"الكتابة بالطَّباشير" لفاطمة ناعوت

إبراهيم فرغلي قرأها 5
 

مقالات تبحث عن سراب الحداثة في مجتمعات ماضوية

 النهار

كنت قرأت مخطوطة المقدمة التي وضعها محمود أمين العالم لكتاب الشاعرة والناقدة المصرية فاطمة ناعوت "الكتابة بالطباشير"erfgvvvvvvv5.JPG قبل أن يصدر أخيراً لدى  "دار شرقيات"، لذلك عندما وقعت على نسخة من الكتاب الجديد شرعت في تصفح موضوعاته، قافزاً على المقدمة، وبدأت أشعر بالتوجس الذي يصيبني عند طبع كتاب جديد يقرر فيه صاحبه تجميع مقالات نشرت متفرقة. فلديّ حساسية سلبية تجاه هذا النوع من الكتب، التي تجمع أحياناً متناقضات ولا تسير موضوعاتها في خط واضح، وينقصها نوع من الجهد اللازم في التبويب. هي في الغالب تجعلني أتحسَّر على غياب دور "المحرر الأدبي" كما تعرفه دور النشر الغربية الذي من بين مهامه وضع تصور للشكل الذي يكون عليه الكتاب، وله سلطة مطلقة في الحذف واقتراح الإضافات أو إعادة الترتيب.

للوهلة الأولى أحسستُ أن كتاب ناعوت لا يخرج من تلك الدائرة، فها هي الموضوعات تبدأ بعلاقة العمارة بالحداثة، وترجمة الشعر، ثم تعرج على الحجاب، ومنه الى علاقة العلم بالأدب، فإلى الفن التشكيلي، وصولا إلى الحريات الفكرية، ثم تختتمه عن علاقتها بالكومبيوتر والقلم وارتباط الأخير بكتابة الشعر. اعتبرتُ ذلك سقطة، لأن نرجسية الكاتبة جعلتها ترى أن كل ما كتبته، حتى لو كان رأيا في موضوع صحافي سيار، يجب أن تضمه إلى متن كتاب يفترض تخصصه في نقد الفن.

أغلقتُ الكتاب وتأملتُ الغلاف الذي يحمل صورة للكاتبة كعنصر من عناصره الجمالية، فتأكد إحساسي بالنرجسية التي قد تفضي إلى عمى الكاتب عن فضائل الأفكار. لكني اعترف بأني عندما بدأت قراءة الكتاب، أوقعتْني الكاتبة في أحابيل إغواءاتها الفكرية باللغة الجيدة التي تمتلكها، وبحداثة أفكارها، وبمداخلها الخلاقة لموضوعاتها، وبقوة الاستنارة ووضوح الأفكار وجدّتها. فاكتشفت أنها لا تحتاج الى مقدمة محمود العالم على وجه الإطلاق.

استغلَّت ناعوت معرفتها العميقة في حقل تخصصها في العمارة والهندسة لتقدم بحثاً راقياً عن علاقة ما بعد الحداثة بالعمارة والشعر، وريادة العمارة في خلق مفاهيم ما بعد الحداثة، والتي انتقلت لاحقاً إلى ميادين النقد الأدبي والفنون، مرفقةً ذلك كله بصور إيضاحية، وشارحةً الأفكار التي بنيت عليها تلك التصميمات، من تعقيد وتناقض وتشظّ، كسمات لمرحلة ما بعد الحداثة.

تناقش الكاتبة صحة فرضية استنفاد الحداثة لشروط وجودها وبالتالي مدى احتياج المجتمع لفرضيات ما بعد الحداثة، إلا أنها ترى أن مراجعة ذلك لا بد أن تتم في إطار خصوصية المجتمعات الغربية التي نشأت فيها تلك الظواهر والتي قد لا تبدو متساوقة مع مجتمعاتنا العربية في ظروفها الراهنة.

تؤكد ناعوت أنه لا يزال أمام المجتمعات العربية طريق طويل للحداثة، فما بالك بما بعد الحداثة. يمكن تبين ذلك في الحجاب مثلا، من خلال مقال عنوانه "صعوبة أن تختصر في حذاء"، تجزم فيه أن إخفاء الشعر أو الوجه هو إخفاء لهوية المرء، في وصفها الهوية الربانية التي منحها الخالق، وليست الهوية المدنية التي تهبها الدولة متمثلة في رقم وبطاقة تعريف.

من الأفكار التي تكشف ابتعاد الحضارة العربية عن الحداثة، قضية المصادرة والرقابة، مع التركيز على منع كتاب "الوصايا في عشق النساء" للشاعر أحمد الشهاوي، الذي تعرض لحملة منع شديدة، بالإضافة إلى قراءتها كتاب "ثقافة كاتم الصوت" لحلمي سالم الذي قدم بانوراما واسعة للقرن الماضي، "قرن المصادرات"، على وصف الكاتب له. ومن أوجه ذلك، أيضاً، ندرة عدد ما نترجمه من لغات العالم إلى لغتنا العربية مقارنةً بدولة واحدة أجنبية قد تنتج من الترجمة في عام واحد ما تنتجه الثقافة العربية كلها في عشرة أعوام. بالإضافة إلى الركاكة التي تعتور كتابات الصحافيين، وأخطاء اللغة في الصحافة المصرية على نحو خاص ولدى كتّاب لا يعيرون اهتماما للنحو والصرف، وهذا ما عرجت منه على كتاب "لتحيا اللغة العربية ليسقط سيبويه " لشريف الشوباشي الذي أثار لغطا واسعا لدى صدوره بسبب التأويل المعاكس لما قصده الكاتب "إذ أوّل القراء الأمر على أن مؤلفه، شريف الشوباشي، يستعدي الناس على اللغة العربية ويطالب بهدم أجروميتها وقتل الأب سيبويه. والحال أن المؤلف على عكس ما سبق هو أحد الباكين على اللغة العربية وانحسارها". وترى ناعوت تعليقا على القضية التي أثارها ذلك الكتاب أن أزمة الخطاب اللغوي العربية حديثة ومرتبطة بتدنِّي المستوى الثقافي للفرد العربي.

وتربط المؤلفة هذه الأوضاع المناقضة للحداثة بقصيدة النثر، إذ ترى فيها عناصر تقف عائقاً أمام رسوخها في مصر، مشيرة إلى أن مشكلة قصيدة النثر كائنة أيضاً في معظم المجتمعات العربية التقليدية التي تكرس السيادة للهيمنة السلفية. لذا تنادي بقيام مجتمع مدنيّ فعليّ في مصر والبلدان العربية، وبانتهاج سوسيولوجيا التعدد وعدم نفي الآخر على اعتبار أن هذه المناداة "لم تعد ترفاً بوصفها حلماً بعيد المنال وإنما ضرورة حياة لكي ترتقي الفنون جميعها وتتحرر العقول المستنيرة التي في وسعها فعل الكثير لبلدها وللكون عبر الاعتراف بالتنوع والتعدد في الفكر والسياسة والاجتماع والفنون على السواء".

في مقال عنوانه "كل مكان مؤنث لا يعول عليه"، تتأمل الكاتبة حضور المرأة في قضايا التحديث وتغيير الخطاب، وفي أدمغة الشعراء والكتاب والفلاسفة، وكذلك في الإعلام والصحافة، لكنها تقع على ازدواجية في ذلك التناول عبر عدد من الظواهر لتقول: "أرجو ألا أكون عدمية حين أقول اننا نحيا عصراً حديثاً وما بعد حديث بأجسادنا غير ان الكثير منا لا يزال يخبئ داخل عقله كيانا بدوياً تقليدياً بكل خيامه ونوقه وصحاريه".

ومن مأساة ابن رشد تدخل ناعوت للتعبير عن مأساة الترجمة الحرفية في حال عدم معرفة المترجم بروح الثقافة التي ينقل عن لغتها، وهو مدخل إلى أزمة الترجمة العربية الراهنة بشكل عام، ثم تتحدَّث عن ترجمة الشعر في وصفها إبداعاً، وتراجع ما يشيع عن المترجم من صفات الخيانة واللصوصية والسمسرة بينما الشاهد "أن الترجمة هي فن الكشف أو العصا السحرية التي تزيل الحجب عن المتلقي الأجنبي لتضع ثقافات العالم بين أصابعه، وانتقال القصيدة من لسان إلى لسان يستوجب تحولاً في الصوتيات والميزان العروضي والصرفي بل وفي دلالات المجازات والتشكيل الاستعاري من مجتمع إلى آخر ومن زمن إلى زمن، ومن بيئة إلى أخرى"، ونقول أن الشاعر المترجم يجب أن يكون مبدعاً في ترجمته لا في قاموسه، وتقدم عدداً من الأمثلة العملية على ترجمة كلمة من اللاتينية إلى اللغات الأخرى وكيف يتم التصرف فيها طالما ان المقابل اللغوي في اللغة المنقول إليها لا يملك ثراء الدلالات في الكلمة المنقولة.

يقول محمود أمين العالم ان هذا الكتاب يشكل إضافة عميقة وجادة وملهمة إلى تراثنا النقدي المعاصر، لكني لا أزال أصر على أنه كان يحتاج إلى جهد في الترتيب والبناء واستبعاد ما هو خارج الموضوع.

dfyuiih666.JPG