تأمُّلات في الرّواية
تأمُّلات في الرّواية
راشيل عيد
قالت لي احدى الصديقات ان روايات الياباني هاروكي موراكامي اشارة الى ما آل اليه العالم.انها كتابة الروائي المصدوم بالتحولات، بل الروائي الذي يرصد بعين ثاقبة واقع الثقافة اليابانية والعالمية بفعل غزو العولمة و"الأمركة".يقدم موراكامي نفسه كمراقب متنبّه لأحوال معاصريه وأطباعهم ومساوئهم.وإذا كان من غير العسير الولوج إليها ففي المقابل هناك صعوبة ما في القبض على مكنوناتها، ذلك أنها لا تتورع عن ممارسة السحر والإبهار البالغين بسبب من جاذبيتها، اذ تستقصي الجانب المجهول من واقعنا اليومي.
-1-
روايات موراكامي ايماء الى الصدمة التي تلقتها الثقافة التقليدية بعد العولمة، وهي تحديدا قناع لتحطيم التقليد، بعدما تعودنا الروايات البطيئة من يوكيو ميشيما الى ياسوناري كواباتا. ولعل ما يكتبه موراكامي اشارة الى ما آلت اليه اليابان بفعل الامركة وثقافتها الاحادية او ما آلت اليه الرواية في ذاتها، بل ايماء الى احوال العالم والرواية معا، من صدمة تداخل الثقافات الى صدمة الارهاب والعنف، من 11 ايلول في اميركا الى غاز "أوم" في اليابان.سبق الياباني جونيشيرو تانيزاكي مواطنه موراكامي في تناول انحدار التقليد الياباني امام الهجمة الغربية، كما في روايته "مديح الظل" حيث يقارب المشكلة المطروحة مقاربة أديب متأمل.يفتتح تانيزاكي روايته بالحديث عن المقارنة والمفارقة بين العمارة اليابانية الحديثة المتأثرة بثقافة العمارة الغربية والعمارة اليابانية القديمة بما فيها من طرائق تجهيز البيت بالكهرباء والغاز والماء والتدفئة، كاشفاً عن الخسائر التي حدثت بسبب هذا التأثير.اذ فُقد تأثير الظل والعتمة وما يحملانه من عمق وسكون في مواضع الراحة أو الخلوة في المنازل، بسبب الضوء الباهر والبريق واللمعان الذي غزا أنساق الحياة في اليابان، تلك التي برع أجدادهم القدامى من خلالها في اكتشاف أسرار الظل فحولوه إلى عنصر جمالي.فـ"ثمة علاقة سرية بين الظل والجمال، وهذه العلاقة تتجلى في مجالات عديدة: المطبخ الياباني يفقد جزءاً من جاذبيته حين يُقدَّم في مكان مضاءٍ، فالظل يضفي عليه نوعاً من السحر.البيت الياباني القديم لا يستمد جماله من الديكور الذي يخلو منه عادة، وإنما من توظيف كثافة الظل.مسرح الـ"نو" يفقد روعته حين يتخلّى عن ظلامه الجوهري ويُقدَّم على خشبة مضاءة على الطريقة الغربية".
يكشف تانيزاكي عن أسرار الظل وكيف مهر اليابانيون في استخدام لعبة الضوء والظل، يقول:
"عندما نتأمل الظلام المخيم خلف العارضة العليا حول مزهرية أو تحت رف، ونحن نعرف أن هذا الظلام ليس سوى ظلال قليلة جداً، نشعر أن الهواء في هذه الأماكن يتضمن كثافة الصمت وأن سكوناً لم يتغير من الأزل يسود هذا الظلام.وفي النهاية حين يتحدث الغربيون عن أسرار الشرق فمن الممكن جداً أنهم يعنون بذلك هذا السكون المحير قليلاً الذي يفرزه الظل حين يمتلك هذه الميزة". يضيف تانيزاكي: "لو اخترعنا بأنفسنا الفونوغراف أو الإذاعة لأنجزناهما بطريقة تبرز الصفات الخاصة بأصواتنا وبموسيقانا. وفعلاً فإن موسيقانا تتميز في أصلها بنوع من التحفظ وبالأهمية التي توليها للوسط بحيث إنها تفقد جزءاً كبيراً من سحرها إذا سُجلت ثم ضخمت بواسطة مكبرات الصوت. إننا نتجنب في فن الإلقاء فرقعات الصوت وننمي الإيجاز ونعلق في الخصوص أهمية قصوى على الوقفات.لكن الوقفة في النقل الميكانيكي للخطاب تُدَمَّر تماماً.هكذا دُفعنا إلى تشويه فنوننا بسبب استقبالنا لهذه الأجهزة.واعتماداً على هذه الواقعة البسيطة. نعتقد أننا تكبدنا خسائر حقيقية". يحكي تانيزاكي متأثرا، كيف بنى منزله.ويتحدث عن نوع من اليقظة أو الإدراك المنسوب إلى مذهب زن البوذي: فهو يريد أن يمجد الشيخوخة والتأني والتجوال والفضول والملذات غير المتناهية في تقدير الجمال. وكما في رواياته، فإن الحمامات والمراحيض لا تبتعد عن أفكاره. يخبرنا تانيزاكي أنه يعشق الانصات إلى المطر يتساقط بنعومة بينما هو جالس على المرحاض.
-2-
في العودة الى موراكامي تحضر الكتابة عن موسيقى الجاز بقوة في أدبه، في مسار يؤشر الى اتخاذ الروائي مسافة ازاء الأدب الياباني التقليدي الذي يجسده كل من ميشيما وكاواباتا وتانيزاكي.بل يكتب بلغة بسيطة وحديثة، فيبدو مواكبا لحركة العصر لا التقليد. فهو في سن المراهقة كان يستمع إلى فريق "الخنافس" وفريق "الأبواب" ويقرأ المؤلفات الأميركية، وخصوصاً كتب الخيال العلمي.يبدو تأثير هذا الأمر واضحا في رواياته، فهو يسبح في لجج الألوان الموسيقية، والروايات، والأشرطة المحسوبة على هذه الثقافة.ثمة اختلاف بين موراكامي وكل من ميشيما وكاواباتا وتحديدا في عنصر الأسلوب. إن نثرهما مرتهن إلى الجمال الشكلي، ومكتظ بالمشاعر والانفعالات، بينما ينزع موراكامي صوب كتابة بسيطة، تلقائية، مرنة.هذا ما يميزه عن كثير من الكتاب اليابانيين التقليديين. انه يحب أدب الغرب وموسيقاه وسينما الموجة الجديدة الفرنسية، والأدب الكلاسيكي، وخصوصا اعمال دوستويفسكي وتولستوي وبلزاك. ومع ان اعمالهم كانت تشكل العناصر الأساسية لثقافة موراكامي، والمادة الضرورية التي ينهل منها في بناء اعماله الروائية، الا انه لا يستطيع الاستغناء عن استخدام الثقافة الشعبية وأدب الخيال العلمي، لذا نراه يمزج هذه العناصر الأدبية ويصهرها كيما تثمر عن أعمال روائية هجينة. يهتم النقاد اليابانيون بالصدق في الكتابة، ولا يزال موراكامي يصدمهم بخياله الجامح. ربما سيصبح موراكامي كلاسيكيا بعد مدة، وإن كان بعضهم يعتبر رواج رواياته ايماء الى موت الرواية، او اشارة الى ان الرواية كتلة هائلة عديمة الشكل إلى حد بعيد بحسب الكاتب إي إم فورستر. إنها بكل وضوح تلك المنطقة الأكثر رطوبة ونداوة في الأدب حيث ترويها آلاف الجداول وتتخبط أحيانا لتصبح مستنقعا آسناً، ويرى بارثر أن ثمة صلة بين الرواية والموت، والمقصود هنا هو موت الشكل.يحضر هنا قول رولان بارت "ان الرواية موت. انها تصنع من الحياة مصيرا، ومن الذكرى فعلاً مفيداً، ومن الديمومة زمناً موجهاً ودالاً، لكن هذا التحويل لا يمكن ان ينجز الا في عيون المجتمع، فالمجتمع هو الذي يفرض الرواية". سيصبح موراكامي كلاسيكا ًولو بعد حين.في مقالة لصبري حافظ في اسبوعية "أخبار الأدب" المصرية، لاحظ ان روايات الهاتف الجوال تغزو السوق اليابانية، بعد سنوات طويلة من الرواية المصورة التي عودت القراء تقليص اللغة. انها رواية التلفون الجوال التي تتمتع بجماهيرية واسعة، وتبيع الواحدة منها مئات الآلاف من النسخ، "تكتبها المرأة اليابانية على تلفونها الجوال أثناء اختلائها بنفسها في المواصلات العامة والقطارات، ثم تطبع بعد ذلك في كتب وتباع للقراء.ويعلل البعض ذلك بدقة أصابع المرأة اليابانية التي تمكنها من الكتابة بسهولة على أزرار الجوال. كما أن المؤسسة الأدبية اليابانية لم تتوقف عن مهاجمة هذه الرواية الجديدة لافتقارها الى اللغة، وتدميرها للبنية الروائية".
-3-
قبل رواج رواية الجوال والتكهنات التي احيطت بها، كان الحديث منذ مدة طويلة عن نهاية الرواية.لقد تحدث عن ذلك خصوصاً المستقبليون والسورياليون وتقريباً كل الحركات الطليعية. إنهم كانوا يرون الرواية تختفي على طريق التقدم لمصلحة مستقبل جديد جذرياً ولمصلحة فن قد لا يشبه في شيء ما كان يوجد سلفاً، إذ سيتم مواراة الرواية باسم العدالة التاريخية، تماماً كما قد يقبر البؤس والطبقات السائدة والموديلات العتيقة للسيارات وللقبعات. الباحثة الفرنسية إيزابيل هوسير تقول: "إن القرن الحالي قد يشهد موت الرواية، نتيجة تراجع الجانب المتخيل فيها لمصلحة العقلي والواقعي"، وترى أن الرواية لن تستمر في التأقلم مع الحداثة، وقد تختفي كما اختفت الملحمة، والمتخيل قد يأخذ شكلاً جديداً بعيداً عن الرواية الحالية. يشاركها هذا الرأي الروائي الأسباني ادواردو مندوثا الذي يقول في حوار له: "إن ما نسميه رواية، لم يعد موجوداً. الرواية كانت تقوم بتفسير العالم، والآن تقوم الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى بذلك". الناقدة والكاتبة الراحلة سوزان سونتاغ تقول: "لقد شكلت أطروحات موت الرواية جزءاً من الجدال حول وضع الأدب منذ وقت طويل.لكن تلك الأطروحات بدأت تحدث قدراً أكبر من الضجة. ومنذ أن أصبح الكومبيوتر الأداة الأساسية للكتابة بالنسبة الى أغلب الكتاب ازدادت التنبؤات بمستقبل جديد للأدب الروائي".
يقول كونديرا "إن موت الرواية ليست فكرة وهمية"، فهذا الموت سبق أن وقع ونحن نعرف حاليا كيف تحتضر الرواية فهي لا تختفي بل إن تاريخها هو الذي يتوقف، حيث "لا يبقى بعد هذا التاريخ إلا زمن التكرار حيث تعيد الرواية إنتاج شكلها مفرغا من روحه". يتعلق الأمر إذاً بموت غير معلن لا ينتبه إليه أحد ولا يصدم أحدا.يربط النقد الماركسي مسألة بقاء شكل فني معين بالتغير الاجتماعي. ذكر المفكر جورج لوكاش أن الرواية شكل فني بورجوازي يستلزم الاستمتاع به الخلوة والترف. هذا يلمح الى غرفة الجلوس والكرسي ومصباح القراءة، مثلما تلمح الملحمة الى أناس أميين يتحلقون حول حكواتي القبيلة، ويلمح شكسبير الى نوعين من المتفرجين (في المسارح العامة ومسارح البلاط) خلال الفترة الإقطاعية. كتبت مجلة "أنكاونتر": لا نبالغ كثيراً عندما نقول إنه ما من أحد يفضل الرواية كثيراً.ان القراء الكثيرين الذين اعتادوا الاستمتاع بقراءة القصص يفضلون الأفلام السينمائية والتلفزيون والصحافة وكتب الحوادث والجرائم. استولت السينما والتلفزيون على مساحات واسعة من أراضي الرواية، مثلما اجبر التصوير الرسم على الانسحاب الى أراضٍ بور قد تزهر أو لا تزهر، لقد اخترع بوروز رواية مشاركة القارئ.
وبالنسبة الى الكلمة الميتة فقد اخترع جورج شتاينر الصمت بديلاً منها
نسفت الرواية أسس الملحمة كأدب رفيع للطبقة الاريستوقراطية الأوروبية، وتركت تالياً، مسافة بينها وبين فنون الأدب الشعبي الحكائي، وهو فن يعتمد على أمية الجماهير بحسب تعبير لسلي فيدلر في مقالته "موت الرواية وبعثها". فالرواية لا تنتسب إلى ما سبقها، لا إلى الملحمة ولا إلى الحكاية الشعبية، بل إلى ما لحقها من رسوم هزلية وسينما وتلفزيون، وهي مثل تلك الفنون شكل فني ينحو إلى الغاء الفارق بين ما هو أدبي وغير أدبي، أو على الأقل تتحداه بطرق لا تسر المثقفين التقليديين، وذلك لأنها إنتاج الثورة الصناعية وانتقال السلطة السياسية التي أحلت صورة أو أخرى من صور المجتمع الجماهيري محل الاريستوقراطية بحسب تعبير فيدلر الذي قال إن الرواية تنتمي إلى السينما والتلفزيون بالتوجه إلى الجماهير العريضة.
-4-
لم تمت الرواية كما تنبأ بعض من نقاد الغرب وكتّابه، وانما عثرت لنفسها على فرصة هائلة للبقاء مع دخول كتّاب الشعوب التي خضعت للاستعمار الكولونيالي معترك الكتابة الروائية. النقاد والمفكرون الغربيون أنفسهم يعتبرون أن الرواية في الغرب في طريقها الى الأفول. ظهر مصطلح موت الرواية في الغرب، والرواية الحقيقية موجودة الان في أماكن أخرى، في أميركا اللاتينية وافريقيا واسيا والعالم العربي، ومنذ زمن الروائيين الغربيين الأوائل امثال وليم فوكنر وهمنغواي وفرجينيا وولف، لم يظهر جيل آخر في المستوى نفسه، وتفوقت الرواية المكتوبة في خارج العالم الغربي على الرواية الغربية، وظهر روائيون كثر من الهند وباكستان وافريقيا في انكلترا، وظهر روائيون عرب في فرنسا. كاتب مثل ماركيز ظل قادراً على اعادة الاعتبار دائماً الى الفن الروائي في زمن تبدو الرواية الى انحسار، أمام هجمة السينما والتلفزة، والى الانقسام، إن حضرت، بين نصوص شديدة "الحداثة" وغامضة، ونصوص هي من الجماهيرية والتهافت، مما يؤكد مقولة "موت الرواية".مع الحداثة بات هناك ما يمكن تسميته صدمة القارئ، إذ عليه ان يتحمل تعذيب بعض الكتّاب الغارقين في الكتابة للذات قبل الآخر.عندما سأل احد الصحافيين ماركيز عن موت الرواية قال له: إذا كنت تقول إن الرواية ماتت، فليست الرواية هي التي ماتت، إنما أنت. إذا أصرَّ أحد على موت سحر الواقعية، فماذا تظن يكون رد فعلي؟ أنا أظن أن أي مصرّ على موت الماكوندونية يجب أن يتفحّص نبضه هو.
-5-
الحديث عن موت الرواية موضة فاقعة مثل الحديث عن موت كل شيء، من الشعر الى التاريخ والانسان والمؤلف. هو ليس الموت بل التحول الذي يطرأ على كل شيء. الحديث عن موت الرواية كحديث جونيشيرو تانيزاكي عن الظل الياباني. نكتب عن الموت الآن ونعلم انه منذ رواية "يوليسيس" لجيمس جويس رأى إليوت فيها هجراً لشكل الرواية وليس استمراراً لها. وكان إليوت يرى أن الرواية ختمت بفلوبير وهنري جيمس، ويقول: "لا ألتمس فضلاً إذا دعوت "يوليسيس" رواية، وإن أنت سميتها ملحمة، فلا بأس، فإن لم تكن رواية فذلك ببساطة لأن الرواية شكل لم يعد يفيد". بالنسبة الى إليوت، فإن جيمس جويس كتب رواية واحدة: "صورة الفنان في شبابه"، ويقول إليوت: لا أفترض أن أياً منهما سيكتب رواية أخرى، فقد صارت رواياتهما بلا شكل أكثر من روايات عشرات الكتّاب ممن لا يعرفون أن مصيرها إلى الزوال.والنقاد الذين نظّروا لموت الرواية منذ ستينات القرن الماضي، يصفون الروايات التي لا تزال تكتب بأنها روايات ما بعد نهاية الرواية. ماذا سيقال عن رواية "عصر المدونات" والتي باتت سائدة حتى في العالم العربي، مصر تحديدا، وحيث أحدثت صدمة في الشارع المصري من حيث المواضيع التي تتناولها والتي تبدو أكثر تحررا من الروايات التقليدية والحديثة؟