الرغيفُ أمْ القيثارة؟ (1/2)
الرغيفُ أمْ القيثارة؟ (1/2)
فاطمة ناعوت
صغيري مستنكراً: ماما الناس بتموت في طوابير العيش، والميّا ملوثة، ومصر داخلة على مجاعة وانتِ بتكتبي عن الطفولة والموسيقى واللغة والفلسفة والشِّعر والتشكيل والكتب! حيقولوا انك مش حاسّة بالبلد! خلي مقالاتك في "المصري اليوم" عن أزمات مصر، والمواضيع الثقافية في أعمدتك برا مصر."
ورغم أن "المصري اليوم"، هذه الجريدة المحترمة الجميلة، اِسْتكتبتني بوصفي شاعرةً، ورئيس تحريرها المستنير طَلبَ مني أن أتوفّر حصرياً على هذا الخطّ، ورغم استشعاري استحسانَ القراءِ عبر ردود الفعل في التفاعليّ والإيميلات والمهاتفات، حدَّ أن قيل غير مرة إن هذا اللونَ من الكتابة يشحنُ النفسَ بالجمال ويضخُّ الروحَ في النفوس المتعبة، ورغم أني أقوم بدوري العضويّ في الكتابة حول أزمات البلد في غير هذا المكان، ولأنني أحدُ الذين نجحوا في حلِّ عثراتهم الروحية والصحية بل والمادية بالموسيقى والشِّعر والقراءة والتشبث بروح الطفل، فإنني أقول إن الكلام عن الفنون والكتب لا يقلُّ أهميةً، إن لم يزد، عن النضال في سبيل الرغيف، إن هو إلا الشقُّ الآخر منه. الشقُّ الأهم.
وهنا أحيلكم إلى مقال قيّم عنوانه "بل ضرورية جداً!" كتبه عباس محمود العقاد العام 1937 في مجلة "الرسالة" ردًّا على سؤال: هل الفنون الجميلة من ضرورياتِ الحياة أم هي كمالياتٌ تأتي بعد العلم والصناعة، وطبعاً بعد لقمة العيش؟ ولنا أن ننتبه أننا بصدد حقبة من أرقى ما عاشت مصر فنيًّاً واجتماعياً وفكرياً، وسياسياً أيضا حيث تعدد الأحزاب والليبرالية التي وئِدت بمصرَ الآن، ولا عزاء للمستنيرين.
يبدأ العقاد مقاله بوجوب التفريق أولا بين الفرد وبين الأمة حال مناقشة الضروريّ والكماليّ. فالفرد لا يُشترط فيه أن يستوفي جميعَ المزايا والملكات الإنسانية. ليس لازماً، ولا مُستطاعاً، أن يكون ذكياً وجميلاً وعالماً وشاعراً وصانعاً وزعيماً ومفكراً. لكنْ إذا اجتمع عشرون مليون فرد في قطر فمن الضروري، وليس الكماليّ، أن تتوفر بينهم جميعُ الملكات التي تتفرقُ في الأفراد، وإلا حدث مسخٌ في التركيب المجتمعيّ. ويستوي هنا أن تكون المَلكةُ فناً أو علماً أو رأياً، المهم أن الملايين العشرين (تعداد مصر وقتئذ) يتّسعون لكل مزية عُرِفت في بني الإنسان، وإلا نقصت ضروريات الأمة، وإن كانت كماليات بالنسبة للفرد. ثانياً: من الواجب عدم تقييم المطالب بمقدار الحاجة إليها والاستغناء عنها، فهذا تقييم زائف. ذاك أننا نقدر على العيش دون مَلكة النظر والسمع والكلام سبعين عاماً دون أن نهلك، ولا نقدر أن نعيش سبعين يوماً دون الرغيف، ولم يقل أحدٌ لهذا إن الرغيفَ أهمُّ من البصر، والطعامَ أولى.