الأدب الجبراني عُني بالمجتمع والإِنسان معاً - ويسألونكَ عن الأَدَب الجبرانيّ؟! (5)

الأب لويس أبي عتمه قرأها 8
 

الأدب الجبراني عُني بالمجتمع والإِنسان معاً

ويسألونكَ عن الأَدَب الجبرانيّ؟! (5)

الأب لويس أبي عتمه

إذا كان جبران قد أَعطى الأوّليّة، وحَقّ الصَّدارة للطبيعة اللبنانيّة الخارجيّة، فإِنّه، مع ذلك، لم يُهمل قطّ المجتمع وإِلانسان في وطنه.

قال أَحدَ الساسَة اللبنانيّين المخلصين: (إِنَّ لبنان هو واجب الوجود. ولو لم يكن موجوداً، لكان من الواجِب إِيجاده). وقد طالعتنا بهذا الصَّدد، كلمات نيّرة، معبّرة لأَديبنا الكبير جبران، مثل: (لو لم يكن لبنان وطني لاخترت لبنان وطني... إنَّ لبنان أَجمل وأَقدَس بلدٍ في العالم... أُحِبُّ مسقط رأسي ببعض محبّتي لبلادي، وأُحِبُّ بلادي بقسمٍ من محبّتي لأرض وطني، وأُحبُّ الأَرض بكليّتي لأنّها مركع الإنسانيّة).

إِذن: لقد أَحَبَّ الأرض والإِنسان كليهما، انطلاقاً من بلاد الأرز. وكانت حياته مجْداً،ومودّةً، وخيراً لوطننا اللُّبناني والبشريّة جمعاء.

لقد بَذلَ هذا الأديب الشاعر جهوداً مضنية، مشكورة، في المهجر الأميركي، يوم كان أَمين سِرّ (الرابطة القلَميّة)، وإِبّان الحرب العالميّة الأولى، في سَبيل تحرير بلادنا من البُؤس، والفقر، ومظالم الأَتراك; عَبْر اللجنة التي أَنشأَها لإِغاثة المنكوبين والمقهورين في لبنان وسوريا.

فاسمعه يكتب الى صديقه (أَمين الريحاني) قائِلاً: (لولا صراخ الجياع الذي مِلأ قلبي لما بقيت في نيويوركَ سَاعة واحدة. إِي واللَّه يا أَمين إنّ من الأَفضل مشاركة الجياع جوعهم والمنكوبين نكبتهم. ولو خُيّرت الآن بين الموت والحياة بين هؤلاء المخاليق لاخترت الموت) (1). لقد كان جِبراننا متضامناً، متعاطفاً مع الإِنسان المسحوق، البائِس، نافياً تأثير (نيتشه) عليه. فراح يخاطب كل مسكين بهذا الكلام: (رأَيتك ضعيفاً أَمام الأَقوياء القساة، وفقيراً محتاجاً أَمام الأَغنياء الطّامعين، لذلك بكيت من أَجلك. ومن وراء دموعي رأيتك بين ذراعَيْ العدل. هو يبتسم لك ويَسْتهزىء بمضّطهديك. أَنت أَخي وأَنا أُحبّك).

وبالرغم من حالته الماديّة التي لم يكن لِيُحسَد عليها، وعلى حاجته الماسَّة الى المال، فإنّ المادة في نظره تستطيع أن تكون سَبيلاً لخدمة الرُّوح، والإِنصراف بحريّة أَكثر الى الفَنّ والأَدَب، لكنّها ليست بحدّ ذاتها إِلهاً يُعْبَد، ولا وسيلة للتّرَف، والبذخ، واستعباد الناس. لذلك أَوصى بأن تكون مقتنياته، وأَدوات عمله، ولوحاته، وكتبه في خدمة الفقراء والأُمييّن من أَبناء بشَرّي وسواها، وبغية تعليم الناشئة.

وهنا يطرح السُؤال نفسه: لماذا ثار جبران على التقاليد الجامدة، والشَّرائع المتحجّرة؟ مثل قوله في التربية والعيلة: (إِنَّ أولادكم ليسوا لكم، إِنَّهُم أَبناءُ الحياة. والحياة لا تعيش في دياميس الأَمس). والجواب هو الآتي: حيال والدٍ جاهِل، قاسٍ، متسلطن، لا يحبّ العِلم، ولا يحبّ أَبناءَه ويعطف عليهم، وتجاه بعض أَنظمةٍ عامّة جائِرة في ذاك الزّمن، يسْتأثر أرْبابها بالإِقطاعيَّات السياسيّة، والدِّينيّة، التربويّة، والماديّة، والإِحتلاليّة، كيف كان لجبران أَن يتصرّف؟ لقد عمَد الى التعدّي والمجابهة تحريراً للإِنسان اللبناني وغيره من قيود القهر، والكَبْت، والطغيان. فأطلق ثورة العقل والمنطق على ما في الشرائع عينها من نقصٍ، وانحرافٍ، وخطأ، وعلى ما في تطبيقها من تعسُّفٍ، وغباوةٍ، وعشوائيَّة.

ورَغْمَ ما في نظرته الى المرأة من شاعرِيَّة رومنسيَّة، فإنّه التفت اليها باحترامٍ، ومحبَّة، وتقدير، محذّراً الرجل من تحكّمه بها، ونزواته وأَنانيّته حيالها، فغدَتْ، والحال هذه، كلّ أُمٍّ قسَتْ عليها يد الدّهرْ، صورةً وَرَمْزاً لوجه أُمّه الكئيب. لقد كانت علاقته طيّبة مع النساء، ولا سيّما اللَّواتي عَطفْنَ عليه، وقدّرنَ مواهبه، وشجّعنه، وساعَدْنه ماديّاً ومعنويّاً، تحقيقاً لذاته ومواهبه، نظير (ماري هسكل) و(برباره يونغ) الأَميركيّتَيْن، و(ميشلين) الفرنسيَّة. فرأى فيهنَّ نموذجاً ومِثالاً لحنان وعطف أُمّه (كاملة) وشقيقته (سُلطانة).

لقد أدرك قيمة وأَهميّة تثقيف المرأة وتهذيبها، وثَمّن دورها الرَّائِد في مجاليْ التربية والمجتمع. لأن الأُمّ هي المدرسَة الأولى، والمربّية الأَساسيّة لأولادها، وللأَجيال الجديدة الصَّاعِدة، فَخْراً ومَجْداً لمستقبل العيلة والمجتمع، والوطن. لذا قال: (وجه أُمّي وجه أُمّتي). أَعطني أُمَّاً راقية، أُعْطيكَ أُمَّةً راقية). وأَضاف: (إِنَّ أَعذَب ما تحدّثه الشفاه البشريّة هو لفظة أُمّ، وأَجمل مناداة هي يا أُمّي. كلمة صغيرة كبيرة مملوءَة بالأَمل والحبّ والإِنعطاف... الأُمّ هي كل شيءٍ في الحياة...) ثُمَّ خَتَمَ قائِلاً: (إِنَّ المرأة من الأُمَّة بمنزلة الشعاع من السِّراج، وهل يكون شعاع السِّراج ضئيلاً، إذا لم يكن زيتُه شحيحاً)؟.

بَعْدَ أَن رأَينا اهتمام جبران بالإِنسان والمجتمع، وحَدْبه عليهما، ودفاعه عن كرامة الإِنسان وحريّاته في مجتمع عادل، ومحاولته فَكّ قُيوده، وإِطلاقه حرّاً، بعيداً عن كلّ ضغطٍ، وإِكراه، وجَوْر; نتساءَل الآن: هل سعى أَديبنا النابغة هذا حثيثاً الى تخطّي الأُطُر المحليّة الجغرافيّة والبشريّة في أَدبه، وتجاوز الظروف الآنيَّة العابرة، بلوغاً الى مشارف الآفاق العالميّة، والأَبعاد الإِنسانيّة؟ سَنَرى ذلك في المقال القادم.

1)    من رسَالة بعث بها جبران الى صديقه أمين الريحاني. ذكرها الدكتور خليل حاوي في كتابه عن جبران باللغة الإِنكليزيّة صفحة 709

Al%20Anwar%20Logo.JPG