جوع الشرق تخمة الغرب - قصة قصيرة
جوع الشرق تخمة الغرب
قصة قصيرة
بسام الطعان
يا له من وجه طفولي، مشرب بالحليب والزبدة والعسل، إنه أجمل تحفة في العالم، يخلب لب الكهول قبل الشباب، والناظر إليه لا يقدر إلا أن يقف أمامه مبهوراً ويرفع قبعته احتراماً له.
في المرة الأولى رآها في المكتبة الوطنية برفقة شخص ملامحه عربية، فلم يستطع أن يتابع القراءة، وراح ينظر إليها بإعجاب شديد إلى أن غادرت القاعة، وفي المرة الثانية، رآها في المركز الثقافي الروسي، كانت تجلس في الصفوف الأمامية، تبتسم باستمرار وتنتقل بنظراتها بين المحاضرين، فتبدو وكأنها لعبة صنعتها يد فنان مبدع إلى درجة الإعجاز.
انتهت المحاضرة فاستعدت للخروج، أما هو فحرر نفسه من مقاعد التردد، يبدو أن قلبه قد استفزه، تقدم منها بخطوات واثقة، صافحها، عرّفها على نفسه وسألها عن مدينتها، فقالت بعربية مكسرة:
ـ أنا إيطالية، من مدينة (بادوفا) وأدرس الأدب العربي هنا.
تسربل وجهه بالفرح ودعاها لمرافقته فردت بفرح:
ـ يسعدني ذلك وسأكون ممتنّة لأتعرف أكثر على هذه المدينة.
تملكته غبطة إذ وافقت، سارا في بعض الشوارع، ثم دخل إلى أحد محلات العصير، تحدثا عن بلديهما، وعن كل ما يخطر على بالهما. كان يفكر أثناء حديثه عن كيفية الوصول إلى قلبها وهو ينظر إلى قامتها الفارعة وقوامها المتناسق وجمالها الفتان.
ساد الانسجام بينهما، فدعاها إلى السينما، رحبت بذلك وشكرته، فشعر بأن المدينة كلها قد أصبحت ملكاً له.
ما إن انطفأت الأنوار حتى أرخت رأسها على صدره، ووضعت كفها في كفه وكأنها تلوذ به من خطر يحدق بها، أنفاسها كانت أنغاماً تسقط على قلبه برداً وسلاماً، فهذه أول مرة يجلس فيها مع فتاة بهذا الجمال، فتاة حولت الخريف الساكن في نفسه إلى ربيع دائم.
تابعا الفيلم الفرنسي فوجداه مملاً فلا القصة جميلة ولا الممثلون معروفون، وحين لاحظ أنها تغمض عينيها، دعاها إلى شقته وهو يرتعش خوفاً من أن تصده أو ربما تصفعه، ولكن يا لدهشته، تأبطت ذراعه وهمست:
ـ هيا بنا.. هل بيتك بعيد؟
"يبدو أنها لن تخيب ظني" قال ذلك لنفسه ثم قال لها:
ـ دقائق قليلة ونصل.
في سيارة الأجرة كان ينظر إلى جسدها المكتمل النضوج ويلح على أمر تريده نفسه، أما هي فكانت تنظر إلى الشوارع المزدحمة بالناس والسيارات والمضاءة بالأنوار الملونة.
رحب بها في شقته أجمل ترحيب، وبسرعة حقن في وريدها مشاعره، فشكرته ولم تضن عليه بقليل من العواطف.
على الفور أعد مائدة مليئة بكل ما لذ وطاب، جلس قبالتها وقد تزاحمت الأمنيات في رأسه، ناولها كأسا من العصير وشكرها على تلبية دعوته فابتسمت كألطف خلق الله ولم تعلق، وبعد لحظات قالت:
ـ أليست لديك آلة تسجيل؟.. ما رأيك لو نرقص قليلاً؟
نهضت وخلعت سترتها الحمراء، فبدت عارية بخصر مهيب، وبدا جسدها أكثر إثارة، افتتن بكل ما فيها وهو يشعر بأشياء تحدث لأول مرة، كان يرقص معها على أنغام موسيقى هادئة، يضغط على خصرها بيد، ويضع الأخرى فوق كتفها، وكثيرا ما حاول أن يقرب شفتيه من شفتيها أو من عنقها، ولكن في كل مرة، كانت تبعد رأسها بحركة سريعة وتدخله في مربع الفشل.
جلسا على الأريكة، وحين ابتسمت، تفتق ذهنه عن فكرة عبقرية وشيطانية، لو تحققت لكان قادها إلى غرفة النوم دون تأشيرة أو جواز سفر.
قال وهو ينظر إلى جهة أخرى بتعمد:
ـ لماذا لا تخلعين هذه التنورة الضيقة؟.. إذا ارتديت( بيجامة) سترتاحين أكثر.
ظلت تلوك هدوءاً عجيباً، ولكن دون حقد أو غضب، وبمشاعر محايدة تماماً ردت:
ـ أنا مرتاحة بها فهي واسعة بما فيه الكفاية.
بغتة فقد السيطرة على نفسه، اقترب منها حتى سمع أنفاسها، فلم تشجعه وبقيت جامدة وكأن ليس فيها حس أو روح.
مع الرجفة جذبها نحوه وكل همه أن يغوص في سهول جسدها وهضابه، لكنها ظلت كشجرة تعطي غصنها وتخبّئ أزهارها، ابتعدت قليلا وقالت بهدوء وبساطة:
ـ إهدأ.. ماذا بك؟
أي نوع من المخلوقات هذه، لا بد من الصبر والمثل يقول (من طلب العلا سهر الليالي) كان يقول ذلك لنفسه، ثم اعتذر منها فمسدت شعره بحنان:
ـ لا داعي للاعتذار.
عندئذ تاه وتاه معه عنوانه، ولم يعرف أين هو، وفي لحظة خاطفة جثم فوقها مثل ثور وفقد زمام نفسه، أما هي فقالت ببساطة وصخب وضحكة خالية من الانزعاج:
ـ لا، لا أريد.
تحملت انتفاضته ومزاجه ونزواته وفظاظته وحتى ألاعيبه، وطلبت منه أن ينهض من فوقها وهي تمسد خديه بأناملها الناعمة، وحين استجاب وهو يرسم سهرة جميلة في ذهنه، جلست بهدوء وكأن شيئاً لم يكن، وضعت ساقاً فوق أخرى، عدلت من شعرها المبعثر:
ـ هذا هو الفرق بيننا وبينكم أيها الشرقيون، فنحن لا نكترث بأمر أنتم تهتمون به كثيراً.. نحن نجده عندما نريده، بينما أنتم تريدونه دائماً ولا تجدونه.
ارتدت سترتها، عانقته وقبلته قبلة عميقة، وعند الباب قالت:
ـ اعذرني لولا أن صديقي اليمني ينتظرني لبقيت معك حتى الصباح.
أما هو فصار الليل كله رفيقه، وظل وجهها المشرق لا يفارقه.
bassamtaan@yahoo.com