العربية في الغرب

ا. د. حسيب شحادة قرأها 905
 

العربية في الغرب

ا. د. حسيب شحادة

امتدّت الامبراطورية العربية في القرن السابع للميلاد من المحيط الهندي شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً، ومن بحر العرب جنوباً، الى تركيا والقوقاز شمالاً. هذه اللغة العربية التي كانت لهجة قبيلة بدوية، قريش، غدت في القرن الثامن لغة العلم والثقافة لامبراطورية مترامية الأطراف. وقد احتلت مدينة طليطلة في الأندلس مكانة مرموقة في فن الترجمة، إذ أقيم فيها ما يشبه "بيت الحكمة" في بغداد أيام الخليفة المأمون. ومما يجدر ذكره أنه لم يكن في العالم فيما بين القرنين الثامن والسادس عشر الميلاديين إلا لغتان للعلم والفلسفة هما العربية في الشرق، واللاتينية في الغرب.

والعربية هي لغة الصلاة لدى المسلمين في العالم عرباً وغير عرب، ولغة الصلاة بالنسبة للعرب المسيحيين في العالم العربي. وقد أثّرت العربية على لغات كثيرة في الأندلس واندونيسيا والباكستان وبورما والهند الصينية وافغانستان وإيران. وكان الحكّام المسيحيون أمثال الفونسو السابع (١١٢٥-١٢٥٧) يدعمون حركة ترجمة العلوم من العربية إلى اللاتينية في مواضيعَ كثيرة مثل، الرياضيات والفلك والطبّ والكيمياء والفيزياء والفلسفة والعلوم الطبيعية. وهكذا أثّرت العربية على الإسبانية نتيجة للاحتكاك الطويل بينهما، وهناك الآلاف من المفردات والعبارات العربية التي دخلت الإسبانية مثل "ojalá" أي "ان شاء الله"، "usted" أي "استاذ" الفارسية الأصل، ”alacena”  أي "خزانة المطبخ"، "alarde"  أي "العَرض"، "alberca" أي "البِركة"، ويلاحظ أن قسماً كبيراً من هذه الكلمات العربية الدخيلة في الإسبانية والبرتغالية تبدأ بـ al وهي أل التعريف العربية (أنظر مثلاً:

Glossaire des mots espagnols et portugais dérivés de l’arabe par R. Dozy et R.W. H. Engelmann, une volume de XII + 426 pages).

 وكان بيترس هيسبانوس توجّه إلى جامعة القرويين في القرن الثالث عشر وهناك ألّف أول كتاب باللاتينية عن العربية ومفرداتها.

حكَم العرب اسبانيا ٧٨١ عاما من ٧١١ إلى ١٤٩٢ وكانت الإسبانية العامل الأول والمباشر في نقل التأثير العربي إلى اللغات الأوروبية والأمريكية فهناك مثلاً حوالي ٢٠٠ كلمة عربية في لغة الهنود الحمر في أمريكا، ويشار إلى أن الإسبانية استعارت من العربية الأسماء والصفات بالآلاف ولكنها لم تقترض الأفعال.

بدأت دراسة اللغة العربية في القرون الوسطى في أوروبا لأهداف تبشيرية. ففي عام ١١٤١ دعا Peter the Venerable إلى ترجمة القرآن، أما Ramon Lull ١٢٣٥-١٣١٥؟ فكان مؤسّس مدرسة للغة العربية ولغات أخرى، وذهب إلى أن تعلّم العربية هو أفضل وسيلة لمخاطبة العرب، واقترح إنشاء كراسٍ لتدريس العربية في الجامعات. أما Guillume Postel ١٥١٠-١٥٨١ فقد ساهم في دراسة الساميات وكذلك تلميذه الفذّ Joseph Scaliger ١٥٤٠-١٦٠٩. كما ولجأ الدارسون إلى معرفة العربية في نهاية القرن السادس عشر بغية تعلم الطب عند الرئيس ابن سينا (Avicenna)  وبعد ذلك كمادة مساعدة في فهم لغة العهد القديم، اللغة العبرية بشكل أفضل.

ومن كتب قواعد اللغة العربية الأولى التي كتبت في أوروپا، يمكن الإشارة إلى كتاب پوستل (Guillaume Postel) باريس ١٥٣٨، الكَلا (Pedro de Alcalà) حوالي ١٦٠٠ وإيرپينيوس (Thomas Erpenius) ليدن ١٦١٣. وفي القرون الوسطى اعتبر الشرقي عدواً قاسياً ولكنه إنسان كالغربي homo islamicus. ويُعتبر وليام بِدْويل   William Bedwell، ١٥٦١-١٦٣٢،  أبا الدراسات العربية في انجلترا وكان معاصراً لشكسبير وكان تلميذه إدوارد پوكوك (Edward Pococke، ١٦٠٤-١٦٩١) أول من درَس العربية في أكسفورد حيث حضور المحاضرات كان إلزامياً، ليس كما هي الحال عليه الآن في العديد من الجامعات الغربية. اعتمدت دراسة اللغة العربية في أوروبا في بدايتها على دراسات العرب النحوية القديمة، فمن كتب القواعد العربية في أوروبا يمكن الاشارة إلى Postel Erpenius ، (١٦١٣-١٥٣٨)، التي استندت الى كتب مدرسية متأخرة. ويبدو ان أول من استعمل كتباً قديمة كان المستشرق الفرنسي سلڤستر دي ساسي ١٨١٠، C.P. Caspari ١٨٤٨ الذي اعتمد على الزمخشري، D. Vernier ١٨٩١-١٨٩٢، استعمل سيبويه، M. S: Howell ١٨٨٠-١٩١١ نبش كل المصادر العربية. وفي المعجميات كانت البداية عام ١٦١٣ من قبل Raphelengius و Giggeius عام ١٦٣٢ اعتماداً على القاموس للفيروزابادي، ثم Golius ١٦٥٣ الذي اعتمد على الصحاح للجوهري. ما دور العربية بالنسبة لغير العرب ولغير المسلمين؟ أخذ الغرب عن العرب الأرقام العربية، وتعرف في العالم الغربي بالأرقام العربية (Arabic numerals) في حين أن ما يستعمله العرب في المشرق العربي في يومنا هذا هو في الأساس أرقام هندية غبارية. ويشار إلى أنّ ترتيب الأرقام ما زال عربياً صرفاً إذ ان خانة الآحاد على اليمين فالعشرات فالمئات فالألوف الخ. ولو لم تكن من أصل عربي لجاءت الآحاد في اليسار الخ. يبدو أن بدرو دي ألفونسو، يهودي إسباني، طبيب ملك انجلترا هنري الأول، كان قد ألّف أول كتاب عن النبي محمد في القرن الثاني عشر. أما روبرت كيتون الانجليزي فقد ترجم القرآن في نفس القرن إلى اللغة الإنجليزية وفي نفس الوقت ترجم كتاب "الشفاء" لابن سينا. كانت هناك فترة في أوروبا عنت فيها اللفظة "فيلسوف"- "المسلم".

توماس فون إروب الهولندي ألّف أوّل كتاب قواعد للغة العربية. كما أقيم أول كرسي للعربية في باريس في الكوليدج دي فرانس عام ١٥٣٩م للاستاذ پوستل. وفي أكسفورد شغل ادوارد پوكوك كرسي اللغة العربية عام ١٦٣٨م. أما في هولندا فلا بد من ذكر باحثين هما Thomas van Erpe أو Erpenius ١٥٨٤-١٦٢٤ الذي نشر للمرة الاولى قواعد اللغة العربية وتلميذه Francis van Ravelingen/Raphelengius ١٥٩٦-١٦٦٧ الذي بدأ بتدريس العربية في لايدن منذ عام ١٦٣٨.

أما A. Galland فنشر ترجمته الانجليزية لألف ليلة وليلة ١٧٠٤-١٧١٧، و George Sale ١٦٩٧-١٧٣٧ نشر عام ١٧٣٤ ترجمة القرآن إلى الإنجليزية مشفوعة بمقدمة وملاحظات وافية. وكان J.J. Reiske ١٧١٦-١٧٧٤، الباحث الألماني الفذ في زمانه في الأدب والتاريخ العربيين، قد قاسى من الظلم من الأستاذين الشهيرين Michaels و Schutens لأنهما أرادا أن يُبقيا الدراسات العربية في نطاق "الفيلولوجيا المقدسة والتفاسير التوراتية". ومن جهة أخرى، كان Volney الفرنسي الذي عرف اللغات الشرقية وزار الشرق العربي وكتب عنه في مؤلفين "رحلة إلى سوريا ومصر" عام ١٧٨٧ و"وصف مصر" عام ١٨٠٩-١٨٢٢ قد نادى بضرورة تعلم اللهجات العامية وانتقد الباحثين والمستشرقين الذين عرفوا الكثير عن النحويين العرب في العصور الوسطى إلا أنهم في الوقت ذاته لم يقدروا أن يتعاملوا مع العرب الأحياء. وفي القرن العشرين قال مكسيم رودنسون "فإن عصر هيمنة الفيلولوجيا في الاستشراق قد ولّت"، وفي ألمانيا قال Herder الألماني ١٧٤٤-١٨٠٣ بأن العرب "معلمو أوروبا"، أما شاعر ألمانيا يوهان وولف چانچ فون چيته Johann Wolfgang) (von Goethe, 1794-1832 فقد مجّد النبي العربي، محمدا، في أشعاره. وڤولتير، الفيلسوف الفرنسي، (François-Marie Arouet, 1694-1778) قد كتب كتابا عن محمد عام ١٧٤٢ وغدت باريس قبلة المهتمين بلغات الشرق الأوسط وحضاراته منذ العام ١٧٩٥ الذي فيه افتتحت مدرسة اللغات الشرقية الحية. وكان الاستاذ Simon Ockley في أكسفورد قد كتب في بداية القرن الثامن عشر مادحاً الشرق المسلم الذي فاق الغرب علماً ومعرفة. وكذلك فعل Edward Gibbon ١٧٣٧-١٧٩٤.

بعبارة أخرى، في القرن الثامن عشر نُظر إلى الشرق الإسلامي نظرة الأخوّة والتفهّم، وظهرت في انجلترا ففرنسا لفظة Orientalist أي "المستشرق"، وعقد أول مؤتمر للمستشرقين في باريس عام ١٨٧٣، وقبل ذلك بأكثرَ من قرن وبالتحديد في عام ١٧٨٤ أسست في الهند أول جمعية استشراقية. ومن المبشرين الذين كانوا في الشرق واستفادوا وأفادوا نذكر:

James Bruce, Carsten Niebuhr, H. Maundrell, R. pocock, J. de la Roque, N. Savary, Thomas Shaw.

وفي القرن التاسع عشر يظهر التفوق الغربي، الاستعمار والاكزوتية والتخصص، الشرق المسلم ما زال عدوا لكنه مهزوم. الأراضي الشرقية شاهدة على ماض عظيم.

ويقول المستشرق الايطالي چويدي "موضوع دراسة اللغة العربية من أصعب الموضوعات وقلّما أتيح لعالم غربي أن يجيد فيه الإجادة كلّها. ما أصعبَ لغةَ العرب وما أغناها". إن بعض المختصين الغربيين باللغة العربية كما قال عباس محمود العقاد منذ عقود وما زالوا للأسف الشديد جاهلين بهذه اللغة لأنهم عاجزون عن الإحساس بها أو الاستيلاء على روحها عبر القواعد (العقاد، حقائق الاسلام وأباطيل خصومه. ط، ٢ القاهرة ١٩٦٢، ص. ١٧٨-١٧٩). ويقول الاستاذ اللغوي ابراهيم مصطفى عن العربية: "وهي من أسهل اللغات ان لم أقل إنها اسهلها... وقد يكون ذلك عجيباً لأن الأحاديث التقليدية تصف اللغة العربية بالصعوبة... ولكن العجبَ يرجع إلى جماعة من المستشرقين أرادوا أن يتعلموا العربية وهي غريبة عنهم أو هم غريبون عنها فأشاعوا عنها هذه الغربة.. نعم إنها غير يسيرة على المستشرقين لا من طبيعتها هي ولكن من طبيعتهم هم".

وكان المرحوم إدوار سعيد قد شرّح أن هدف الدراسات الشرقية في أوروبا كان لخدمة الإمبريالية ضد شعوب الشرق الأوسط. في اللغة الانجليزية حوالي ألف كلمة تتحدّر من أصول عربية وآلاف أخرى مشتقة منها. (المستشرق الانجليزي Walt Taylor ) .معظم هذه الكلمات أصبحت غير مستعملة أو نادرة. يُقدّر عدد الكلمات المستعملة إذن بـ ٢٥٠ كلمة. إلا ان معجم اكسفورد الوجيز يضم ٤٠٥ كلمة. من هذه الكلمات:

عام 1205

أمير البحر

Admiral

عام 1635

البراق

Alborak

عام 1362

الكيمياء

Alchemy

عام  1610

الله

Allah

كما يقول تايلور ويبدو أنها أقدم من ذلك بكثير:

عام 1534

الكحول

Alcohol

عام 1635

البراق

Alborak

عام 1451

الجبر

Algebra

عام 1230

الخوارزمي

Algorism

عام 1391

المناخ

Almanac

عام 1447

الحمالة

Amulet

عام 1602

عرق

Arrak

عام 1259

دار الصناعة

Arsenal

عام 1259

الحشاشون

Assassin

عام 1625

بخشيش

Baksheesh

عام 1205

حبل

Cable

عام 1420

القند

Candy

عام 1552

القيراط

Carat

عام 1534

الكحول

Alcohol

عام 1635

البراق

Alborak

عام 1451

الجبر

Algebra

عام 1314

صك

Cheque

عام 1406

شطرنج

Chess

عام 1399

الصفر

Cipher

عام 1598

قهوة

Coffee

عام 1300

ترجمان

Dragoman

عام 1266

الاكسير

Elixir

عام 1582

غزال

Gazelle

عام 1621

قيثارة

Guitar

عام 1562

أنف العنزة

Influenza

عام 1562

ياسمين

Jasmine

عام 1685

خمسين

Khamseen

عام 1592

جرّة

Jar

عام 1361

العود

Lute

عام 1400

مسجد

Mosque

عام 1540

صداع

Soda

عام 1625

صفة

Sofa

عام 1289

سكّر

Sugar

عام 1591

تعريفة

Tariff

وفي إحدى مسرحيات وليم شكسبير (١٥٦٤-١٦١٦) كلمة ذات سبعة وعشرين حرفاً وهي أطول كلمة في الانجليزية وهي:

Honor ifica bilit udini tatib us

وهناك من يقول، ولا أظنه جادّاً في ذلك، إن هذه الكلمة الأفعوانية عربية المنبت مؤلفة من ست كلمات هي: انظري في قلبي لتوديني (و) تعطي بوسة.

الكلمة honour لاتينية الأصل وتعني

the state of being able to achieve

ومنذ منتصف القرن العشرين فصاعدا تكاد كل جامعة معروفة في بلاد العالم قاطبة تدرّس اللغة العربية وآدابها والإسلام. وفي نفس الفترة نادى المستشرق الانجليزي المعروف H.A.R. Gibb بالتعلم عن العرب للعمل معهم على أساس تبادلي. ولا بد من الإشارة إلى أن العربية أصبحت لغة رسمية في مجلس الأمن بالإضافة إلى الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والروسية والصينية في ٢٠/١٢/١٩٨٢ وفي الجمعية العامة للامم المتحدة منذ ١/١/١٩٨٣. وبعد حوادث الحادي عشر من أيلول-سبتمبر ٢٠٠١ ازداد الإقبال على تعلم اللغة العربية في أمريكا وأصبح الاهتمام بالمسلمين والإسلام موضوع الساعة في وسائل الإعلام المختلفة من مكتوبة ومذاعة، ويشاهد المتابع في العديد من الأحيان أساتذة للغة العربية والإسلام في الغرب يتكلمون عن الأحداث الإرهابية وعلاقة ذلك بمنظمات إسلامية متطرفة، والحق يجب أن يقال إن العديد من أولائك المتحدثين لا يكادون ينطقون ببضع جمل سليمة في العربية الأدبية الحديثة، ناهيك عن أية لهجة عربية معاصرة. أولائك الأساتذة "الفطاحل" والباحثون في العربية والإسلام والمترجمون من العربية المكتوبة إلى لغاتهم يفقهون القراءة فقط، قراءة ما كتبه الأقدمون ولا يفهمون ما يقوله الأحياء القاطنون بين ظهرانيهم ولا يُفهمونهم!.

جامعة هلسنكي - Haseeb.Shehadeh@Helsinki.Fi