عبدالله الأخطل في ذكراه الثانية ... لاحقه ظل الأخطل الصغير وهو لثم جناحه
بعد صدور كتابه الأول (الديوان الأخير) في مطلع سنة 1981 زرت ورياض فاخوري الشاعر عبدالله الأخطل في بيته لتهنئته، والتمنّي بألا يكون الأوّل أخيرًا في نتاجه. ردّ على التهنئة مازحاً: - وكيف لا يكون الأول أخيراً، ألا ترون ظل الأخطل الصغير يلاحقني? (الأبوة فرضت ذلك) قال فاخوري، والتفت إلي فأوضحت: - على الغلاف الأول من (الديوان) كتبت اسمك: عبدالله الأخطل، وفي أسفل الصفحة الثانية وقّعت: عبدالله بشاره الخوري، ألا ترى انك تمشي في دربه، وهل شكّل الأخطل حاجزاً بينك وبين الشهرة? أخذ نفسًا عميقًا وقال: (هذا ما كنت أتوقّعه، (الكل) سيقول انني أقف في ظلّ والدي، وأن شهرتي من بعض دفء عباءته الواسعة والمطرّزة بنجوم الشرق، وقد ألبسه الشرق تاجه). أضاف: (أفاخر بأنني ابن الأخطل الصغير، وأكبر وأعتزّ، وسمّيت وحيدي باسمه، ولكن أن أطلع شاعراً من تحت عباءته ـ كما يطيب لبعضهم القول ـ فهذا إجحاف ما بعدها إجحاف) (...) واستجمع صوته، حدّق بنا مضيفاً: (أعشق شعر الأخطل، هو الخبز الذي ربيت عليه، وكبرت بفضله، وتوسّعت آفاقي، وربما هو بذرة موهبتي التي أطلقتني الى الضوء، لا لأكون نسخة عن الأب، بل سعيت بكل ما أوتيت أن تكون لي هويّتي الخاصة. وانتظرت سنوات وسنوات لأعلن ولادتي... متأخرة). (إن مَن يقرأني في "الديوان الأخير" من دون أحكام مسبقة، سيكتشف ملامحي والعلامات الفارقة في قصائد ما عرفتْ إلا قلمي).
"لذا"، تابع عبدالله: "وضعت في مستهلّ الكتاب ما يختصر وقوفي في حضرة أبي: عبء مهول على كاهلي هو مجد والدي! الى أي مقاس منه يمكنني أن أرفرف قد يقرأني ـ بفضله ـ الكثيرون وما قصدهم سوى المقارنة... سامحني الله وبيّاك يا أبي. بخشوع ألثم جناحك!".
* * *
المقارنة فلشت الجناحين طوعاً، وما استقرت في موقع، وبرغمها نال (الديوان) ما استحق، وأُعيد طبعه مرّات ست. وكان الشاعر ثبت فيه نظرته الى: النشر، شعرالحداثة، القصيدة الطويلة... في حوار (ذاتي) بلا صوت... ويظهر أن الكلمة كانت أقوى من الصوت، فوصلت وفعلت فعلها، ودفعت عبدالله الأخطل الى تلّمس النجاح الذي انتظره، فأصدر سنة 1984 ديوانه الثاني(عمري ألف عام) (أو ما بقي لي منه)، وزيّنه بلوحات من وحي القصائد نفذتها ريشة الشاعرة والرسامة باسمة بطولي.
... وبدأ الديوان الثاني بحوار (ذاتي أيضاً) كما في الأول، لكن بصخب وعلى التلفون، تابع فيه شرح أفكاره وتطلعاته الى علامات أساسية في الحياة، وبأسلوب رقيق يقترب من الظرف والرهافة. ولم يترك لقصيدة أن تقفل الكتاب ـ الديوان، قبل أن يرسم بكلماته صورته (أوتوبورتريه) متابعًا الشرح الذي وصل الى حد الايضاح، والوقوف في الشمس.
* * *
في لقاء مع الشاعر عمر أبو ريشه في مكتب الخوري يوسف عون (بناية اللعازاريه ـ بيروت) تشعّب الحديث والموضوع واحد: شاعرية عبدالله الأخطل، وكان الخوري يوسف يقف في ثياب محامي الخصم، ما دفع عمر الى وضع نهاية للحديث، قال:
(لو استطاع (أقول لو) عبدالله الأخطل أن يجلس على كرسي والده، لظلّت الناس، (وما أصعب حكمها ـ وهو جائر) تقول انه نسخة طبق الأصل، ليس الأصل).
(لو كان عبدالله ابن رجل غير الأخطل، لصفّق الناس لشاعريته، وشاهدوه يطلع اليها بثيابه لا بثياب والده).
أضاف: (هذا قدر مَن يولد في بيت شاعر كبير، أو موسيقي كبير، أو رسام كبير. يظل اسم والده يمشي أمامه، وكأنه يمسك بيده واسمه وشهرته...).
قاطعه الخوري يوسف باسم أمين نخله، وكان جواب عمر أسرع من المقاطعة: أمين شاعر الشعراء، ولم يستطع اسم رشيد نخله أن يقف أمامه، وحتى لو كان الأول في الزجل وأميره... وقد جاء الأمين ليكتب مقدمةً لديوان والده، وهي ضربة معلّم ( وبعد... لا تسأل)!
* * *
عبدالله الأخطل الذي نحتفل في مثل هذه الأيام بالذكرى الثانية لغيابه، نعود الى ديوانيه، نقرأ وجهه الرضي، وصوته الهادئ، وابتسامته الوادعة على محبة.
زيارتي الى منزله تكرّرت:
مرات مع رياض فاخوري وغادة الخرسا وكنّا نعدّ معاً لإصدار مجلة (غاده)، ورسمنا معه ملامحها، وتصوّراً لدور ثقافي، لكن الظروف حالت دون ذلك.
... ومرّات نلتقي به مع أصدقاء، وهو فتح لهم قلبه وبيته فاجتمعوا على كأس وحديث وشعر، وذكريات حملت اليه إحداها في عدد من مجلة الشحرور لصاحبها عبده بدران غصن (15 نيسان 1951) وفي العدد صورته والإعلان عن ترشّحه للانتخابات النيابية، مع أبيات زجلية كتبها غصن تحت عنوان: (يا حبيب الشعب) وفيها:
يا حبيب الشّعب يـا فخْر الشبـاب عِنْدك عقيدي ثـابْتي بْحبِّ العمـلْ
رجَّعْت شمس الخير من بعد الغياب وحاربْت جيش اليأس بِسيوف الأمل
وْمِن سما لبنـان كشّحت الضّبـاب تا صـار رسْمَك بالجبل مطمح قُبل
ألله معك لا تخـاف بعد الانتخـاب بِتـْروح بتهنـّيـك أرزات الجبـل.
ضحك عبدالله الأخطل مليًّا بعد قراءتي الأبيات وعلّق:
- (ما عاد في أرز بالجبل تيهنّي).
... وضحكنا قبل أن نشاهد وجهه وقد تغيّرت فيه الملامح. قال بصوت خفيض:
(رح نعيش تنشوف الجبل والأرز ولبنان موحدين... كل لبنان، من آخر حبة تراب بالجنوب، لآخر حبة تراب بالشمال، من آخر نبته خضراء بالبقاع لفقش الموج. رح نعيش تنشوف السلام والآمان رجعو ع الوطن).
ختم: (السياسة أقفلنا كتابها. لم تعد كما كانت أيام زمان. سقى الله تلك الأيام ورجالاتها).
* * *
بعد إحياء ذكرى والده في مهرجان أقمته باسم مجلتي (صدى الأرز) في معهد الرسل ـ جونيه (15 كانون الأول 1968)، وشارك فيه أدباء وشعراء منهم: فؤاد الخشن، فوزي سابا، رياض طه، فاضل سعيد عقل، عصام كرم، جورج غانم، أسعد سابا ، جورج أبو سعدى ... قبّل عبدالله الأخطل جبيني. اليوم، أنا أقبل ذكراه، أقبّل قصائده.
الأنوار