أبو حنا وأبو اسكندر و”ظل الغيمة” في معرض الكتاب بهلسنكي

ا. د. حسيب شحادة قرأها 5
 

أبو حنا وأبو اسكندر و”ظل الغيمة” في معرض الكتاب بهلسنكي

ا. د. حسيب شحادة*

بعد تصفحّه الأولي لـ “ظل الغيمة” (ط. 1، الناصرة 1997، ط. 5، بيروت 2001، ط. 6، الناصرة 2006)، الجزء الأول من سيرة الشاعر والأديب والمربي الفلسطيني المعروف حنا أبو حنا، وهو في إجازة قصيرة في أحد فنادق مدينة الناصرة، قرّر أبو إسكندر أن هذا العمل الأدبي جدير بالترجمة إلى لغة أمّه، اللغة الفنلندية. كان ذلك في مستهلّ هذا القرن عندما توجّه أبو إسكندر من لبنان حيث كان يعمل في قوات الأمم المتحدة لقضاء إجازة قصيرة في ربوع الجليل التي عرفها وأحبّها نتيجة زياراته العديدة للديار المقدسة. في الناصرة دخل أبو إسكندر إحدى المكتبات مستفسراً عما يقرأ أهل الناصرة في تلك الأيام وكان جواب صاحب المكتبة: كتاب “ظل الغيمة” الحائز على جائزة فلسطين للسيرة الذاتية سنة 1999. أبو إسكندر هو كارلو إرتياهو، حاصل على شهادة (لا “لقب” المترجمة حرفيا من اللغة العبرية، توءر، والمنتشرة في الديار المقدسة) الماجستير في الآداب الشرقية أي فيلولوجيا اللغات السامية والعربية والإسلاميات من جامعة هلسنكي عام 1980. كان كارلو محظوظا إذ أنه تتلمذ على أستاذ فنلندي فذّ في الأشوريات فالساميات، يوسي تنلي أرو (1928-1983) الذي تمتع بمعرفة اللغة العربية المكتوبة والمنطوقة بشكل يثير التقدير والإعجاب قلما يجده المرء في أوساط المستشرقين الشبّان حتى في يوم الناس هذا. حظي كاتب هذه السطور بالتعرف عن كثب على البروفيسور أرو في بداية السبعينيات من القرن العشرين وما زال يحمل في فؤاده وعقله ذكريات جميلة جدا تتمحور حول سعة المعرفة وعمقها وسمة التواضع وروح الدعابة. كانت رسالة أبو إسكندر عن لهجة بلدة بيت ساحور الفلسطينية. وفي أواخر العام 2007 حصل على شهادة الماجستير في علم اللاهوت من جامعة يووئِنْسو الفنلندية أيضا وبحثت رسالته في مفهوم כפּורת، أي غطاء التابوت أم عرش النعمة وبهذا الإنجاز الأكاديمي سيم أبو إسكندر قِسّيسا لوثريا. زد إلى ذلك أن السيد إرْتياهو من أوائل المترجِمين المحلّفين من العربية إلى الفنلندية. صِلاته بالعرب وبالعالم العربي كانت وما زالت حميمة، إنه شغوف باللغة العربية بشقيها الأساسيين، المنطوقة والمكتوبة، ويجيدهما لحد كبير، عمل في بعض الدول العربية بمهامّ مختلفة، مثلا في قسم التجارة الخارجية في ليبيا ومراقبا من قبل الأمم المتحدة في الانتخابات بفلسطين والجزائر وفي قوات المحافظة على السلام وضابط اتصال في منطقة جبل عامل في لبنان. أضف إلى ذلك مدّ يد العون للمعهد الفنلندي في الشرق الأوسط (Finnish Institute in the Middle East-FIME) الذي أُسس عام 1994 والاشتراك في الحوار الكنسي الفنلندي في سوريا ولبنان. بدأ السيد كارلو بعملية نقل “ظل الغيمة” إلى اللغة الفنلندية دون الحصول على موافقة دار نشر مسبقا إلا أنه تمكن في البداية من الحصول على مساعدة مالية ضئيلة من جمعية الآداب الفنلندية ومن صندوق آخر. عادة يشرع المترجم بالنقل وبعد إنجاز قسم لا يستهان به تُعرض هذه الترجمة على المسؤول المختص في دور النشر للبت في إمكانية النشر وقضية الربح التجاري تأتي في أعلى درجات سلّم الأولويات. كان ردّ بعض دور النشر أن موضوع “ظل الغيمة” لن يثير اهتماما كبيرا لدى القارىء الفنلندي. بالرغم من هذا الرد غير المشجّع واصل أبو إسكندر بين الفترة والأخرى هذا العمل المضني المتمثل بنقل حضارة معينة تختلف كثيرا عن الحضارة المنقول إلى لغتها، شتان بين العربية والفنلندية فهما تنتميان لفصيلتين لغويتين مختلفتين، الأولى إلى اللغات السامية والثانية إلى المجموعة الفنو-أوغرية! ولما وصلت الترجمة نصف الطريق تقريبا بدأ اتصال إلكتروني طويل وضروري ومشوّق ما بين المترجم والمؤلف. دأب السيد أبو الأمين أو يحيى أو حنا أبو حنا على الرد على كل استفسارات وتساؤلات أبي إسكندر اللغوية والثقافية والتراثية بشكل مستفيض وواضح بالإنجليزية، وكنت قد أطلعت على عيّنة من هذه المراسلة الإلكترونية الجادة والمثمرة. ويشار أن أبا حنا قام بإرسال قاموس البرغوثي لأبي إسكندر لمساعدته في الترجمة (د. عبد اللطيف البرغوثي، القاموس العربي الشعبي الفلسطيني، اللهجة الفلسطينية الدارجة. ج. 1-3، البيرة 1987، 1993، 1998، 952 ص. من الحجم الكبير). وفي آخر المطاف أخذت الجمعية الإرسالية اللوثرية في فنلندا على عاتقها إصدار هذه الترجمة. “ظل الغيمة“ كأخويه الآخرين في السيرة يعج بالمحسنات البديعية كالتشابيه بخاصة وهي مقتطعة من حياة العربي الفلسطيني آنذاك ونذكر منها ما يلي: كانت رقيقة القامة طويلة كأنها الشاروط. التجاعيد في وجهها وأطرافها كالغضون في لحاء شجرة زيتون رومية (ص. 11)؛ أصوات إنسانية متنوعة كتنوّع بقول الحقل ... صوت صواني (ص. 19)؛ فلما سألته بلهجة وعرة خشنة (ص. 21)؛ عيناها خضراوان مثل حب الزيتون الذي يلمع في الشمس (ص. 120)؛ للاستراحة عندهم ومشاركتهم حلاوة المشمش المستكاوي (ص. 130)؛ مَرَته مثل القحماطة وهو مثل البيك (ص. 135)؛ والضبع أطوع من الكُرّ المطبَّع (ص. 171)؛ قلبه أضعف من قلب الصوص (ص. 220)؛ وكانت بكارته كحبّة التين أول ما يناجيها الرحيق وقبل أن تعالجها منقير العصافير (ص. 226)؛ كان صوتها دافئا كشمس الربيع...على الخدين غمّازتان كأنهما سُرّتا تفاحتين. (ص. 229). لا ريب أن مصطلح “السيرة الذاتية” زئبقي فضفاض ففي هذه السيرة من الذاتية والغيرية وفيها تحرٍّ تاريخي وإمتاع قصصي. ويرى المستشرق الألماني الشهير، كارل بروكلمان أن هذا اللون الأدبي قد نشأ عربيا في العصر الجاهلي. هناك بالطبع معارضون لهذا الرأي مثلا د. عبد الرحمن بدوي. وكانت الدكتورة تهاني عبد الفتاح شاكر قد توصلت في أطروحتها “السيرة الذاتية في الأدب العربي”، بيروت 2002 إلى أن سيرة سلمان الفارسي هي النواة الأولى للسيرة. وهناك في الأدب العربي القديم بعض الأمثلة لسير