تاريخ الطباعة العربية في المشرق - البطريرك الإنطاكي كان سبّاقاً
|
تاريخ الطباعة العربية في المشرق - البطريرك الإنطاكي كان سبّاقاً | |
|
يسع المرء ان يستنبط تأثير المطبعة على الحياة الاجتماعية والثقافية والدينية في الشرق من خلال قراءة كتاب "تاريخ الطباعة العربية في المشرق/ البطريرك أثناسيوس الثالث دبّاس" لانطوان قيصر دبّاس ونخله رشو الصادر عن "دار النهار". والحال ان الكتاب يلقي الضوء على صفحة مطوية من تاريخ النهضة والثقافة في بلاد المشرق، ويرفع الغطاء عن الدور الرائد الذي لعبه بطريرك انطاكية للروم الأرثوذكس أثناسيوس الثالث دبّاس الدمشقي في تاريخ الطباعة العربية. فقد ظهرت أول مطبعة عربية لغة وحرفاً، على خلاف ما هو شائع، عام 1701 في دير |
|
|
والدة الاله في بوخارست (رومانيا)، على يد البطريرك أثناسيوس الثالث الذي عاد الى المشرق وأسس أول مطبعة عربية فيه عام 1706 في مدينة حلب. نشأ البطريرك وترعرع في مدينة دمشق، وتتلمذ في دير القديس سابا الكبير في القدس الذي يعتبر ظاهرة مميزة في تاريخ الكنيسة، ومركزاً ثقافياً ولاهوتياً مهماً في القرنين السابع عشر والثامن عشر. من هذا المنطلق لا يُستغرب اهتمام البطريرك وسعيه الحثيث في إنشاء مطبعة عربية في أبرشية حلب، حيث تولى مهمة الناشر إذ تعهد باختيار المخطوطات ومراجعتها قبل نشرها، وعمل معه فريق فني في إعداد الأحرف وتصفيفها. ساهمت عوامل عدة في اختيار حلب لتكون مقراً لورشة الطباعة، أولاً لكون البطريرك أثناسيسوس الثالث رئيساً لاسقافتها ومقيماً فيها، ثانياً للحضور الاوروبي المتمثل في التجارة والمرسلين، مما أدخل حركة جديدة في الحياة الكنسية والاجتماعية للطوائف المسيحية، تمثلت في ترجمة الكتب الدينية من اليونانية الى العربية، ومراجعة البطريرك دباس مخطوطات دينية كثيرة، مما دفعه الى السعي للاستفادة من فن الطباعة للحفاظ على استقامة التعليم، ثالثاً علاقته القوية بأفراد في رومانيا. هكذا وصلت الطباعة الى حلب، ومنه راحت تسلك الطريق الى اقطار الشرق عموماً، وتعود أسباب ذلك الى ان العثمانيين كانوا ينظرون الى الطباعة بارتياب لانهم رأوا فيها بارقة وعي تشرق في أذهان الشعوب المحكومة، وتصلها بأجواء الوعي الفكري الذي كان يصطخب في دنيا الغرب آنئذ. ما هي الأمكنة التي تأسست فيها مطابع بعد رومانيا وحلب؟ كان للسلطنة العثمانية مطبعة ثالثة في اسطنبول عام 1726، تبعتها بعد ذلك ثلاث ورش للطباعة لدى المسيحيين، في الشوير بجبل لبنان عام 1734، وجاسي مولدوفا عام 1745، وبيروت عام 1751. وتعد ظاهرة تأسيس ست مطابع عربية خلال نصف قرن علامة بارزة في عملية التحول التي أقدم عليها المجتمع العثماني في القرن الثامن عشر، وسمة من سمات الانتقال الى مرحلة جديدة هي مرحلة الإصلاح والنهضة التي سيلعب فيها الكتاب المطبوع دوراً بارزاً. في تلك الحقبة لم يكن نقل الآراء الجديدة والمعارف العصرية وتداولها والتعريف بها على نطاق واسع، ممكناً إلا عبر الكتاب المطبوع، كما أن أفكار الإصلاحيين التي ظهرت في تلك الفترة، جاءت تعبّر عن رغبة شديدة في تغيير المجتمع والتوجه نحو استخدام أدوات ثقافية متطورة. إذا عدنا إلى نهاية القرن السابع عشر، اكتشفنا ان البطريرك وضع تاريخ البطاركة الأنطاكيين من عهد بطرس الرسول الى أيامه، وأهداه باليونانية الى أمير رومانيا برانكوفياني، بينما فقدت النسخة العربية منه. في الفترة الممتدة بين 5 آب 1724 وتشرين الثاني 1725 نقلت المطبعة التي أسسها البطريرك في حلب مع كامل تجهيزاتها وآلاتها من المطرانية إلى لبنان بينما نقلت المخطوطات والكتب والرسائل ومعظم الأرشيف الى المقر البطريركي في دمشق. المفارقة ان النشر العربي عرف بدايته في بلدان غريبة عن هذه اللغة، فكان الاوروبيون سبّاقين الى طبع الكتب العربية منذ القرن السادس عشر. وبعد مرحلة المحاولات والتجارب في القرن المذكور، ازدهرت المطبعة العربية في القرن السابع عشر. واهتمت مدن اوروبية بطبع الكتب العربية وخصوصاً في رومانيا وايطاليا وفرنسا وهولندا والمانيا وانكلترا. وكانت المنشورات العربية في اوروبا موجهة جزئياً الى المشرق، وتم توزيع الكثير من النسخ في بلاد الشام، فكانت ردود فعل المسلمين والمسيحيين تجاهها متناقضة. يبين الكاتبان ان المسيحيين في اوروبا شعروا بضرورة التعرف الى الشرقيين وخصوصاً المسلمين منهم منذ فتح الأندلس بقيادة طارق بن زياد، ثم انكبوا على ترجمة المؤلفات الإسلامية الكبرى. وعندما شعرت الكنيسة بمكانة المهمة التي صارت اليها الثقافة العربية، وأحست أيضا بقوة المسلمين في جميع الميادين، وخصوصاً بعد الاحتكاك بهم أثناء الحروب الصليبية، قرّرت تركيز اهتمامها على معرفة إنجازاتهم العلمية وتعلم لغاتهم. يتوقف المؤلفان عند حدثين مهمين في تاريخ الاستشراق في القرن الخامس عشر، أولهما عام 1445 تاريخ اكتشاف المطبعة في اوروبا، ثم عام 1453 عندما فتح العثمانيون بيزنطية. ان اكتشاف غوتنبرغ الذي استخدم الطابعة المتحركة عام 1450 في ستراسبورغ جاء في خضم التحولات الفكرية التي عرفت باسم النهضة، مما دفع بالأوروبيين الى طبع المؤلفات اليونانية والرومانية القديمة ونشر الكتب العربية والعبرية. اما تقدم العثمانيين في اوروبا فأزعج الملوك الأوروبيين، وأما البابوات فحرصوا على ارسال مبعوثين لهم الى الشرق بقصد رصد المشاريع العسكرية للسلاطين والأتراك في المجتمعات المسيحية. ان هذه التحولات أعطت الدراسات العربية مكانة مميزة، وفي هذه الظروف برز أول كتاب عربي مطبوع في 12 ايلول عام 1514 في ايطاليا وهو كتاب "صلاة السواعي"، وطبع "القرآن الكريم" وكتب أخرى. الطباعة حكاية قلبت العالم رأساً على عقب. | |

