كلام في سيد الكلام ومنه - درويـش -معلّمًا شاعرًا حائرًا بين الشعر والنثر

حنا نور الحاج قرأها 78
 

كلام في سيد الكلام ومنه

درويـش -معلّمًا شاعرًا حائرًا بين الشعر والنثر

حنا نور الحاج

hanna-nour-alhaj02.jpg

أنـيـقٌ مـنـدهشٌ وصـانعُ دهشـة

مدهش في انـدهاشاته وإدهاشاته. مدهش في مقدرته الدائمة على أن يتجدّد ويجدّد ويبثّ الدهشة فينا. وأشَدُّ ما يدهش في هذا الشاعر أنّه قادر على إدهاش قارئِهِ كلامًا وأنغامًا وأفكارًا. هو شاعر لا يهمل المعنى. بل لديه الكثير ممّا يقال على صعيد المعنى والأفكار. اللفظ والمعنى لديه حالة من التكامل.

لشعر الدرويش أناقة، على صعيد التعبير والفكرة، تبعث الدهشة وَ "الحسد". هو شاعر المعاني العميقة والأنيقة. بل إنّ أناقة الدرويش مسألة غير قابلة للتجزئة؛ ففي مَـلْبسه كذلك أناقة بارزة لطيفة بعيدة عن الإفراط وعن التصابي. درويش هو القائل:

"الأناقة تبدأ من الحذاء".

وليس في ذاك انتقاص من شأن الأناقة. بل هو وعْيٌ وإعلاءٌ مِن دَوْرِ ما قد يراه البعضُ رمزَ ذلّ وإذلال أو ساترًا للقَدَم أو غلافًا لها. الأناقة تكامُلٌ وتناسق وانسجام. وفي كلّ هذه، البدايةُ لا تقلّ عن النهاية دَوْرًا، والسـفليُّ موضعًا ليس أدنى من العُـلْويّ قَدْرًا.

mahmoud-darweesh12.jpg

شـذرات درويـشـيّة

-"الكمال هو وعي النقصان".

-"الجمال هو العلوّ".

-"كلّ ما هو مفقود معبود".

-"الخلود ورقة يانصيب رابحة مات صاحبها قبل إعلان النتيجة بدقائق".

-"الموت لا يُوجِع الموتى، بل يُوجِع الأحياء".

-"أُوثِرُ الاغتراب في المنفى على الاغتراب في البيت".

-"تنام، وتعلم أنّك تنام فيُفرحك النوم وتمدح الكسلَ، صديقَ النوم والمواهب. ولا يهمّك أن يطيل النومُ عمرَك، بل يهمّك أن يطيل العمرُ نومَك".

-"الأرق ضيفٌ ثقيل يحلّ عليك بلا موعد. يحرمك من النوم ومن اليقظة معًا. الأرق طنين بعوضة، وصراع خفيّ على لحاف ومخدّة وركبتين".

-"وتسأل: ما معنى كلمة "لاجئ"؟

سيقولون: هو من اقتُلع من أرض الوطن.

وتسأل: ما معنى كلمة "وطن"؟

سيقولون: هو البيت وشجرة التوت، وقنّ الدجاج، وقفير النحل، ورائحة الخبز، والسماء الأولى.

وتسأل: هل تتّسع كلمة واحدة من ثلاثة أحرف لكلّ هذه المحتويات... وتضيق بنا"؟

-"الندبة ذاكرة لا تكفّ عن العمل".

-"الأمل هو قوّة الضعيف المستعصية على المقايضة".

-"سَمَّوْكَ الشقيَّ، لأنّك تبكي من فرح أو من حزن، دون أن يؤوِّل أحدٌ صوتَ الريح في قصبٍ سَرعان ما يتحوّل نايات. ماذا يقول الناي؟ هل يحمل في ما يحمل هذيانَ الريح، أم ينقل فرح الرعاة بولادة حَمَل جديد، أم خوفَهم من قطيع ذئاب يحاصر قطيع الأغنام؟ يستدرجك الناي إلى البعيد، وتبكي كمن يستبق الفاجعة".

-"النجاة هي انتصارُ الطريدة الممكنُ على الصيّاد. الصمود هو البقاء والبقاء هو أوّل الوجود".

-"ليس الحنين ذكرى، بل هو ما يُنتقى من متحف الذاكرة. الحنين انتقائيّ كبستانيّ ماهر، وهو تكرار للذكرى وقد صُفّيتْ من الشوائب. وللحنين أعراض جانبيّة من بينها: إدمان الخيال النظرَ إلى الوراء، والحرجُ من رفع الكلفة مع الممكن، والإفراط في تحويل الحاضر إلى ماضٍ، حتّى في الحبّ".

-"الحنين ندبة في القلب، وبصمة بلد على جسد".

-[الحنين] "هو زائر المساء، حين تبحث عن آثارك في ما حولك ولا تجدها، حين يحطّ على الشرفة دُوريٌّ يبدو لك أنّه رسالة من بلد لم تحبَّهُ وأنت فيه، كما تحبُّه الآن وهو فيك. كان معطًى وشجرة وصخرة، وصار عناوينَ روح وفكرة، وجمرةً في اللغة".

-[عن غزّة] "قلعة محاصَرة بالبحر والنخيل والغزاة والجمّيز. قلعة لا تسقط. غزّةُ هي العزّةُ المعتزّةُ باسمها المستفَزّةُ، بلا انقطاع، من صمت العالم على حصارها الطويل".

أنـثْـرٌ... أَمْ شِـعْـر؟!

أكثرتُ من الاقتباسات، رغم إصراري على التقليل منها إصرارًا بلغ حدّ التنفيذ الفعليّ. لن أعتذر عمّا فعلتُ! عذري في أنّ الكلام الدرويشيّ إغواءٌ وسحْرٌ وظرف وطرافة؛ وكلّ تلك لا تقاوَم. في "في حضرة الغياب" من المغرِيات بالاقتباس ما يضيق به المقام.

يزعم بعضهم أنّه، إن أردتَ أن تتيقّن من شاعريّةِ شاعرٍ ما، عليك أن تقرأ نثريّاتِه. ورغم ما قد يبدو في هذا الزعم من تطرُّف أو تظرُّف (أو تطرُّف متظرّف)، يأتي النثر البهيّ الذي يكتبه محمود درويش، وذاك الذي يتفوّه به، داعمًا لهذا الافتراض الذي لا يجافي الحقيقة. تقرأ نثره أو تسمعه، فتأخذ أسئلةُ الانبهار بالانهمار:

أنثْرٌ... أَم شِعْر؟!

كلامٌ... أَم فكْر؟!

واقعٌ... أَم سحْر؟!

مطرٌ... أَم عطْر؟!

سماءٌ... أَم بحْر؟!

ترابٌ... أَم زهْر؟!

تتتالى الأسئلةُ وتُلِحّ، ثمّ تـجدك تقرّ بأنّ نثريّات درويش هي كلّ هذا وذاك وأكثر. تتساءل بصمتٍ مثرثِرٍ، فإذا الدرويش بذاته يطلّ عليك، عَبْرَ كتابه "في حضرة الغياب"، مختزلاً مجيبًا عن كلّ تساؤلاتك الذاهلة الحائرة بخمس كلمات:

"النثر جار الشعر ونـزهة الشاعر"

ثمّ يردف، هو نفسه، ستَّ كلمات أخرى تدهشك فكرتُها ومقدرةُ الدرويش المتجدّدةُ على اختزال كتُبٍ في عبارة:

"الشاعر هو الحائر بين النثر والشعر"

وكأنّي به هنا، بطريقته الدرويشيّة الخاصّة، يعيد صياغة ما قاله الفيلسوف المتصوّف والأديب البارع "أبو حيّان التوحيديّ" في كتابه "الإمتاع والمؤانسة": "أَحسنُ الكلام ما قامت صورتُه بين نَظْمٍ كأنّه نثر، ونثرٍ كأنّه نَظْْم".

الدرويش شاعر لا يتعالى على النثر. لا يرى النثرَ عدوًّا للشعر أو ضدًّا. يراه هو والشعرَ في حالة جوار. وحالةُ الجِوار قد تتولّد منها حالةُ حِوار هي حالةٌ في منتهى الندّيّة، وفي منتهى الودّيّة. هذا شاعر لا يعادي النثر. وهل من عجب؟! هل النثر نقيض الشعر؟! يُخيَّل إليّ أنّ النثر مكمِّل الشعر. يبدو أنّ الشعر مكمِّل للنثر. الشعر والنثر وجهان لمعشوق واحد: الأدب.

درويـشـيّـات فـي الـحـبّ

للدرويش، في كتابه "في حضرة الغياب"، مقولات نثريّة في الحبّ جديرة بالقراءة والاقتباس والتأمّل؛ منها:

-"لا يكفي أن تحبّ -فذلك فعلٌ من أفعال الطبيعة السحريّة، كهطول المطر واشتعال البرق، يأخذك منك إلى مدارِ الآخرِ لتتدبّر أمرك بنفسك. لا يكفي أن تحبّ، بل عليك أن تعرف كيف تحبّ".

-"ليس الحبّ فكرة. إنّه عاطفة تسخن وتبرد وتأتي وتذهب. عاطفة تتجسّد في شكل وقَوام، وله خمسُ حواسَّ وأكثر. يَطْلع علينا أحيانًا في شكل ملاكٍ ذي أجنحة خفيفة قادرة على اقتلاعنا من الأرض. ويجتاحنا أحيانًا في شكل ثور يطرحنا أرضًا وينصرف. ويهبّ أحيانًا أخرى في شكل عاصفة نتعرّف إليها من آثارها المدمّرة. وينـزل علينا أحيانًا في شكل ندًى ليليّ حين تحلب يدٌ سحريّةٌ غيمةً شاردة".

-"الحبّ هو المتحوّل المتنقّل العصيُّ على الهُويّة. هو الانخطاف الذي يلتبس فيه الشغف مع الإشراق. هو ما لا تعرف وتعرف أنّك لا تعرف".

-"أُحِبُّ الشيءَ وأنقلب عليه لئلاّ يستعبدني. ولا أكره إلاّ الكراهيَةَ لأنّها سُمٌّ في الطاقة المنذورة لحبّ أشياء بسيطة".

-"لم أختلف مع امرأة إلاّ على تعريف الحبّ. قلتَ لي: ما يُعرَّف يُعْرَف، وما يُعْرَف يُمتلَك، وما يُمتلَكُ يُنتهَكُ ويُستهلَك ويَهْلَك".

-ليس الحبّ إلاّ تعرُّفَ الذات على ذاتها في حوارها مع آخرَ يُخرجها من الصَّدَفة إلى الوجود. [هذه الأخيرة وردت في "حيرة العائد"]

الحبّ يجعلنا شعراء؛ ربّما لأنّ الشعر -في بعض وجوهه- هو التعبير عن الحبّ الذي نحياه أو نتمنّاه أو ننتظره، الحبِّ الذي يُحْـيينا بمجرّد أن يُحَـيّينا، أو هو التعبير عن الحبّ الذي نختزنه في قلوبنا ونغرف منه كلّما انتبهنا أنّ البغـض يكاد يتملّكنا أو يهيمن علينا.

الحبّ يجعلنا شعراء؛ والشعر يعلّمنا الحبّ (كما علّمَنا يومًا غناءُ عبد الحليم العاطفيُّ أن نبحث عن حبيب وأن نُحِبّ ونُحَبّ، أو أن نختلق الحبّ أو نتوهّمه). كم من مرهَف متذوّق للشعر عاش الحبَّ قبل أن يعرف حبيبًا! يا ألله! كم مثيرة هي هذه العلاقة بين هذين! نقرأ شعرًا فنحِبّ؛ ونحِبّ فإذا بنا نقول شعرًا. ومن درويش وسواه من محترفي العشق تعلّمنا أن نحبّ: أن نحبّ المرأة؛ وأن نحبّ الحياة.

إن كان الحبّ يجعل الأمّيّ والجاهل من فئة الشعراء، فما بالك بما يصنعه هذا العفريت بالشعراء الحقيقيّين أنفسهم؟!

من الدرويش المحمود وأمثاله تعلّمنا أن نحبّ وأن نتحدّث ونكتب عن الحبّ بلا حرج، وبلا خشية من أن نُتّهَم بالرومنسيّة المُفرِطة وبالتقوقع حول الذات الفرديّة. هو الذي ذكّرنا أنّ الفلسطينيّ -شاعرًا كان أم قارئًا أم مناضلاً- من حقّه أن يُحِبّ وأن يُحَبّ ككلّ إنسيّ. الفلسطينيّ كائن بشريّ إنسانيّ قبل كلّ شيء. الفلسطينيّ ليس مجرّد كائن نضاليّ كفاحيّ لا يتعاطى سوى السياسة ولا يطلّ على الدنيا إلاّ من زاوية الكفاح القوميّ أو من فوّهة بندقيّة. أيعجز مَن يَعشق وطنَه عن أن يعشق امرأة؟! وكم "وبّخنا" الدرويش وتوأم روحه مرسيل خليفة حين نبّهانا إلى أنّ "ريتا"، في القصيدة المغنّاة الشهيرة، هي ريتا. هي ريتا، لا رمزٌ للوطن أو للأرض كما كان يحلو لبعض مَن تناولوا هذه القصيدة أن يفترضوا أو أن يجزموا. ريتا فتاة أحبّها الشاعر كما يحبّ كلُّ شابّ فتاةً فتعني له كلّ شيء. درويش هو القائل (في "حيرة العائد"): "نكتب قصائد حبّ للوطن ونساءٍ محدَّدات. فليس كلُّ شيء رمزيًّا. وليس كلُّ خصرِ شجرةِ نخيلٍ خصرَ امرأة أو بالعكس". نَسُوق كلّ هذا "دفاعًا" عن أنفسنا. نسوقه لنذكّر من لا يعلمون بما هو بديهيّ ومُتَناسًى: أنّ الفلسطينيّين -ممثَّلين بشاعرهم الدرويش شاعر الإنسانيّة جمعاء- قادرون على فعل الحبّ (العمود الفقريّ للكرة الأرضيّة -على حدّ تعبير نـزار قبّاني الذي نعتَهَ الدرويش في الكتاب السالف الذكر بـِ "شاعر الجميع"، رافضًا اللقب الشائع الحاصِر الـمُحاصِر "شاعر المرأة")؛ أنّ الفلسطينيّين قادرون على التغنّي بكلّ مجمِّلات الحياة. الفلسطينيّون -رغم خصوصيّة قضيّتهم التي استولت على كثير من تفكيرهم واهتمامهم وطاقاتهم، ورغم الموت المُحيق بهم في كلّ لحظة- بشَرٌ ككلّ البشر هُمْ: يحبّون (ويكرهون)؛ يفرحون (ويحزنون)؛ يُقْدِمون (ويُحْجمون)؛ يَجرُؤون (ويتردّدون)؛ يحيَوْن (ويموتون). بل هم يعشقون الحياة كما عبّر شاعرهم عنهم:

"نُحبّ الحياةَ إذا ما استطعنا إليها سبيلا"

عن الـزمنِ... والـشِّعـرُ بالـشِّعـر يُـذْكَر

"الزمن نهرٌ سلسٌ لمن لا ينتبه إليه، وحشيٌّ شرسٌ لمن يحدّق إليه، فتخطفه الهاوية"

هكذا بمفردتين اثنتين يختزل درويشنا المحمود كلَّ ما يتّصف به نهر الزمن: سلس شرس! سلاسة وشراسة! والمقرِّر في ذلك هو مدى الانتباه ومدى التحديق. وفي موضع آخر يقول:

"هل نحن ما نصنع بالزمن، أم نحن ما يصنع الزمن بنا؟"

في هذا (في مسألة الزمن)، قال الشعراء -والأدباء بعامّة- كثيرًا من الكلام، بعضه مثير للانتباه والاهتمام والتفكير والإعجاب. يذكّرني ما يقوله درويش عن الزمن بشاعر مصريّ مهمّ، بل فائق الأهمّيّة، هو سيّد حجاب الذي كتب معظم أشعاره بالعامّيّة المصريّة، والذي يُعتبَر من أهمّ المهمّين من شعراء مصر والعالم العربيّ قاطبةً، والذي كثيرًا ما يُذكّرني بمحمود درويش، حين أنذهلُ إزاء مخيّلته الخصبة، وإزاء مقدرته التصويريّة الإبداعيّة التي تنعكس في ابتكار صور شعريّة طازجة أصيلة قادرة على الإذهال، وإزاء عدم مساومته أو تساهله في قضيّة المعاني أو قضيّة الأفكار (فاهتمامه بالمعنى لا يقلّ عن اهتمامه بالمبنى)، وإزاء غزارة إنتاجه وجودته في آن.

يقول سيّد حجاب (والتلحين لعمر خيرت، والشدْو لعليّ الحجّار وحنان ماضي):

"بِـتـْبَـدِّل الأيّـامْ مَـلامـحْـنا

تِنعشْـنا تِرْعِشْـنا تِشَوِّشْـنا

يا ترى اللي بيـعيش الـزمن إحْـنا

وَالاّ الزمن هُوَّ اللي بيعِيشْنا؟!"

ويقول حجاب ذاته، في الألبوم الغنائيّ نفسه ("غوايش"):

"دُورْ يا زمن وخُدْنا فْ دايْرِتَكْ

وِانْ عاكْسِتَك خطاوينا أو سايْرِتَكْ

حَ تْدور بنا يا زمن حَ تْدور بنا

وِتْجيب آخِرْنا ولا نِجيبْ آخْرِتَكْ

حَ نْعيش يا قلبي مع ذكريات الهوى

وحَ تنطفي وَيّا السنين قهْرِتَكْ

ونكون سَوا من غير ما نبقى سَوا

دُورْ يا زمن وخُدْنا فْ دايْرِتَكْ"

ونغمة التسليم الواعي واضحة هنا في كلام حجاب. هو تسليمٌ مِن ذاك الضرب المنبعث من تأمّـلٍ عميق في شؤون الحياة والمصير... تأمّـلٍ يرصد أثرَ الزمن في الوجوه وفي القلوب وفي العيون... تأمُّلٍ مدركٍ أنّ الزمنَ قوّة قهّارةٌ لكلّ قهّار، قدرةٌ متمكّنة من كلّ متمكّن، قوّةٌ عليا تتحكّم بالدنيا وبراياها.

الـلـغـة: وُجـودٌ وانـتـصـار

"وما معنى أن يكون الفلسطينيّ شاعرًا، وما معنى أن يكون الشاعر فلسطينيًّا؟ الأوّل: أن يكون نتاجًا لتاريخ، موجودًا باللغة. والثاني: أن يكون ضحيّة لتاريخ، منتصرًا باللغة. لكن الأوّل والثاني واحدٌ لا ينقسم ولا يلتئم في آن واحد"

كثيرًا ما يذكر درويش اللغةَ -مجازًا وحقيقةً وتشبيهًا-. قال مرّة: "الأرض تُورَث كاللغة". هنا يجعلها مشبَّهًا بها. من الجدير أن أنوّه بمقدرة محمود درويش المُعجِبة في مجال اللغة العربيّة، كما تتجلّى في شعره وفي نثره وفي المقابلات التي أُجرِيتْ معه (كم من مرّة أعاد نطق كلمة لأنّه أحسّ بأنّه قد أخطأ في شكل آخرها أو شكل أيّ من حروفها!). هو شاعر يعرف كيف يعزفُ باللغة دون نشز، ودون تشويه. قد يستغرب بعضُنا أنّي هنا أُشِيد بإتقان شاعر عربيّ للغته الأمّ. قد يستغربون ظانّين أنّي أُشِيد بما يمكن اعتباره من قَبيل المفروغ منه أو المفترَض ضمنًا. لا بدّ هنا من أن أشير إلى ثلاثة أمور:

1) ثمّة من يعتقدون، واهمين، أنّ كتابة الشعر لا تتطلّب إلاّ حفنةً من المشاعر والتخيّلات والتأمّلات، ومِدادًا وقرطاسًا. أمّا التمكّن من اللغة، فهو في رأيهم ضئيل الأهمّيّة. يعتبرون إتقان اللغة "دَقّة قديمة"، بل قد تجد منهم مَن يَعتدّون بما يُفتَرَض أنـّه مدعاةٌ إلى الخجل؛ يفخرون بأنّهم غير متمكّنين من لغتهم الضاديّة، مُوهِمين أنفسهم أنّ الجهل أو عدم التمكّن ضربٌ من الخروج على المألوف!

2) الشعر فنٌّ قـَوْليٌّ، أداته التعبيريّة هي اللغة. والأداة غير المتقَنة تُفـضي إلى نتاج معطوب. ليس في مستطاع المؤلّف الموسيقيّ أن يكون موسيقيًّا بلا معرفة واطّلاع في الموسيقا. ليس في مقدور المغنّي أن يغنّي بلا حنجرة قادرة. ليس في وسع الخطّاط أن يمارس إبداعه بلا قلم أو ريشة. لا أقصد بإتقان اللغة أن يعرف الشاعر كلّ دقائق قضايا النحو العربيّ المزعجة. ليس المطلوب أن يكون حاصلاً على شهادة جامعيّة من قسم اللغة العربيّة. ليس المطلوب منه أن يكون عالِمَ لغة أو عالِمَ نحو. علم النحو هذا (وهو لدى أكثريّة الطلبة حالة كابوسيّة رُعبيّة -هذا في أقلّ تقدير) هو علمٌ قال الجاحظ فيه رأيه باقتضاب مفيدٍ ومُـقْنِع: "هو علم يكفيك منه ما يجنّبك الوقوعَ في الخطأ". المطلوب أن يعرف الشاعر كيف باللغة يعبّر عن أفكاره ورؤاه وهواجسه.

3) شعر محمود درويش، بالرغم من أنّه مكتوب باللغة العربيّة تحديدًا، ودون استغناء عن الإيقاع أو الوزن، ودون استغناء كلّيّ عن التقفية، حين يترجَم إلى اللغات الأخرى لا يفقد شاعريّته. وذلك أنّه شعرٌ حقيقيّ. شعرٌ ساهم في كتابته الروحُ والمخيّـلةُ والعقلُ والقلبُ معًا. هو وليد كلّ تلك. ليس شعرًا بهلوانيًّا. ليس شعرَ الألفاظ الصاخبة الخاوية. هو شعر الإحساس والفكر والخيال والواقع.

غـمـوض

ثمّة كثيرون أخذوا على محمود درويش غموضَه الشعريّ في المراحل البعيدة عن بداياته. وقبل أن نترك الشاعر "يدافع" عن هذه الظاهرة (ظاهرة الغموض)، لا بدّ أن نذكّر بأنّ أكثريّتنا يستسيغون شعر الدرويش مسموعًا، حتّى الغامضَ منه. وليس مردّ هذا إلى جمال أدائه وصوته وحسّه وكمال كلامه فحسب، وإنّما لأنّ غموضه كغموض الأنوثة (والأنوثة: جَمال وبهاء).

ماذا يقول الدرويش في هذا الشأن؟ هو يرى أنّ الوضوح يقتل "المتعة التي نبحث عنها في الشعر، وتترك القارئ عاطلاً عن العمل". ويضيف مشيرًا أنّ ثمّة "ما هو أسوأ من الغموض المُعْتِم، هو الوضوح التعليميّ الذي يحرم القارئ من المشاركة في عمليّة الإبداع، وإعطاءِ حياة ثانية للقصيدة".

إذًا، الدرويش يرى أنّ القصيدة تولَد مرّتين: حين تُكتَب، وحين تُقرأ. ولعلّنا نتوخّى الدقّة أكثر فأكثر إن قلنا، على ضوء ذلك وهَدْيِهِ، إنّ القصيدة (القصيدة القصيدة، لا تلك التي يُطلق عليها هذا تجاوُزًا أو "مَجازًا") دائمةُ الولادة، لأنّها دائمةُ الحياة؛ فهي قد تُكتَب مرّة واحدة (دفعة واحدة)، أو أكثر من مرّة (على دفعات –حذفًا وشطبًا وإضافةً وتعديلاً وتبديلاً وتمزيقًا وإعادةَ صياغة)، وتُقرأ مرّاتٍ ومرّات... سيبقى الشِعر ما دام هنالك إنسان؛ ما دام هنالك إنسانٌ في الإنسان: إنسانٌ يتأمّل ويأمُل ويندهش، يفرح ويحزن، يبسم ويبكي، يقوى ويضعف، يحبّ ويكره.

درويـش المـعـلـّم

درويش معلّمٌ. علّمَنا الكثير الكثير...

علّمَنا كيف نحبّ الحياة، علّمنا أن نحبّ الحياة فوق تراب وطن أطلقْنا عليه منذ عقود "بلادنا" أو "البلاد"، خشية أن نُتّهَم بالتطرّف والتآمر على دولة تريدنا مواطنين في دولة، لا مواطنين في وطن؛ هو القائل:

"على هذه الأرض ما يستحقّ الحياهْ"

تلك عبارة استطاعت إقناعي، في لحظات من القنوط، بأنّ الحياة فوق تراب الوطن المضطرب تستحقّ أن تُعاش مهما قست الظروف، وبأنّ أرض الوطن نفيسة كالنفْس، ضروريّة كالنفَس.

علّمنا كيف نحبّ الأرض والوطن؛ هو القائل:

"بلادي البعيدة عنّي.. كقلبي!
بلادي القريبة مني.. كسِجني"

هو القائل:

"أُسمّي الترابَ امتدادًا لروحي
أُسمّي يديَّ رصيفَ الجروحِ
أُسمّي الحصى أجنحهْ
أسمّي العصافير لوزًا وتينْ
وأستلّ من تينة الصدر غصنًا
وأقذفهُ كالحجرْ
وأنسفُ دبّابةَ الفاتحينْ"

وهو القائل:

"آهِ يا جرحِيْ المكابرْ
وطني ليس حقيبهْ
وأنا لست مسافرْ
إنّني العاشق، والأرض حبيبهْ"

وهو القائل:

"يغنّي المغنّي
عن النار والغرباءْ
وكان المساء مساءْ
وكان المغنّي يغنّي

ويسْتجْوِبونَهْ:
لماذا تغنّي؟
يردّ عليهم:
لأنّي أغنّي
وقد فتّشوا صدرَهُ
فلم يجدوا غيرَ قلبِهْ
وقد فتّشوا قلبَهُ
فلم يجدوا غيرَ شَعْبِهْ
وقد فتّشوا صوتَهُ
فلم يجدوا غيرَ حزنِهْ
وقد فتّشوا حزنَهُ
فلم يجدوا غيرَ سِجنِهْ
وقد فتّشوا سِجنَهْ
فلم يجدوا غيرَهم في القيودْ"

وهو القائل في قصيدته التي شدا بها الفنّان البحرانيّ خالد الشيخ، "غريب في مدينة بعيدة"، على لسانه ولسان كلّ فلسطينيّ يستبدّ به الحنين إلى الفردوس المفقود:

"إلهي أعِدْنيْ إلى وطني عندليبْ
على جنح غيمَهْ
على ضوء نجمَهْ
أَعِدْنِيَ فُلَّهْ
ترفُّ على صدر نبعٍ وتلَّهْ
إلهي أعِدْنيْ إلى وطني عندليبْ

عندما كنت صغيرًا وجميلاً

كانت الـوردة داري

والينـابيع بـحاري

صارت الوردة جرحًا

والينابيع ظمَأْ"...

يأخذك مثل هذا الكلام الحنينيّ إلى الكلام الرحبانيّ البديع في مغنّاة "راجعون"، حيث يتمنّى الفلسطينيّ اللاجئ، الذي يحترق حنينًا، لو يعود ليحيا على أرض فردوسه المفقود المعبود فترة قصيرة قِصَرَ عمْر الزهر:

"بلادي يـمرّ علـيها

مع الفجر لحني الوجيعْ

بلادي أعِـدْني إليـها

ولـو زهرةً يا ربيـعْ"

وعلّمَنا الدرويش أن نخجل من دموع الأمّهات. علّمَنا أن نعشق أعمارَنا:

"وأعشق عمري لأنّي

إذا متُّ أخجلُ من دمع أمّي"

فدموعُ الأمِّ العزيزةِ العزيزةُ سببٌ مقنعٌ كيـما يحبُّ المرءُ الحياة ويتمنّى لنفسه العمر المديد، فتغدو مَحبّةُ الأمّ سببًا لـمَحبّة الذات. الدموع المتخيَّلة، المنسكبة من عيون الأمّ الثاكلة المحتمَلة المتخيَّلة، نارٌ تحرّق القلب وسيفٌ يمزّق الروح.

وعلّمَنا الدرويش، في أحد اللقاءات الصحافيّة، أنّ الواقعيّة لا تعني -كما يفهمها حكّام العرب- الرضا بالواقع أو قبولَه كما هو والتسليم به وله. الواقعيّة -كما يفهمها درويش، وكما يروق لكلّ ثوريّ ويليق به أن يفهمها- تعني فهْمَ الواقع فهمًا عميقًا ابتغاءَ تغييره.

وعلّمَنا الدرويش، في لقاء آخر، أنّ من الأجدر والأجدى للفلسطينيّ أن ينظر إلى عدوّه باعتبار هذا الأخير إنسانًا. وقد أقنعَنا بذاك بكلّ يُسْر ومنطق. فحين تُصوِّر أو تَتصوَّر عدوَّك وحشًا، تفقد إنسانيّتك، من ناحية، ومن ناحية أخرى تفقد احتمالات التغلّب والانتصار عليه. حين تنظر إلى عدوّك على أنّه إنسان، تحافظ أنت على إنسانيّتك. حين تنظر إليه على أنّه إنسان، إنسانٌ لا وحش، حينذاك يصبح الأمل في انتصارك عليه أملاً غيرَ وهميّ.

درويـش الـمُـنْـجِي

الدرويش نجّانا من النفور من الشعر. الدرويش شاعر يدافع عن الشعر بشعره وبنثره. يكفيه ذلك إنجازًا.

25/11/2008

(عـبـلـّيـن)