زياد يحيي الحضور الرحباني في ذاكرة دمشق
زياد يحيي الحضور الرحباني في ذاكرة دمشق
جماليا – دمشق
هنا.. في قلعة دمشق، عاصمة الثقافة العربية لهذا العام التقى زياد الرحباني جمهوره وجمهور التراث الرحباني وفيروز في بيئة من الفن الجاد المتميز خلقتها خمس حفلات حضرها قرابة العشرين ألفٍ من عشاق موسيقا زياد الرحباني الذي استضافته الأمانة العامة لاحتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية فتألقت بأغنياته التي يعرفها الجمهور السوري والتي تطربه ألحانها وتؤثر في نفسه كلمات لغة زياد الساخرة المنطلقة من لغة الناس والواقع ومن صميم حياتهم وصور معاناتهم اليومية في ارتباطهم بأوطانهم وبحكوماتها وفي علاقات بلدانهم بالعالم وبأحداثه وصولاً إلى ما يقلق زياد الرحباني وهو ما كان أقلق الأخوين عاصي ومنصور الرحباني وبعدهما منصور منذ بداية النصف الثاني من القرن الماضي وحتى أيامنا الحالية.. هجرة أبناء الوطن هروباً من مواجهة ما يتعرض له وما يتعرضون له من أحداث ومآسٍ وتراجعٍ وقسوة وما يصيبهم من يأس وخوف وتشاؤم.
في سيرة زياد الرحباني صورٌ ساطعة من التّشبّث بالوطن ورفض اللجوء إلى أي بديل. في غمرة الأحداث وفي أكثر الأيام حلكة كان زياد الرحباني على تواصلٍ مستمر مع أبناء بلده وكانت الأحداث بفظاعتها وتعايشه معها عن قرب الملهم الأساس في إبداعات تحدّت كافة الظروف زكلّ العقبات لتصل إلى جمهوره في لبنان منذ مسرحيته العظيمة «نزل السرور» وما تلاها: «فيلم أميركي طويل»، «بالنسبة لبكرا شو»، «وشي فاشل»، «بخصوص الكرامة والشعب العنيد» و«لولا فسحة الأمل» والتي توجّه بها موسيقا ونصوصاً إلى الناس مباشرة وبطريقة كان يحلو له وصفها بأنها (واقعية) و (فجّة).
عرف جمهور التراث الرحباني زياد ابنَ عاصي منذ كان صبياً في السابعة عشر من عمره عندما قدّم لحن أغنية "سألوني الناس" عام 1973 مهداةً لوالده في مسرحية المحطة وشاهدوه بعدها في مسرحية "ميس الريم" 1975 وفي مسرحيته "سهرية" قبل أن يطلع على جمهوره تلك الطلعة البهية القوية في مسرحياته السياسية الاجتماعية الساخرة.. لقد أحب الجمهور السوري زياد في مسرحياته وأغانيه على الرغم من أن قلة قليلة منهم من توفرت له فرصة حضور مسرحياته التي عرضت في بيروت فقط ولم تسجّل للتلفزيون أو السينما وكان اعتماد جمهوره بالتالي على أشرطة الكاسيت فقط مما أضاع عليهم فرصاً كبيرة للاستمتاع بمشاهد رائعة تعكس مرارة المواقف والأيام التي عانى الشعب اللبناني من ويلاتها جرّاء معارك حرب الآخرين على أرضه.
في دمشق، احتفى الجمهور السوري بضيفه زياد فكانت الحفاوة (فوق تصوّري) كما قال واصفاً إياها: (بصراحة ما كنت متوقع هيك شي.. ولا شايف هيك شي من قبل). إذ استقبل الجمهور الفنان الكبير زياد في اليوم الأول (وكذلك فعل في الأيام اللاحقة) بعاصفة من التصفيق عندما خرج على المسرح، مفتتحاً الحفل بمقطوعة موسيقية، قبل الأغنية الأولى "شو هالأيام اللّي وْصِلنالا..".
ومع مختارات من أغنياته المحبوبة "تلفن عيّاش" و"عايشة وحدها بلاك" و"بلا ولا شي" و"راجعة بإذن الله"...، سعدَ الجمهور الذي غنّى معه مشاركاً ولم يعترض زياد المعروف عنه حرصه على الهدوء التام الذي طالب به غير مرة وقد ساد الصمت بالفعل عند تأديته مجموعة من مقطوعاته الموسيقية مع فرقته الأوركسترالية الضخمة التي تضم عازفين مشهورين كان بينهم 27 موسيقياً من سوريا و22 من أرمينيا وآخرون من هولندا وفرنسا وقد قادها المايسترو الأرميني "كارين دورغريان".
في الفرقة مجموعة كورالية من ستة مغنيات من خريجات كونسرفاتوار دمشق قمن بتأدية أغان من تلحين زياد وغناء السيدة فيروز بتوزيع مختلف قليلاً عن المعتاد منها (صباح ومسا) و (ليلي ليلي ليلي يــا ليل...) وكانت هدية زياد للجمهور أغنيته (شو هالإيام) التي أداها بصوته الذي طالما وصفه بالـ(بشع)!!.
وتتالت الأغنيات في كل يوم بين المقطوعات الموسيقية لتذكر الجمهور بأيام زياد والراحل جوزيف صقر وغنى الجمهور مع زياد وفرقته وحتى بعد انتهاء الحفلات مما جعل زياد يعلّق مسروراً: "كنا جايين نْسمّعكن طلعنا عم نِسْمعلكُن"!!.
كان من الواضح أن الفنان المحبوب زياد الرحباني يبادل جمهوره السوري المحبة والتفاعل وفق رؤىً متقاربة مع ما تمتلىء به ساحات المجتمعين السوري واللبناني من أحداث ومشاريع وسياسات ومآزق تتطلب المزيد من الوعي والمزيد من التضامن بين الشعبين الشقيقين لتصفية سماءهما من لبد الغيوم الذي حرمهما لسنوات عديدة من الفرح والسلام والتنمية الاجتماعية.. وكان من الواضح في وداع زياد نفحة الحزن التي رافقته وهو يأمل أن يعود قريباً ليلتقي أحباءه في سوريا في احتفالات مماثلة.