محمود درويش.. ما ذهب وما تبقّى

د. خليل موسى قرأها 8
 

 محمود درويش ما ذهب وما تبقّى

د. خليل موسى

ليس الأديب أو الفنان وخاصة الشاعر مصلحاً اجتماعياً، وإلا فإنه يفتتح دكاناً ليُصلح بين الأزواج المتخاصمين والورثة المتقاتلين.

وليس هو معلماً ليلجأ إلى مدرسة أو جامعة ليرشد المتعلمين الذين ملّوا القراءة والكتابة باكراً، واستبدلوا بها مدرسة الحب وجامعة الحياة، ومن العبث اللامُجدي أن يصحح أخطاءهم وأوراقهم. وليس الشاعر كاهناً يهدي الناس إلى طريق الصواب، وليس سياسياً يعمل لجهة ما ويتقرب من الناس بطبيعة وظيفته وعمله. ومع أن الأديب ينبغي ألا يكون بعيداً عن هموم مجتمعه، فإن وظيفته تتطلب منه أن يعيش حياته حراً وربما عاش في عزلة أحياناً استعداداً لولادة عمل جديد، ولذلك نادراً ما نجد مبدعاً حقيقياً سلم مما يشبه النرجسية وعبادة الذات، فهو إذا حدّثك حدّثك عن نفسه ومعجزاته الأدبية، وهذه ظاهرة يعرفها القاصي والداني، ولذلك قالوا: (الفنون جنون)، وقالوا: (بين الفنان والمجنون شعرة واهية)، فكلاهما يعيش في الأحلام أكثر مما يعيش في الواقع.

ومن هنا فإن مدرسة التحليل النفسي الفرويدية لم تتأسّس على عبث حين رأت أن الإنتاج الفني وثيقة للدلالة على الأمراض التي أصابت بعض المبدعين، ومعظم هؤلاء يستنكرون أن يعمل سواهم بالمهنة التي يعملون بها، فالمتنبي ـ مثلاً ـ كان ينظر إلى شعراء عصره من علٍ، ويسخر منهم ويحاربهم، فهو لم يجد بين مبدعي عصره شاعراً يستحق هذه التسمية، بل تمادى إلى الصفات الأخرى، فلم يجد خليلاً صادقاً وفياً. وكان يضع نفسه في كفة والعالم كل العالم في أخرى، ومع ذلك كانت كفته الراجحة إبداعاً وأخلاقاً ووفاء وعزيمة. فإذا العالم من وجهة نظره غير جدير بالحياة، ولا يستحق سوى الشفقة أو التدمير.

وليس المتنبي وحيداً في هذا المجال، فهناك مئات الشعراء الذين تنطبق عليهم هذه المقولة في القديم والحديث، وإن كان المرء لا يعدم أن يجد شعراء ينهجون غير هذا النهج، ولكنهم يأتون إلى الغاية نفسها من طريق أخرى، كما هي الحال عند شوقي وحافظ وأبي شبكة والأخطل الصغير مثلاً. فقد سلكوا طريق المجاملة والتقرب من الآخرين للوصول إلى غايتهم، وربما كان محمود درويش واحداً من الشعراء الكبار الذين ينتمون إلى الفئة الأولى التي ذكرناها.

محمود درويش الإنسان ذهب، وإنما أعماله باقية لنا جميعاً. وبما أنه إنسان عادي وليس من الأولياء الصالحين فإنه كبقية خلق الله له ولادة طبيعية وحياة ووفاة. وله مزاج قد يُعجب كثيرين منا ولا يعجب كثيرين أيضاً. وله مواقف سياسية وشعرية وطموحات وأطماع ومغامرات، منها ما هو إيجابي أو سلبي. ومن الطبيعي ألاّ تكون نظرته صائبة دائماً. وكثيراً ما يقول الشعراء غير ما يفعلون، وخاصة وهم يحدثونك عن أعمالهم في المستقبل، كالصياد الذي يحدثك عن ثراء البحر، وهو يقف على الشاطئ، والمثقف غير العامل والفلاح، فهو أقدر على التحوّل والنفاق أحياناً، وقد يتحوّل من موقع إلى موقع مضاد إذا تعرضت مصالحه للخطورة، وكلنا يذكر السياب الذي تحول من مبدأ إلى نقيضه حين تعرض مركزه الشعري للخطر في بغداد، وأمثلة السياب كثيرون، ولكن الذي يهمنا أخيراً أن السياب كان وما زال رائد الحداثة الشعرية العربية، وأن المتنبي صاحب المواقف المتباينة شاعر العرب بلا منازع. ولنتذكر هنا مقولة رائدة لإخوان الصفا في الشباب حين وصفوهم بالصفحة البيضاء التي تستطيع أن تكتب عليها ما تشاء. في حين أنهم وصفوا الشيوخ بصفحة سُوّدت مرة بعد أخرى، ومن الصعوبة أن تكتب عليها كتابة جديدة.

هذه حقيقة حال المثقف، فهو لا يقتنع إلا بما يمليه عليه داخله، وإن بدا أحياناً أنه غير ذلك، فهو الأقدر على إخفاء مواقفه. ولنفترض جدلاً أن محمود درويش كان على جلافة وادعاء، وأنا بالمناسبة ما التقيته ولا قابلته ولا رأيته إلا على الشاشة الفضية وعلى صفحات مجموعاته الشعرية. لنفترض إذن أنه لم يكن في مواقفه وآرائه على الخط الذي نريده منه، ولكن ذلك لا يلغي أبداً أنه واحد من أهم أساطين الشعر العربي المعاصر وأكثرهم تأثيراً في الشعراء. ولذلك على الدارسين والنقاد ألا يلتفتوا كثيراً إلى ما قيل ويقال بين الكواليس عن هذا الشاعر. ومن غير المجدي كثيراً أن نتوقف عند زمن ولادته (1941ـ 1942)، فمن المعروف جيداً أن الشعراء ماهرون في إخفاء هذا الجانب نظراً لأنهم يذهبون إلى أن في الشاعر طفلاً وإن بلغ سناً متقدمة، ولنا في زمن ولادات خليل مطران ومحمد مهدي الجواهري وخليل حاوي وسواهم أمثلة على ذلك. ومن غير المجدي أيضاً أن نتوقف عند أخلاقه وسلوكه ومعتقداته، إلا إذا كنا نريد منها إلقاء بعض الضوء على قصيدة محددة أو عمل شعري، بشرط ألا تولى الأهمية الأولى وألا تكون غاية، وإنما وسيلة.

ما بقي من محمود درويش اليوم تراثه الشعري، وهو تراث غني بامتياز، سواء اتفقنا معه فيه أو اختلفنا، فقد بدأ هذا الشاعر بداية ناضجة مختلفة عن بدايات سواه من شعراء الأرض المحتلة وشعراء فلسطين والشعراء العرب. وظل شعره يتنامى ويتقدم إلى آخر لحظة في حياته. ولذلك فإن الذهاب إلى الشاعر لا يفيد كثيراً في إلقاء الضوء على شعره، تماماً كالأسئلة التي دارت حول شخصية المتنبي. وكانت عثرات في الوصول إلى شعره، ولم تفض إلى نتيجة واحدة، وهي كثيرة منها: هل كان ابن سقاء أو ابن أحد العظماء؟ هل ادّعى النبوة فعلاً أو أن الأمر لا يعدو كونه تهمة ملفقة؟ هل أحبّ خولة أو أن الأمر مفتعل كلياً؟ فقيراً كان أم غنياً، بخيلاً أم كريماً، شجاعاً أم جباناً، قرمطياً أو غير ذلك..إلخ؟.

ومن هنا ليس من المفيد أبداً أن يذهب الدارسون إلى محاسبة درويش سلوكياً أو أيديولوجياً أو دينياً أو وطنياً أو.. وهذه أمور كانت صالحة للمعالجة في حياته، أما الآن فعلينا أن نتوجه إلى ما بقي: شعره. علينا أن نتفحص المادة الوحيدة الباقية، وهي شعره. وأعتقد أن شعره جدير بالدراسة والتأمل، وهذه نقطة أولى. وثمة نقطة ثانية تشكّل مرحلة أخرى في الدراسة، وهي ظاهرة في المشهد الشعري العربي المعاصر، وخاصة في الشعر الفلسطيني، فقد خلّف لنا درويش مدرسة أو نهجاً شكّله صوته المميز الذي نتلمّسه بسهولة عند كثيرين من شعراء هذا الزمان، وخصوصاً عند الشبان المبتدئين الذين تفوح من قصائدهم رائحة الصوت الدرويشي، وهذه الظاهرة جديرة أيضاً بالدراسة.

mahmoud-darweesh17.jpg