في رعي الماعز
في رعي الماعز
خطيب بدلة
تناول الفتى (أبو الخطاب) من أبيه ورقةً من فئة الخمسمئة ليرة سورية، ووضعها في جيبه، ومشى نحو الباب، توقف وقال:
- بودي أشتري بطاقة موبايل بثلاثمية وعشرين ليرة، ويمكن ما أرجّع لك شيئاً من الخمسمية، لأني مفكر أعزم رفقاتي على ساندويشات شاورما.
ضحك الأب وقال له: طيب يا أبا الخطاب، تيسر.
غضبت والدة الفتى الصارمة التي لا يضحك وجهها للتحديث والتطوير ومشاريع محاربة الفساد، ولا للديمقراطية والتعددية السياسية!.. وقالت للأب:
- ما حدا نزع تربية الولد غيرك، دائماً تضحك في وجهه وتعطيه نقوداً من دون حساب.. بودي أفهم، إذا لم يجد دخلاً يعيش منه بهذا المستوى في المستقبل، فماذا سيفعل؟
قال الأب وقد سيطرت عليه حالة من المرح:
- صدقاً، يا حبيبتي، حينما ضحكتُ لم يكن ذلك لكي أشجعه على التبذير، ولكن الموقف ذكَّرني بواحد من أصدقاء طفولتي. سأحدثك عنه:
صديقي هذا اسمه مهنَّا، وكان لقبه، بسبب سماكة شفتيه، (أبو براطيم). وكان يدرس ويساعد أباه في رعي الماعز، وحينما حصلنا على شهادة البكالوريا أهَّله مجموعه للدخول في الهندسة الزراعية بحلب. ولأن أباه بخيل على نحو أسطوري فإنه لم يترك رجلاً في البلد يمون عليه إلا ترجاه أن يذهب إليه ويقنعه بالموافقة على تسجيله في الجامعة. وأخيراً وافق أبوه على الطلب، بعد أن وضع عليه شروطاً أصعب من شروط استسلام ألمانيا في أواخر الحرب العالمية الثانية! أهمها أن من حقه، أي الأب، إذا لاحظ أن مصروف مهنا في الجامعة سيدخل ضمن نطاق البذخ و(البهنكة) أن يجبره على ترك الجامعة دون أن يكون من حق الابن الاعتراض أو الاستئناف أو التلكؤ في المغادرة.
وفي أول سفرة لمهنا إلى حلب وقف في حضرة أبيه لاوياً رقبته مثل مرشح طيوب ومتواضع يطلب من الناس أن ينتخبوه، وقال له:
- أريد ثلاث ليرات، لأجل الذهاب إلى الجامعة!
صفر الأب صفرة فجائية جعلت أكثر من (شلعة) حمَام للجيران تطير مرعوبة، وقال له:
- ثلاث ليرات؟! الله يخرب ديارك ويطفىء نارك، لأيش الثلاث ليرات ولاك؟
أخرج مهنا ورقة مكتوبة ومحسوبة بدقة من جيبه وقال لأبيه مستأنساً بالورقة:
- ثلاثة أرباع الليرة ذهاب إلى حلب في الباص، وثلاثة أرباع الليرة إياب.
قال الأب:
- اشطب اشطب. اكتب مكانها نصف ليرة ذهاب ونصف ليرة رجعة.
قال مهنا:
- ياب، الأجرة إلى حلب ثلاثة أرباع، إسأل من تشاء عنها.
قال الأب:
- من دون ما أسأل، الأجرة ثلاثة أرباع الليرة في النهار، لكن الركوب في الباص العمالي بنصف ليرة.
دهش مهنا وقال:
- الباص العمالي، ياب، يطلع الساعة أربعة الصبح، ويصل إلى مفرق الكرة الأرضية بحلب الساعة خمسة، وأنا دوامي يبدأ في تمام الثامنة.
قال الأب باستخفاف: أي كلها على بعضها ثلاث ساعات، يمضيها الله لك إبني.
وبعد مفاوضات طويلة، شطب أبو براطيم بند الباص الداخلي، ففي رأي والده أن ركوب الباص ضروري لمن كان على عجلة من أمره، ثم شطب بند الصندويتش، واستعاض عنها بكسرة خبز مدهونة بالزيت على نحو خفيف، مع رشة ملح ورشة نعناعة على البيعة، وبذلك نزلت تكلفة السفرة من ثلاث ليرات إلى ليرة واحدة، مع وعد قاطع بأن يكتفي مهنا بالذهاب إلى حلب مرتين في الأسبوع، عدا أيام الفحص.
وهكذا استمر صديقي أبو براطيم يخوض المعركة تلو المعركة مع أبيه الذي كان يدفع ليرة واحدة مرتين في الأسبوع بنفس الصعوبة التي تغادر فيها الروح الجسد الدنيوي الزائل! حتى وصل إلى مطلع السنة الثالثة، ووقتها قرر أبوه شطب تسجيله في الجامعة!
لم يبق في البلد رجل مصلح، ولا امرأة عاقلة حنون إلا وذهبوا، إلى أبي مهنا، ورجوه أن يتراجع عن قراره المجحف الذي سيقضي على مستقبل ابنه، لا سيما أن اللقمة وصلت إلى الفم، دون جدوى. وحينما ألحوا في معرفة السبب قال: هذه الجامعة اللعينة قد جعلت سوية ابني مهنا في رعي العنزات وحلبها وصناعة الجبن والقريشة تتراجع باطراد!