"القانون الفرنسي" لصنع الله إبراهيم - فن خيانة الرواية
"القانون الفرنسي" لصنع الله إبراهيم
فن خيانة الرواية
إبراهيم فرغلي
لماذا انفلت عيار السؤال السياسي وتغلب على السؤال الفني؟
هذا سؤال واحد من بين مجموعة أسئلة راودتني في أثناء قراءة رواية "القانون الفرنسي" لصنع الله إبراهيم والصادرة أخيراً عن "دار المستقبل العربي" في القاهرة. هذا السؤال هو في الواقع أكثر الصيغ بروداً، وأقلها استنكارا لما دار في ذهني عبر القراءة. كانت روايات صنع الله إبراهيم بالنسبة اليَّ، منذ "تلك الرائحة" و"نجمة أغسطس"، مروراً بـ"اللجنة" و"بيروت بيروت" و"ذات" و"وردة"، وصولا إلى "التلصص"، هي تلك القادرة دائماً على صناعة الدهشة، والتي عادة ما تتضمن مفاجأة ما في البناء الروائي، وربما أيضا، مفاجأة ما في الحوادث وتصاعدها. كانت كلٌّ منها تبدو مغامرة فنية، وحدثاً أدبياً، ومحاولة للغوص في أعماق النفس البشرية، وتداعياتها، عبر قراءة غير مباشرة للسياقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تؤثر في مسار شخصيات الحدث، ومساحة لطرح أسئلة غير مطروقة عن المسكوت عنه، في ما يتعلق بالجنس، أو العلاقات بين الجنسين، وعن السيكولوجيا العميقة لنفسية الأنثى، بالإضافة إلى أنه تبنّى خطاباً روائياً إنسانياً، وليس ذكورياً، كما يشيع في النص الأدبي العربي، من دون أن يعدم ذلك الحس الذي يعكس شغف الكاتب بتتبع الأجيال الجديدة، وحركيتها، عبر تفاصيل دقيقة تتناثر في أرجاء تلك الروايات.
لكنني منذ رواية "أمريكانلي"، مرورا ًبـ"العمامة والقبعة"، شعرت بانحسار طموح صنع الله إبراهيم الفني وانحيازه الى أسئلة مباشرة، آنية، تصلح للتقارير الصحافية، والتحليلات السياسية، أكثر بكثير من أن تعبّر عن مشروع فني لكاتب عرف بطموحاته الفنية المغايرة بين كتابات أبناء جيله المعروف بجيل الستينات.
الآن، يبدو صنع الله إبراهيم في "القانون الفرنسي" كأنه يتعمد الارتداد عن طموحاته الحداثية في الخلق الأدبي، إلى نص كلاسيكي مباشر، يعبّر، أدبياً، عن الردة التي يعيشها المجتمع المصري، والمناخ العربي العام، بتقديم رواية توائم النكوص الذي طال كل شيء، فلماذا سينجو الأدب؟
في "القانون الفرنسي" يعود الدكتور شكري، أستاذ التاريخ، الراوي وبطل رواية "امريكانلي"، في رحلة أخرى، إلى فرنسا هذه المرة، لكن شتان بين شخصية شكري في الروايتين، فبينما بدا الدكتور شكري في الأولى حيويا، قادراً على التقاط كل التفاصيل من حوله، بحيث نقل لنا الجو الأميركي، ووصف الشوارع، وجغرافيا المكان، وملامح المارة والعابرين، بشكل دقيق، بالإضافة إلى الشخصيات، فإنه يبدو في هذا العمل ذاهلاً، إن لم يكن أعمى.
يبدو الدكتور شكري هنا، وهو ينقل تفاصيل دعوته الى المحاضرة في مؤتمر فرنسي في مدينة بواتييه، مثل شخص تعرض لأزمة نفسية عميقة، جعلته ذاهلا ًعما حوله لصالح مونولوغ داخلي صاخب، تعتمل بسببه الأفكار والأسئلة واستعادة المواقف والذكريات في عقله، من دون أن يملك السيطرة عليها. وصف الأماكن والحانات والمطاعم شاحب، بلا تفاصيل، والأهم أنه وصف يتمّ بلا شغف، كانه واجب ثقيل، يطعّمه بذكر أسماء الأماكن ومحطات القطار والفنادق والوجبات الفرنسية.
صحيح أن شكري بدا مكتئباً، سواء من مقارنته نظافة المدينة بالمدينة التي ينتمي إليها، أو بإشارته إلى الأدوية التي يتناولها وبينها مضادات الاكتئاب، لكني لا أظنه مسؤولاً عن ثغر النص وسلبياته، بقدر ما هي مسؤولية الكاتب، الذي لم يكتف بهذا الاستسهال، وإنما اقترف واحداً من أردأ أنساق الكتابة الأدبية، حيث يعتمد على تلبيس أفكار كبيرة تتضمن تناولاً لقضايا كبرى، سياسية وتاريخية على لسان أشخاص روائيين، لا مبرر لالتقائهم، أدبياً، سوى التجمع في مؤتمر. ويبدو أن الكاتب انتبه الى ذلك، والى قصور اهتمامه ببناء الشخصيات فأحالنا مباشرة على روايته الفائتة "أمريكانلي"، كأنه بذلك يخلّص نفسه من مسؤوليته تجاه عمله هذا، بالعودة إلى عمل سبق له أن أودع فيه كل الخصائص النفسية للشخصية وتطورها العاطفي والمهني، بحيث يتفرغ هنا لمهمته "السياسية" المحضة، بتناول مناقشة مبالغ فيه حول مدى تأثير المستَعمِر في ثقافة المستعمَر، وجدل طويل حول دور الحملة الفرنسية على مصر، وهل كانت دماراً كلها أم ساهمت في التأثير الحضاري على مصر.
التوثيق الذي اعتمده صنع الله إبراهيم كواحد من خصائص عمارته الفنية لأعماله الأدبية، واستخدمه بأشكال عديدة، يبدو هنا معدوماً، أو بالأدق؛ يسير على نهج الاستسهال الذي يعتمده، بإحالتنا أولا على "أمريكانلي"، وتالياً بإحالة القارئ على "العمامة والقبعة" من خلال استخدام هذه الرواية كوثيقة هي مخطوط قديم يستخدمه شكري في الندوة ويقول إنه يرغب في ترجمته الى الفرنسية، وعنه يقول: "تنبع أهمية المخطوطة من أن مؤلفها يذكر الكثير من تفاصيل الحياة اليومية. ومنها تبرز صورة للبلد مختلفة عن الصورة التقليدية التي نشأنا عليها. فقد أجمع المؤرخون السابقون على ان مصر كانت بلداً يسوده الظلام وجلب اليه بونابرت الحضارة. لكن المخطوطة ترينا كيف كانت مصر في ذلك الحين محتكة بالعالم من خلال التجارة الدولية وأنها كانت تموج بالتيارات وعلى شفا تغيير جذري أحبطته الحملة". ثم يحيلنا لاحقاً على كتاب آخر هو "الحملة الفرنسية تنوير أم تزوير" للدكتورة ليلى عنان. وهي إشارة تتخلل تلخيص الدكتور شكري لمحاضرات ندوة يشير اليها المؤلف باعتبارها تخييلية وأعطاها اسم "بونابرت في مصر، أضواء عربية جديدة".
لكن الطابع التقريري للمحاضرات بدا أنه مقتبس من مناقشات أو كتابات حول الموضوع، وهذا ما أشارت إليه الدكتورة ليلى عنان في توضيح نشرته صحيفة "البديل" المصرية قالت فيه إن الأفكار بين المحاضرين هي من لبّ الكتاب، ولم يبذل فيها المؤلف جهداً، في حين أنها أمضت 15 عاماً في تمحيصها. وقد ردّ صنع الله إبراهيم على اتهام ليلى عنان بأنه جعل الأشياء لأصحابها بذكر كتابها كمرجع في الرواية.
أيا يكن الأمر فهو دليل على الدرك الذي تسير فيه هذه الرواية بالسقوط في بحيرة الواقعية التسجيلية، بدون أي مبررات فنية أو روائية، وخصوصاً أن الرواية تفيض بوقائع عديدة بينها أرقام عن أعداد المعتقلين في السجون المصرية، وحجم الديون والتلوث والمرض وغيرها، في حوار عابر يجمع الدكتور شكري بمثقف عراقي في مقهى.
أكد صنع الله إبراهيم في أكثر من موضع، بينها حوار نشر في "ملحق النهار" أجريته معه قبل أعوام، أنه لا يهتم بأن تعيش رواياته خمسين عاماً أخرى، وأنه لا ينشغل بسوى الواقع الراهن والجمهور الراهن، وهذا شأنه في كل حال. لكن منطق الأمور لا يسير على هذا النحو، لأن تاريخ الرواية الذي نهل منه صنع الله نفسه وقاده إلى دروب التجريب والمغامرة والتخييل، كان يحفل بروايات حداثية سباقة بمنطق عصرها، من "دون كيشوت"، الى كتّاب المغامرات البوليسية الذين عشقهم صنع الله نفسه، وصولاً الى كتّاب العصر الراهن من كبار الروائيين في الغرب والشرق على السواء. أما ما يفعله هنا فهو خيانة الرواية بامتياز من حيث هي نص أدبي تخييلي فلسفي، يرسم واقعاً موازياً، إن لم يرغب في أن يعلو على الواقع بالخيال، لا أن ينقله، أو أن يسجله كما هو.
يختار صنع الله عام 2005 زمناً لوقائع روايته، لتزامن تلك الفترة مع ثورة الضواحي في باريس ثم في أرجاء فرنسا، وهو اختيار آخر لافتٌ لمباشرته، وخصوصاً أنّ تناول تلك الحوادث، أيضاً، تمّ بشكل لم يخلُ من الطابع التقريري الذي أسبغه على الرواية، فبدا كأنه يتكئ على هذه الحوادث والوقائع لتبرير اختيار فرنسا موقعًا لحوادث روايته ووقائعها، بالإضافة الى دلالات الحدث نفسه سياسياً وايديولوجياً.
المدهش أن الفكرة الختامية للرواية تتمثل في الإشارة إلى مفارقة أن القانون الفرنسي يتضمن بين بنوده أن يتم نقل الثقافة الفرنسية إلى المناطق التي كانت تحتلها فرنسا، وان ذلك أقسى أنواع الاحتلال لأنها تهدف الى طمس هوية الشعوب التي تتعرض للاحتلال. لكن الرواية لا تتعرض على الإطلاق لفكرة جوهرية حول مدى استخدام السلطة للمثقفين في هذا الغرض، وعلاقة المثقفين الفرنسيين بالسلطة كجانب مهم في مناقشة فكرة هذا القانون، كما أن الفكرة نفسها تمت بالمباشرة ذاتها، حتى أنه أورد نص القانون في هامش.
ما الذي تضيفه هذه الرواية إلى الرواية العربية المعاصرة؟ إجابتي هي لا شيء، فهذا ضجيج بلا طحن، وتقرير روائي حمل تعريفاً خاطئاً بكونه رواية.