تأمُّلات في الرّواية

راشيل عيد قرأها 6
  

تأمُّلات في الرّواية

راشيل عيد

قالت لي احدى الصديقات ان روايات الياباني هاروكي موراكامي اشارة الى ما آل اليه العالم. انها كتابة الروائي المصدوم بالتحولات، بل الروائي الذي يرصد بعين ثاقبة واقع الثقافة اليابانية والعالمية بفعل غزو العولمة و"الأمركة". يقدم موراكامي نفسه كمراقب متنبّه لأحوال معاصريه وأطباعهم ومساوئهم. وإذا كان من غير العسير الولوج إليها ففي المقابل هناك صعوبة ما في القبض على مكنوناتها، ذلك أنها لا تتورع عن ممارسة السحر والإبهار البالغين بسبب من جاذبيتها، اذ تستقصي الجانب المجهول من واقعنا اليومي.

-1-

روايات موراكامي ايماء الى الصدمة التي تلقتها الثقافة التقليدية بعد العولمة، وهي تحديدا قناع لتحطيم التقليد، بعدما تعودنا الروايات البطيئة من يوكيو ميشيما الى ياسوناري كواباتا. ولعل ما يكتبه موراكامي اشارة الى ما آلت اليه اليابان بفعل الامركة وثقافتها الاحادية او ما آلت اليه الرواية في ذاتها، بل ايماء الى احوال العالم والرواية معا، من صدمة تداخل الثقافات الى صدمة الارهاب والعنف، من 11 ايلول في اميركا الى غاز "أوم" في اليابان. سبق الياباني جونيشيرو تانيزاكي مواطنه موراكامي في تناول انحدار التقليد الياباني امام الهجمة الغربية، كما في روايته "مديح الظل" حيث يقارب المشكلة المطروحة مقاربة أديب متأمل.يفتتح تانيزاكي روايته بالحديث عن المقارنة والمفارقة بين العمارة اليابانية الحديثة المتأثرة بثقافة العمارة الغربية والعمارة اليابانية القديمة بما فيها من طرائق تجهيز البيت بالكهرباء والغاز والماء والتدفئة، كاشفاً عن الخسائر التي حدثت بسبب هذا التأثير.اذ فُقد تأثير الظل والعتمة وما يحملانه من عمق وسكون في مواضع الراحة أو الخلوة في المنازل، بسبب الضوء الباهر والبريق واللمعان الذي غزا أنساق الحياة في اليابان، تلك التي برع أجدادهم القدامى من خلالها في اكتشاف أسرار الظل فحولوه إلى عنصر جمالي.فـ"ثمة علاقة سرية بين الظل والجمال، وهذه العلاقة تتجلى في مجالات عديدة: المطبخ الياباني يفقد جزءاً من جاذبيته حين يُقدَّم في مكان مضاءٍ، فالظل يضفي عليه نوعاً من السحر.البيت الياباني القديم لا يستمد جماله من الديكور الذي يخلو منه عادة، وإنما من توظيف كثافة الظل.مسرح الـ"نو" يفقد روعته حين يتخلّى عن ظلامه الجوهري ويُقدَّم على خشبة مضاءة على الطريقة الغربية".

يكشف تانيزاكي عن أسرار الظل وكيف مهر اليابانيون في استخدام لعبة الضوء والظل، يقول:

"عندما نتأمل الظلام المخيم خلف العارضة العليا حول مزهرية أو تحت رف، ونحن نعرف أن هذا الظلام ليس سوى