ويسألونكَ عن الأَدَب الجبرانيّ?!
ويسألونكَ عن الأَدَب الجبرانيّ?!
الأب لويس أبي عتمه
الأدب الجبراني يتصدّره حُبّ الطبيعة
إذا كانت شخصيّة جبران متعدّدة الوجوه والمواهب، زاخرة بالطاقات، غنيّة بالعَطاءَات الأدبيّة والفنيّة، فنحن نقْصر كلامنا هنا على حُبّ أَديبنا وشاعرنا لجمال الطبيعة اللبنانيّة عَبْرَ نتاجه.
قال أَحدُ الشّعراء:
وطنـي ولو أُشغلتُ بالخُلـدِ عنـه نـازعتني اليهِ في الخُلـدِ نَفْسـي
ومنذ زَمَنٍ أُطلِقَتْ هذه المَقولة: (إِنَّ حُبَّ الأَوطانِ من الإِيمان). فالوطن هو منزل الإِقامة، والمكان الذي يُولد فيه الإنسان ويتربّى ويترعرع. وفي نظر بعض الناس الوطن هو شعب، وأَرض، وحاكم ومؤسّسات، أَمّا في نظر البعض الآخر فهو اللُّغة، والتاريخ، والعادات والتقاليد، وإرادة العيش المشترك، والحضارة.
فهل نلومَنَّ جبران شاعرنا الرّومنسيّ إذا ما وَجَدَ في وطنه، قبل المجتمع والإِنسان، روعَة الطبيعة وسحرَها، براءَتها وطفولتها، صفاءها وسكينتها? لقد أحَبَّ بيئته وبهاءَها، ولفته الفلاّح النشيط الغادي الى حقله، وشغفته أَهازيج الصَّبايا وأغانيهنَّ بين البيَادر والمعاصِر. وجذبته اليها مجالس القرويين حول الموقد في ليالي الشّتاء العاصفة، وتساقط الثلوج العَالقة على غصون وأَوراق الشجر الخضراء المتدلّية نحو الأرض. وآنسته تغاريد الشحارير وتصفيق الأَغْصَان، ورجْع صدى النَّايات.
إنَّ أَبناء لبنان هم في نظره الفلاّحون، والرُّعاة، والكرَّامون، ومربّو أَنصَاب التوت، وغازلات الحرير. أَضف الى ذلك، العمَّال والصُنَّاع، والشعراء المجدّدين في العتابا، والمعنَّى، والزَّجل.
أَبناء لبنان هم أيضاً أولئك المغامرون الأشدَّاء، والعِصاميّون الذين يولَدون في الأَكوَاخ، ويموتون في القصور.
فطبيعة لبنان الفتَّانة، عَبْرَ فصولها المنتظمة، المعتدلة، شكَّلت بلا ريب، أَهمَّ مصدر لإِلهام أَديبنا، وأَطيب غذاء لوحيه، وأَروعَ لوحةٍ لريشته المبدعة، وقلمه السَيَّال. لقد تركَ وراءه الجاهليَّة، وصحاريها، وبكاءَها على الأَطلال، شاخصاً الى الأَمام، الى طبيعة لبنان السَّاحرة، الى الفردوس الأَرضيّ، والرَّمز الحَيّ لوطنٍ عُلويّ هو السَّماء، هَجَر القديم، وأَطلَّ على الجَديد والحداثة، وكان أحَدَ أركان النّهضة الأدبيّة العَربيّة في الشَّرق.
ولاحَتْ له في الشّتاء بيئته اللبنانيَّة في مختلف صوَرها وتحوّلاتها، خيوطَ مطرٍ لؤلؤيَّة، نثرها تاج عشتروت ترصيعاً للحقول. وفي الصَّيف لفتته جماعة الطَّير والنَّمل تسابق الإِنسان على جمع المؤونة. وشاهَدَ في الرَّبيع أَزاهير أَشجار اللَّوز، والتفَّاح، والبيلسان، كما رأى تورّق قضبان الحور والصَّفصاف، والتفافها متعانقة كالعاشقين. وأَثلج صدره في الخريف مشهد الكرَّامين يجمعون عنَبهم للمعصرة، ويُرنِّحون أَناشيد الغروب. وساعة تستفيق القرى الشَّماليَّة المزروعة على كتف الوادي المقدَّس، يشارك أبناؤها برَندحاتِهم ترانيم أَجراس الكنائِس، فترجِّع أَصداءَها الكهوف. وعند غياب الشَّمس، يغمر تلك القرى المنثورة ضباب اللَّيل، وتشعشع السُّرج من نوافذ البيوت.
تلك هي اللَّوحة الجماليَّة الطّبيعيَّة التي رسَمَت خطوطها العريضة، وملامحها، وتفاصيلها، براعة جبران المُبدعة، فأَحَبَّ أَن يكون لها حقُّ الصَّدارة في أدبهِ وفنّه. فهل توقّفَ عند هذا الحَدّ، أَمْ تجاوزَه الى مواقعَ، وموضوعاتٍ، ومواقف مختلفة?
هذا ما سَنراه لاحقاً.
