عفواً أبا الطيب!
عفواً أبا الطيب!
محمود هلال
ذهبت بالأمس برفقة الزميل محمود الوهب لزيارة معرض للكتاب المنوع تقيمه دار "أطلس" في بيت جبري بدمشق القديمة. وبعد مرورنا بعدة حارات ضيقة في تلك المنطقة، وبعدة بيوت دمشقية قديمة تحولت إلى مطاعم شعبية تجمع ما بين عبق الماضي وحداثة الحاضر، وسؤالنا عدداً من الأشخاص هناك، وصلنا أخيراً إلى المكان المقصود.
أمضينا قرابة الساعة في جناح المعرض، لكن الغريب خلال تلك الفترة لم يدخل أي شخص إلى المعرض، لا بقصد الشراء ولا الاطلاع، وعندما سألت الشاب المسؤول هناك عن حركة المعرض وزواره والبيع وغيره، قال كما ترى، تمضي ساعات طويلة ولا يدخل المعرض زبون واحد.. نفتح من بعد الظهر إلى الإفطار، ومن بعد الإفطار إلى السحور.. لقد مضى نحو أسبوعين ونحن على هذه الحال، يأتينا أحياناً بعض الزبُن النادرين يشترون كميات كبيرة، لكن عددهم قليل جداً.
الغريب أيضاً أن بهو البيت مليء بالزوار من نساء ورجال وصبايا وشباب يقضون وقتهم بالأكل والشرب وتدخين النرجيلة ولعب النرد، حتى يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود، لكن لا أحد يكلف نفسه عناء صعود عدة درجات إلى صالة عرض الكتب.
والسؤال الذي يطرح: هل ولّى عصر قراءة الكتب واقتنائها؟ أم هل بدأ الناس يتحولون إلى الكتاب الإلكتروني الذي يمكن الوصول إليه بكبسة زر ويمكن تخزينه بأصغر حجم أي في "فلاشة" صغيرة لا يتجاوز طولها عدة سنتمترات؟ أم الاحتمال الأخير والأهم هو الحالة الاقتصادية للناس التي لا تسمح لهم إلا بشراء الضروريات وادخار القرش الأبيض الذي يزيد عن حاجتهم ليومهم الأسود؟!
تتدنى معدلات القراءة عندنا من عام إلى آخر، حتى وصلت إلى أدنى نسبها لا تتجاوز عدة دقائق في العام، ولم يعد الكتاب كما قال الشاعر الكوفي الكبير أبو الطيب المتنبي قبل ألف عام "خير جليس في الأنام كتاب".
وأعتقد أنه لو عاد المتنبي فعاش في يومنا هذا لقال: "خير جليس.. امرأة.. نرجيلة.. طاولة زهر.. أو كمبيوتر".. فعذراً منك أبا الطيب!!