عندما يستمد الفكر العقلاني العربي جوهره ومعناه من منهج محمود أمين العالم الماركسي
عندما يستمد الفكر العقلاني العربي جوهره ومعناه من منهج محمود أمين العالمالماركسي
هيفاء أحمد الجندي
لا يمكن وأنت تكتب عن محمود أمين العالم إلا أن ينتفض وجدانك، ذاك الطفل بملامح العجوز يأسرك بوداعته وبابتسامته وقربه منك، يربكك بتواضعه وكبره ونبله. غيابه يشبه حضوره.
هادئ، متواضع، كأن قدر الناس الجميلين أن يرحلوا بصمت. استحضرناه كلمات مكتوبة لينتج هو معناها لأن نصه لن يكون نصاً عادياً، سيكون مغايراً لأنه يشبهه.
كان نموذجاً للمفكر الماركسي النقدي البعيد عن الجمود، والتعصب والكلاسيكية، معرفته، ثقافته الموسوعية كانت رافعاً لفكره السياسي ونأت به عن ضيق أفق الساسة وقولبة الانتماءات الحزبية الضيقة.
هو الذي ربط يبن الثقافة والفكر والسياسة لإيمانه بانخراط الفكر بالفعل السياسي، دون أن يفقد طبيعته كفكر ودون أن يصبح أداة ووسيلة لغاية سلطوية نخبوية، عالم بالجدل والتناقض، لا يرتكن إلى ثابت وساكن لأنه مهووس بقلق الفكر والمعرفة. حالم بالتغيير والعدالة وملتصق بالناس وهمومهم ومناصر لقضاياهم دون خطابية وشعاراتية مبتذلة.
ولكي لا تتحول كلماتنا إلى إنشاء مجاني، سنورد في هذه المقالة التكريمية بعض الملاحظات النقدية التي وجهها لمجموعة من المفكرين والمثقفين على اختلاف انتماءاتهم وأزمانهم ومواقعهم والتي جاءت في كتابه (مواقف نقدية من التراث) الصادر عن دار الفارابي. هذه الملاحظات تحتاج إلى صفحات وصفحات، ولكن لضيق المساحة المعطاة لنا سنسلط الضوء على النقاط التي تظهر عمق تحليله ونبل اختلافه وتألق منهجه الماركسي بنقده للآخر وحواره معه.
سنبدأ بالمفكر الإسلامي حسن حنفي، صاحب المشروع الفكري الحضاري القائم على تمجيد الخصوصية ذات التوجه الديني ـ القومي والمحكوم بثنائية الأنا والآخر الغربي، دون تمييز منه بين التراث الاشتراكي والرأسمالي، ودعوته إلى بناء مركزية إسلامية وتغليبه للوحي على الواقع في كتابات تخص تجديده الديني، إضافة إلى وسطيته الفكرية المتماشية مع النزعة الظاهراتية وتطبيقه لمنهج هوسرل، وتبنيه الرؤية الغائية للتاريخ. هذه الأفكار مجتمعة، حرضت محمود أمين العالم ودفعته لحواره، معتبراً أن العقل يفقد عقلانيته ويتحول إلى مجرد أداة استخلاصية يقينية نفعية، إذا لم يربط بشروطه الموضوعية وضرورات الراهن. ورأى أن ثنائيته قائمة على الاستبعاد والإقصاء بهذا ما يؤدي إلى زيادة التغريب والوقوع في فخ الاستغراب المعكوس.
وحتى لا تكون الخصوصية أقنوماً ثابتاً يجب تحويلها إلى جسر للتلاقي والتواصل، لأن هنالك أفكاراً وفلسفات مشتركة بين الشمال والجنوب تملي علينا توسيع رقعة النضال لتضييق رقعة التناقضات.
أما جورج طرابيشي، وفي معرض نقده لمشروع حسن حنفي، فيأخذ عليه العالم وقوعه في فخ اللاتاريخية، عندما يقتصر نقده وتحليله على علم النفس التحليلي، مفضلاً الجانب الاجتماعي الطبقي، الإبستمولوجي الواقعي. وأكثر ما يتجلى هذا التغاضي عندما يرى أن كل عودة إلى التراث السلفي هي نكوص وعصاب، فينبري العالم لمشاكسته معتبراً أن كل عودة تختلف باختلاف الملابسات الوطنية والاجتماعية وأن الركائز الأساسية للعقلانية العربية لمواجهة السلفية هي بناء مشروع تنموي واجتماعي عناوينه العريضة هي الديمقراطية والحرية والعدالة.
من سردية طرابيشي، ينتقل بنا العالم إلى محطته التالية لتكون مع نصر حامد أبو زيد المفكر المجتهد المستنير، الذي اعتمد منهجية قائمة على التحليل الداخلي لبنية النص لكشف وتوليد الدلالات. وبذلك يغلب العامل والتفسير الثقافي أحياناً على دور الواقع الموضوعي، متناسياً أن المنتج الأساسي للنص هو الواقع. ومن هنا أتت دعوة العالم، إلى ربط الفكر بالسياق الواقعي الموضوعي وكشف قوانين ووحدة المتناقضات.
المحطة الأعمق، ستفرد للمفكر محمد عابد الجابري ومشروعه المتمحور حول نقد العقل العربي محيلاً أسباب التخلف العربي ووفق منهجه النبوي لثوابت معرفية، نهائية، متمثلة بثالوث القبيلة والغنيمة والعقيدة. وعلى أهمية ما يطرحه الجابري حول القبيلة والاقتصاد الريعي والتعصب العقائدي إلا أنه يتناسى عن قصد أن أحد أهم أسباب تخلفنا يعود إلى التبعية للرأسمالية الاحتكارية وإلى بنية أنظمة الحكم السياسية التي تعمل على تكريس وإعادة إنتاج ثالوثه. وكل حديث عن تغيير لا يمس أنظمة الحكم، والكلام لمحمود أمين العالم، سيكون طوباوياً وإصلاحياً.
إذا كانت المحطة الأعمق للجابري، فإن المحطة الأبرز ستكون للمفكر ابن رشد لما يعنيه من سيادة للعقل والعقلانية، وليبين لنا العالم أن الرشدية انتصرت خلال مرحلة التنوير الأوربي لأنها تفاعلت وتواكبت مع حركة التغيير الاقتصادي الاجتماعي، وهي أيضاً أسهمت في تنمية الرشدية في الوقت الذي كان مجتمعنا يتخلف ويتراجع، مقدراً ثورته الفلسفية ونقده للفقهاء ورجال الدين. على أن استلهامه في الوقت الحاضر يجب أن يكون مرتبطاً بإنجاز مشروع تنموي شامل لأن الذين يضطهدون العقلانية ويمنعونها من أن تتحرر هم أنفسهم الذين يضطهدون الجماهير العربية.
لا أخفي شخصياً وأنا أغوص في عوالم هذا الكتاب، نبل الاختلاف الذي تحلى به هذا الكبير مع نقيضه الفكري عبد الرحمن بدوي، هذا الوجودي التائه، مقدراً إسهاماته الفلسفية وإخفاقاته، فقد أوجد العالم لفلسفته مبررات موضوعية تاريخية، إذ اعتبرت وقتذاك ثورة روحية في وجه التحديث الرأسمالي المفروض بقوة السلاح والاحتلال.
والأجمل هو تقديره الكبير للتعبير الأدبي البليغ والعبقري لأبي حيان التوحيدي عن أزمته الذاتية ـ الفكرية، التي أتت على شكل تساؤلات متمردة نابعة من سيكولوجيا القهر والاغتراب، ولكن لها أساس واقعي، ومن هنا أتت دعوة العالم إلى ربط الذاتي والموضوعي على الرغم من موضوعيته، ولم يستطع العالم أن يواري إعجابه بالمفكر النهضوي ـ الحداثي عبد الله النديم الذي عدّه ظاهرة متكاملة فكراً وسلوكاً، مثنياً على حسه التاريخي رؤيته النظرية وارتباطه بالقوى الاجتماعية. ولكن صدامه مع السلطة أخفت صوته واسمه، وإذا كان من ملاحظات لا يمكن أن تؤخذ بمعزل عن السياق العام لمشروع النهضة، فإن ما يعيب النديم هو موقفه الرجعي من المرأة.
جميل أن ننهي كما أنهى محمود أمين العالم كتابه بالحديث عن طه حسين الثورة الحقيقية في الفكر العقلاني العربي، لما شكله كتابه (في الشعر الجاهلي) من معارك معرفية سياسية، عندما اعتمد المنهجية الفكرية، القائمة على الشك الديكارتي، ليتوصل فيما بعد إلى مرحلة النقد الكامل مرتكزاً على أدلة موضوعية. ولكن نقد العالم توجه وخصّ ثنائيته القائمة بين العلم والأيديولوجيا وقبوله الدائم لها.
ما أحوجنا، في ظل تعميم الظلامية والتعصب، إلى فكر طه حسين، لأن معركته هي معركتنا التي لم يتم تجاوزها بعد، واستحضاره هو استحضار لكينونته الحاضرة المحاصرة، المهددة لما يمثله من فكر تنويري.
ما أضيق الاختلاف أمام اتساع الأفق الإنساني! لولا الاختلاف لما تقدم الفكر العربي عبر التاريخ، وسيبقى العقلانيون العرب رغم اختلافهم النبيل تجمعهم جبهة الاستنارة والتنوير لمواجهة الظلام.
ما يمكن أن أتمثله شخصياً من محمود أمين العالم هو أن التعبير عن الحب يكمن في نقدنا للآخر.