الرواية الصينية "المنشقَّة" في العربية

شوقي نجم قرأها 5
 

تعرية الروح المحكومة بالإيديولوجيا الماوية

vgrtlloo3333.JPG

ثمة مجموعة لا بأس بها من الروايات الصينية، "المنشقَّة" اذا جاز التعبير، ترجمت الى العربية أخيراً، منها رواية "باب السلام السماوي" لسان شا، "بجعات برية" ليونغ تشانغ المقيمة في بريطانيا، "بالزاك والخياطة الصينية الصغيرة" لداي سيجي حامل جائزة "غونكور" والمقيم في فرنسا، "نصف الرجل امرأة" لزانغ كزيليانغ، "جبل الروح" لغاو كيسينغيان حامل جائزة نوبل والمقيم في فرنسا، و"شنغهاي بيبي" للكاتبة وي هيوي. تحمل هذه الروايات دلالات ثقافية وسياسية واجتماعية عن "روح الصين" الشعبية المحكومة بالايديولوجيا الماوية، وتأتينا من جهة الغرب.

لقارئ الروايات الصينية "المنشقة"، أن يعرف مسار الواقع الصيني في ظل النظام التوتاليتاري الماوي. تبدأ رواية "باب السلام السماوي" لسان شا، من أحداث ساحة تيان آن مين الطالبية، وتحكي عن الخوف الذي عاشته الفتاة أيمي في ظل النظام الشيوعي. الرواية رقيقة وقاسية. دماء الطلاب تغمر ميدان تيان آن مين. هي دماء أطفال الصين الحديثة الذين نشأوا في ظل الايديولوجيا الخانقة التي طبّقها النظام الماوي. تختبئ أيمي، لتغادر بكين. تجتاز آلاف الكيلومترات، هرباً نحو الجبال، فيلاحقها الجندي زاوا بلا هوادة، يدفعه الى ذلك إيمانه الذي لا حدود له بالنظام الأعمى. في نهاية هذه المطاردة الطويلة، هل يقع زاوا في أسر الجمال والشعر، وهل يتجاهل الطريق التي اختارت ايمي اكتشافها؟ هو، رغماً عنه، سيصبح بطل قصة عشق "طاهرة" يشوبها الاضطراب. نقرأ الرواية الغارقة في سرد جميل مشوق ورائع يحكي الألم الذي يعيشه كل من البطلة الهاربة والجندي الذي يقود عملية الملاحقة، ونعيش في بعض مقاطعها الأجواء الشعرية والتفاصيل السياسية والانسانية، من دون الاغراق في الكليشيهات النضالية. هي أشبه بفيلم سينمائي عن "ثورة الاحلام"، او هي سفر سينمائي وسمفونية شعرية عن الحب في زمن الواقع المرير.

" بجعات برية"

اذا كانت رواية "باب السلام السماوي" تتحدث عن جيل "ربيع بكين"، فـ"بجعات برية" تجمع في ثنايا أحداثها بين حميمية المذكرات وملحمية الرواية، راصدةً مسيرة ثلاثة أجيال. تكتب يونغ تشانغ عن جدتها التي بيعت من جنرال عسكري زفّت إليه أياماً ثم ذهب ليتابع معاركه والعيش في جوار أخريات وزوجة رئيسية تقيم في مدينة أخرى بعيدة، فيما بقيت الجدة ست سنوات ممنوعة من الخروج إلى الشارع. تنتقل الكاتبة إلى قصة والدتها التي شاركت في حرب الاستقلال وساعدت الشيوعيين الذين جاؤوا ليوقفوا نزف الظلم والمجاعات وتسلط الرأسماليين، وليصححوا الأخطاء، لكن ليقعوا في أخطاء أكثر هولاً وشدة وتشدداً، إذ حسبوا انهم يوزعون العدالة على الجميع فيما هم يوزعون البؤس بالتساوي على الناس. الكاتبة تشانغ هي ابنة مخلصة، تربت على تعاليم ثورة ماو الثقافية ومعه كبار المسؤولين في الحزب الشيوعي الذين نذروا حياتهم للحزب. تفتحت عيناها وعقلها على زملاء لها ينضمون الى الحرس الأحمر ويخرجون الى الشوارع والجامعات ليطبقوا تعاليم ماو، ويعاقبون معلمة في مدرستهم بالضرب لأنها تزوجت من رجل التقت به صدفة في حافلة وأحبته، لأن الحب بالمصادفة ضد الأخلاق الماوية، ويحرقون كتب الأدب الكلاسيكي الصيني، ويحرمون المسرح لأنه قد يحمل إيماءات لأخطاء ماو السياسية. تتفتح الكاتبة على حقائق مغايرة لما كانت تظنه عدلاً. تقول في أحد مقاطع الكتاب: "فيما كان الطلبة يشعرون بالإثارة لأنهم يستعرضون سلطتهم على الكبار، وقفت في المقهى فوق رأس رجل عجوز اعتبرناه عدواً طبقياً وبورجوازياً لأنه يجلس في مقهى، والجلوس في المقهى يعدّ نمطاً من الحياة البورجوازية السابقة التي يجب أن تمحى، وكل ما سبق ماو يجب أن يزال، تمالكت شجاعتي وقلت له: "قم غادر من هنا". سألني: "إلى أين؟"، قلت اذهب الى بيتك. فقال: "أي بيت؟" إنني أشترك مع حفيدي في غرفة صغيرة، لديّ زاوية محاطة بستارة من الخيزران للسرير فقط وعندما يكون الأولاد في البيت آتي هنا لبعض الوقت للراحة والهدوء. لماذا تحرمينني من هذا؟". "بجعات برية" رواية تجعل القارئ يتوغل في الصين، كما هي في التصور وفي واقع سجونها، في مشاهدها الجماهيرية الحاشدة كما في مقصورات النساء والخليلات. إنها في آن واحد، عمل مهم من أعمال التاريخ المعاصر، وشهادة غير عادية عن الروح الإنسانية.


"الخياطة"

في "بجعات برية" نقرأ ان جنود ماو يحرقون الكتب الصينية الكلاسيكية، اما في رواية "بالزاك والخياطة الصينية الصغيرة" لداي سيجي فيبدو ان الكتب تغيّر الحياة، وتكشف اسرار الكون والجمال. نعلم ان داي سيجي اتى من اللغة الصينية الى اللغة الفرنسية، كما جاء من السينما الى الرواية. وفي انتقالاته تلك بعض ما يسم روايته هذه، "بالزاك والخياطة الصينية الصغيرة"، اذ يروي قصة شابين أرسلا الى مزارع التأهيل والإصلاح بسبب مخالفات فكرية عقائدية لوالديهما، ثم صارا مغرمين بقراءة الكتب الأجنبية الممنوعة التي سرقاها من زميل لهما. تحيل الرواية على الممانعة التي نشأت في رحم الايديولوجيا الصينية المهيمنة في صين ماو. الراوي وصديقه يؤديان، بالتناوب، دور شهرزاد الادب الغربي، الفرنسي تحديدا، في ممانعة ودفاع عن النفس. ثمة شاعرة مصنّفة "عدوة للشعب"، تتظاهر بحياكة الصوف بينما "تكتب قصائد في رأسها". وهذا ابنها الملقب طوال احداث الرواية بصاحب "النظارة الانفية"، اي التي تثبَّت على الأنف، من دون ان نعرف اسمه الحقيقي، يخفي حقيبة ملأى بالروايات الغربية، مصدر حبكة الرواية. ففي مجتمع حيث يُنفى المثقفون إلى الريف من أجل إعادة تأهيلهم على أيدي الفلاحين الفقراء، نجد الخياطة الصغيرة وقد حولها الاستماع الى روايات بالزاك تحويلا جذريا فتهرب الى مدينة كبيرة، تماما مثلما غادر المؤلف الصين الواسعة المساحة، الى ثقافة "الآخر"، الأوسع في انفتاحها. في نهاية الرواية نقرأ العبارة الآتية: قالت لي ان بالزاك جعلها تفهم شيئا: جمال المرأة كنز لا يقدَّر بثمن.


"نصف الرجل امرأة"

نستنبط من خلال قراءتنا بعض هذه الروايات الصينية "المنشقة" ان السلطة التوتاليتارية الصينية تعتبر المختلف عنها "عدوا للشعب"، وتحارب العقل والتفكير وتريد جعل الناس على سوية واحدة في خدمة ماو وثوراته الغامضة. ففي رواية "نصف الرجل امرأة" لـزانغ كزيليانغ، نقرأ عن عالم الصين الداخلي وناسه المقموعين في معسكرات العمل والمزارع النائية حيث يتحول الإنسان إلى مخلوق مجرد من أحاسيسه ورغباته، ينفذ فقط أوامر مكبرات الصوت. حين كان زانغ في الحادية والعشرين من عمره، أمضى عنفوان شبابه متنقلا بين السجون ومعسكرات العمل والمزارع التابعة لها. بعد إتمام تأهيله أطلق سراحه عام 1979، ليعاود الكتابة وينضم إلى أسرة تحرير مجلة "شوفانغ" الأدبية، ومن خلالها ينشر قصته الأولى "روح وجسد". أثارت روايته "نصف الرجل امرأة" ثورة، بسبب تناوله ثالوث المحرمات في الصين الذي يشمل السياسة والهوى وعدم التكيف. تغطي أحداث الرواية المرحلة الأخيرة من الثورة الثقافية التي تنتهي بمقتل الثائر زو ابنلاي في كانون الثاني، قبل وفاة ماو في ايلول. تبدأ أحداثها في ربيع عام 1966، حين كانت "الثورة الثقافية" تستعد للانطلاق بهدفها المتمثل في تغييب إرادة الإنسان لصالح السلطات. كان زانغ في الثلاثين من عمره وقد دمغ بوصمة "عدو الشعب" وذلك من خلال ارتدائه قبعة ورقية. وحينما كان الزملاء يتسامرون في الليالي ويصفون توقهم للمرأة، كان هو يدفن رأسه في الكتب ويتساءل: "الحب الطاهر، الخوف وارتعاشة الحب الأول، الشذا والعبير، توهمات الغرام، أين أضحت كلها اليوم؟ لقد أبادتها السجون والوقوف في الصف والمناداة بالأرقام وعملية إحصاء السجناء والسير إلى العمل". تتجلى السخرية المرة لدى زانغ عندما نقرأ العبارة الآتية: "كانت الثورة الثقافية في صدد تحطيم الرقم القياسي العالمي في إحصاء عدد (المجرمين)". وحينما يتعرض لقرار الثورة حلق رؤوس السجينات لتجريدهن من أنوثتهن، يصف ما رددته امرأة عجوز عندما أتى دورها، "خطيئة خطيئة، لقد سقطت الثورة على رأسي". هكذا يروي زانغ مأساة الصين داخل ذاته وتساؤلاته وعجزه المريع. انها رواية غريبة وآسرة لعالم نكتشفه مجدداً، لقارة انطوت على نفسها وناسها، وراء سورها العظيم.

تتحدث الروايات السابقة بشكل او بأخر عن واقع الصين الماوية، بينما يعاود الروائي "المنشق" غاو كيسينغيان الذي ترك بلاده بعد أحداث "ربيع بكين"، كتابة تاريخ بلاده من خلال الأسطورة. رواية غاو الرئيسية "جبل الروح"، مفعمة بالبحث عن جذور السلام الداخلي للإنسان، تعتمد الحرية كمنطلق لهذا السلام. يقول الكاتب انه لا يرى شيئا آخر في الحياة اهم منها، وان حرمانه من الحرية طوال حياته حتى فراره الى فرنسا، هو الدافع الرئيسي وراء هذه الرواية وبقية الأعمال الفنية التي قدمها خارج وطنه بعدما منع الحزب الشيوعي الصيني نشر رواياته وقصصه ومنع عرض اعماله المسرحية.


"الغرب آتٍ"

لا تكتب الروائية الصينية وي هيوي في روايتها "شنغهاي بيبي" عن الواقع الشيوعي الذي فرضته الماوية، بل عن التحولات التي احدثتها الثقافة الغربية في المجتمع الصيني، والتي لطالما كانت منبوذة من النظام الماوي الغريب الاطوار. أثارت روايتها حفيظة السلطة الصينية، لأنها تتناول مجتمع الشباب الحالي في شنغهاي، الذي يرقص على إيقاع الموسيقى الالكترونية ويتعاطى المخدرات ولديه علاقات غرامية عابرة ولا يؤمن بالسياسة. كان من "الطبيعي" أن يقوّم النظام الشيوعي الرواية على طريقته الخاصة ويصفها بأنها "إباحية وفاسدة ومنحطة وعبدة للثقافة الغربية". ومن "الطبيعي" أن تفضي الرقابة إلى النتيجة المعروفة دائماً في حالات كهذه. تروي الكاتبة في "شنغهاي بيبي" سيرة ذاتية لطفلة متحذلقة تُدعى كوكو، معجبة بهنري ميللر. تحلم كوكو بأن تصبح كاتبة، بينما تتقاسم الفراش مع صديق وفي وشخص ألماني أنيق. وي هيوي، ابنة ضابط حربي، كانت أمضت ثلاثة اعوام من طفولتها في معبد احتله الجيش، وشرِّد منه رهبانه خلال فوضى الثورة الثقافية في الصين. درست الأدب في جامعة فودان في شنغهاي، وتنقل روايتها التحولات في الصين وحماسة الشبان للحرية.
لا ننسى من نجوم الصين "المنشقين" الشاعر بي داو، أحد أكثر كتاب "الدياسبورا" الصينية نشاطا وعملا. ولد في بكين عام 1949، ليصبح في السبعينات "الناطق الرسمي" باسم جيل من الكتّاب وقعوا ضحية الثورة الثقافية حيث تمّ منعهم من النشر وحتى الكتابة. يعيش غالبية وقته متنقلا بين الولايات المتحدة وأوروبا، على الرغم من استمراره بالكتابة في لغته الأم، "إذ إن اللغة هي التي لا تزال تدعمني في العيش". لم تصدر كتب له بالعربية لكن ثمة ترجمات كثيرة لقصائده. "اللغة" تدعم بي داو في العيش. كتب بالزاك تغيّر حياة الابطال في رواية داي سيجي. الشعر يحضر في رواية سان شا، وهنري ميللر هو ملهم صاحبة "شنغهاي بيبي". وفي الكتب كان زانغ كزيليانغ يدفن رأسه ليكتشف الحب. هكذا تكون الكتب منارة للتغيير والانعتاق من كوابيس الانظمة التوتاليتارية.


نقطة لافتة، أن معظم المشاهير في الادب الصيني يكتبون باللغة الفرنسية او الانكليزية، ونالوا جوائز كثيرة.


(•) "باب السلام السماوي" لسان شا، ترجمة اسكندر حبش. "بالزاك والخياطة الصينية الصغيرة" لداي سيجي، ترجمة محمد اليوسفي، والروايتان عن "المركز الثقافي العربي". "بجعات برية" ترجمة عبد الاله النعيمي، عن "دار الساقي". "جبل الروح" لغاو كيسينغيان، ترجمة انطون حمصي، عن "دار المدى". "نصف الرجل امرأة" لزانغ كزيليانغ، ترجمة ميرنا أبي نادر، عن "المجمع الثقافي". "شانغهاي بيبي" لوي هيوي، ترجمة ظبية خميس، عن "دار الجمل".

fghjkliuytre87654.JPG