ضاع الديك - قصة قصيرة
ضـاع الـدّيـك
"قصة قصيرة"
بسام الطعان
على أطراف تل (ليلان*) الأثري، الذي يحوي بين طياته بقايا مملكة غابرة ربما تعود إلى الفترة الأكادية، أو الآشورية من رقَمٍ طينية، وجرار فخارية، ومنحوتات صخرية، تقف (مرّة) وهي تعصب رأسها بمنديل كالح مبقع بالزيت والطحين والوسخ، تسلقه بنظرة جامدة من عينين صغيرتين بلا رموش، ثم ترشه بسيل من الكلمات التي لا تليق بزوجة غيورة على زوجها، أما هو فكان يشاطىء بنظره خط الأفق كما لو أنه يقرأ حظوظ البشرية في البقاء بعد كارثة نووية، بينما (هارلي) خبير الآثار الأمريكي ورفاقه يضحكون ملء أشداقهم رغم انهم لا يفهمون ما تقوله.
تنسحب (مرّة) وهي تمسح دموعها، وتندب حظها، ومخلفة وراءها قافلة من الشتائم له وللأجانب، فيظل جالساً بمحاذاة جدار مشرف على بحيرة متكونة من أمطار الشتاء والمياه الآسنة، يتلاعب بسبحته الزرقاء، وينظر بشبق إلى مؤخرة (باتي) صديقة هارلي حينا، وبحسرة إلى ساقيها البيضاوين حينا آخر، ثم يطلق العنان لخياله الذي يثير لديه رغبات غريبة وعجيبة: آه لو أمسكت بها لدقائق فقط ولو جاء جورج بوش بكل جيشه فلن يستطيع أن يخلصها من بين يديّ". لكن لماذا ننطلق من الماضي ولا ننطلق من الحاضر؟ يبدو أنني لا أتقن كتابة القصة القصيرة. هذا ما اعترف به السيد(ب) الذي يخربش الآن القصص.
اندلعت زوبعة من الصراخ، تسبقها دموع ملونة بالقهر:
دجاجاتي.. ديوكي.. أين اختفت؟
هل هذا صراخ (مرّة) التي تعتنق القهر بعينين مغمضتين؟
نعم أنها لم تنل من لذة العيش ولا ثانية.
قالت لإحدى جاراتها بصوت خفيض مع نبرة أنثوية اختفت هذه الأيام:
اليوم بيديّ هاتين وضعتها في القن، حتى الديك الأحمر اختفى!
حين اجتمعت النسوة يتداولن الحادثة، كان (شيخموس) على بيادر القرية يمضي مع تنابله جولة جديدة من لعب الورق: "آه لو أربح اليوم، فلن أندم على تقديم كل ما أربحه لها دون مقابل". وحين خسر الجولة، كان داخل صدره قارع طبل لأنه لم يعد يملك ما يلعب عليه: "ليتهم يلعبون على تلك القردة، حينها كنت سأرتاح منها ومن صراخها، وكنت سأتفرغ لغزالتي الأمريكية". وبينما يحاور ذاته بحسرة سمع أحد الأولاد يقول:
"خالو".. خالتي (مرّة) تقول اختفت الدجاجات والديوك، ألا تعرف أين هي؟
ردّ بعصبية وقهر:
لعنة الله عليك وعلى خالو، هل هذا وقتها؟ اذهب وقل لها أكلها الثعلب.
يا ويلك منها يا شيخموس. قالها أحد الفائزين وهو يملأ الفضاء بضحكاته الساخرة.
ظل يسبح في دهاليز معتمة، ثم انتفض فجأة وقال في قرارة نفسه: "سأذهب لأرى ماذا حصل لتلك القردة".
في الطرق كان خيالاً وهو ضخم الجثة، رثّ الثياب، مقضب الجبين، واسع الفم، غليظ الشفتين، كبير الأنف بصورة تبعث على الضحك، ويصرخ فوق جبينه صدأ نسيه قطار الأيام، وكانت (باتي) في ذاكرته، تسير معه، تتأبط ذراعه، تجلس معه، تقدم له كل ما يشتهي، وتئن أنينا لذيذاً، وحين ارتطمت قدمه بحجر كاد يقع أرضاً وراح يشتم (مرّة) بكلمات بذيئة.
كانت (مرّة) واجمة الملامح والغضب يتدلى من عينيها المدججتين بالأسلحة الفتاكة:
أكلها الثعلب إذاً يا "أبو مخّ معفّن"؟
أنزل عن كتفيه حمولة الحزن والكآبة وزفر بعمق:
لا تصرعيني.. أكلها الثعلب وانتهى كل شيء.
في تلك اللحظة اكفهر وجهها حتى صار قطعة خشب سوداء.
في اليوم التالي اندلعت زوبعة أخرى.
جرّة الغاز اختفت يا ناس!
وفي كل يوم جديد تندلع زوبعة جديدة:
كيس الطحين.. تنكة العدس.. بطانيتي الوحيدة.. اسطوانة الغاز.. كيس البرغل.. ماذا سيأكل الأولاد..؟ بيتي لم يبق فيه شيء، ارحموني يا ناس!
في كل مرة كان شيخموس يعود إلى البيت، فيجد بانتظاره زوبعة جديدة، لكنه لم يكن يبالي بها لأن وجهه كان منكسرا كعين الفقير.
* تل أثري في محافظة الحسكة تنقِّب فيه بعثة آثار أمريكية منذ أكثر من خمسة عشر عاما.