محمود درويش.. يكفي أن يكون اسمك عنواناً لكلماتي

هيفاء أحمد الجندي قرأها 5
  

محمود درويش.. يكفي أن يكون اسمك عنواناً لكلماتي

هيفاء أحمد الجندي

يوم السبت الواقع في 9/8/2008 وفي الساعة الثامنة مساء توقفت قلوب الملايين، وعطبت قلوب البعض الآخر، عند سماعها الخبر الفاجعة وهو رحيل الشاعر الكبير محمود درويش.

نعم توقف قلب درويش عن الخفقان، ولكن دقاته ما تزال تنبض خارج جسده، خارج زمانه ومكانه.

رحل الشاعر الظاهرة والشاعر ـ الحالة والشاعر والرمز. المتعدد في أناه، هذه الأنا التي لطالما كانت حاملة للقضية ورافعة لها، في الوقت الذي يستبيحها أهلها وناسها، وغادرت مركزيتها ليعطيها درويش الثقل اللازم والمعنى المغادر والمستباح.

محمود درويش لم تغادرك قضيتك، وإنما أخذت أشكالاً جديدة وصيغاً مبتكرة، القضية التي انفتحت على فضاءات أوسع. فإذا كنت صاحب قضية حسب درويش فأنت أولاً وقبل كل شيء إنساناً مخلوقاً للفرح، وللحب، وللجمال وللحياة.

لازمتك قضيتك فكنت شاعرها، وعندما ساد الانقسام والتشرذم والتشظّي ونبذ الآخر الساحة الفلسطينية حملت رؤياك الشعرية إلى أماكن أخرى وترفعت وقصيدتك إلى المتخيل المهووس بما يجب أن يكون. لذا لا يمكن اختزالك بشاعر قضية ومقاومة فقط، ونغفل ما كتبت في الآونة الأخيرة عن الذات وقضايا الوجود والتفاصيل الإنسانية، كالحب، والموت، والحياة، والفرح والحزن. عناوين لطالما فلسفتها شعرياً لتكون شكلاً من أشكال المقاومة، أي بالفرح نقاوم، وبالحب وبالجمال. العادي في الحياة أمسى استثنائياً في شعر محمود درويش.

لم تعرف أيها الغالي جموداً وسكوناً، فأنت وشعرك في حالة تجدد وشباب دائم، واخترقت كل الأزمنة وعاصرت كل الأجيال. فكنت معاصراً ومجدداً وحداثوياً دون أن تخلع جلدك لتقع فريسة اللاجدوى والعدمية والحداثوية الزائفة. حررت المعنى من ثقله، لتجعله يرتدي ثوب الحياة، حررته من أغلاله وقيوده وجعلته يبتعد عن التكلف والتقليد.

من منا يمكن أن ينسى مفردات التصقت بقصيدتك واستمدت معناها من شعرك فلم تغادرك وتغادرنا كالمقهى، الرحيل، الذاكرة، الحنين، الانتظار، الحلم، المنفى، الحب، النسيان.

أمّمتَ الشعر العربي وأدخلته إلى كل بيت.

كتبت ما لا يكتب.

قلت ما لا يقال.

حدثت ما لم يحدّث

تأبى السلطات لأنها تأسرك وتنال من حريتك، لم تكن مأسوراً للفلكلور الفلسطيني المجاني، وإنما كنت مؤرخاً بقصيدتك للتراجيديا الفلسطينية، فأعطيت للهوية والانتماء المعنى المختلف.

محمود درويش، لا يجتمع عاشقان، مثقفان، ناقدان إلا وتكون قصيدتك ثالثهما. جمعت ما لا يجمع بشعرك. فإذا كان من إجماع فهو حبك.

وإذا كان للقصيدة من عنوان فأنت عنوانها.

لا يليق بالشاعر ـ الأمثولة ـ إلا مجالس عزاء أممية، للذي قهر الموت مرات ومرات بالشعر، وبالحب، وبالأمل، فقهرك في الجولة الأخيرة.

تباً لك أيها الموت لأنك سرقت منا الشاعر الأجمل.

لنبنِ الشعر الذي توقع رحيله، تاركاً الأبناء ـ القصائد تبكي الأب الشرعي للقصيدة العربية الحديثة.

نعم غيب الموت كباراً وكباراً، ولكن كنا نعتقد لوهلة قريبة أن درويشاً عصيٌّ على الموت، ولم نمرّن أنفسنا على غيابك أو تقبل فكرة رحيلك. بكيتك جهاراً وبكيت أمي في الحلم.

فاستيقظت مذعورة، أأنا فقدت أمي حقاً؟

التبست الأمور عليَّ، وبعد أن تأكدت أن أمي ما تزال على قيد الحياة، عرفت أن من فقدت حقيقة هو أمي الثانية.

محمود درويش موتك كان موتاً للأم في المنام.

mahmoud-darweesh15.jpg

النور