رحيلُ مُقيمٍ... (إلى الإنسان الإنسان... ماجد عليّان)

حنا نور الحاج قرأها 18
 

رحيلُ مُقيمٍ...

(إلى الإنسان الإنسان... ماجد عليّان)

حنـّا نـور الحـاجّ

انحبست العَبرة في العين. استقرّتْ في القلب المُحِبّ لك ولكلّ المحبوبين أمثالك. انحبستْ حين بلغني خبر رحيلك الذي لا يصدَّق. ماجد؟! ماجد يرحل؟! لعلّ في الخبر خطأً أو خلطًا... ليته كان كذبة مُرّة ثقيلة! ليت كابوسَ اليقظة هذا كان كابوسًا نوميًّا!

 majid-3laian.JPG

ماجد، يا مَن في اسمك الثلاثيّ ("ماجد"... "مهنّا"... "عليّان"...) جمعتَ مجدًا كنتَ تشيّده، وهناءً تَمنَّينا أن يطول، وعلوًّا كنت في مَعارجِهِ... أخي ماجد، سلامي وشوقي لك، وعَبْرتي وحسرتي عليك.

يا ماجد، التعرّف بأمثالك يجعل المرء يكنّ المودّة لمدينة بأكملها. لو كان أمثالك من ذوي النشاط والعطاء والعمل هم الكثرة، لَمَا كنّا شديدي القلق على الجارة، شفاعمرو، المقبلة على انتخابات نتمنّى أن يجتازها أهلنا الشفاعمريّون بما يليق بمجتمع حقيقيّ. لو كان أهل المبدئيّة والأرْيَحيّة والحسّ الوطنيّ هم الكثرة، في شفاعمرو وفي سائر بلداننا، لَما تحوّلت الانتماءات الدينيّة والطائفيّة والعائليّة والفئويّة عامّة، لما تحوّلت هذه كلّها إلى غرائز وذرائع ودوافع للترشّح وللانتخاب. لو كنّا نُدين الانغلاق بممارسة الانفتاح، بممارسته لا بادّعائه، بممارسته لا بالتحدّث عنه مشيدين به، لو كنّا كذلك لَكَََََُـنّا في أوضاع أطيب. عجيبون غريبون نحن إذ نشكّل قوائم انتخابيّة تشمل مرشّحين من طيف انتمائيّ واحد -من أبناء ديانة واحدة، أو طائفة واحدة، أو عائلة واحدة، أو حارة واحدة، أو جندر واحد (ذكوريّ -بالطبع!)-، وفي الآن ذاته نقول بالفم الملآن أسنانًا ولسانًا وهواءً: إنّنا نمثّل الجميع!

اعذرني، يا ماجد، أنت والأحبّاء كافّة، لأنّي عرّجت على الموضوع الانتخـابيّ الانتحـابيّ، فإنّي قلق خائف على هذا المجتمع غيرِ المعافَى وغيرِ المُعفَى (من الأسقام، ومن المسؤوليّة)، وأتمنّى له دومًا أن تكون خميرته وملحه بالمقادير المطلوبة الكافية.

ما يزيد حزني، يا ماجد، أنّي لم أقابلك قَطُّ مذ أتينا لنعزّيكم برحيل عزيزك المرحوم والدك. آنذاك، قبل عامين أتينا لنعزّيك، والآن نأتي لنعزّي بك. رحيلان قاسيان ساقيان حزنًا. رحيلان متقاربان شكلاً وزمنًا. أذكر أنّك آنذاك، حين جلستَ إلى جانبي، أخبرتَني أنّ أبا ماجد لم تبدُ عليه يوم رحيله أيّةُ إشارة رحيل. كلّ ما بدا منه، صبيحة ذاك اليوم، كان احتفالاً بالحياة. وأنت، أنت يا ماجد! هل أقول إنّك كنتَ في قمّة العطاء في هذه الفترة؟ لقد قالها كثيرون سواي. كنتَ في أوج العمل الخيّر المعطاء. كنتَ عند الرحيل في مرحلة من العمر تتعانق فيها أحلامُ الصبيّ وهمّةُ الفتى وحنكةُ الشيوخ. كنتَ في مطالع الأربعينيّات، السنّ التي يقف فيها المرءُ فوق ربوة العمر يطلّ على الماضي والآتي -على الماضي للتذكّر والتحسّر والتعلّم والاستفادة، وعلى الآتي للتفكّر والاستزادة.

يا ماجد، النهايات -حتّى تلك السعيدة من بينها- تترك دومًا في الفؤاد غصّة. ورحيلك غصّة في غصّة في غصّة. لكن رغم كلّ ما حلّ بنا من حزن وأسى، ليس ثمّة أنسب من تمجيد الحياة، يا ماجد، يا حيًّا في الفؤاد وفي الوجدان...

ما أحلى الحياة!

ما أقسى الحياة!

تباركت الحياة...!

عبلـّين