وكل بدعة وكل ضلالة في النار.
قال رجل الشرطة:
- نحن الآخرين نعرف بدايتها. وهي كبدايتها، مع أن أمر البداية لا يهمنا كثيراً. وأما مسارها نحو النهاية فنحن نحدده (في أحد عنده اعتراض؟).
ارتجفت عضلات وجوه السامعين وردّدوا كما يردد تلاميذ المدارس بصوت واحد: لا يوجد لدينا اعتراض!
وقال طه حسين: الشعر الجاهلي أكثره منحول.. فقامت قيامة أنصار الجاهلية ومشتقاتها ولم تقعد.
وقال أحد النقاد: طه حسين عبارة عن أكذوبة.
قال أصحاب الميسرة:
بدايتها تشبه وضعها الراهن، ولكنها كانت يومئذ لينة جداً. ونحن نعرف كيف تحجَّرت: إنها ألعاب قذرة لعبتْها الإمبريالية وأذناب الاستعمار والرجعية.
وقال أنصار حماية البيئة:
إن الواجب يقضي بأن نمنع السيارات التي تعمل بمحركات الديزل من السير عليها. وكذلك الطرطيرات التي تصدر أصواتاً مزعجة.
قيل فيها الشيء الكثير، ولكننا مع ذلك: مانزال نمشي عليها ببطء، وحذر، خشية أن تزلَّ أقدامنا فنهوي ممثلين أفلام رعب خالية من الخدع السينمائية، ودون كاميرات تصورنا أو سجلات تحفظ أسماءنا.